طريق المصلحين

«إن في سجون مصر علماءً يقطعون الأحجار، ويلبسون ثياب المجرمين، ويعاملون بالزراية والمهانة، لأنهم فهموا العلم جهادًا ونصيحة وتعبًا، ومعاملة مع الله، عز وجل، فإذا رأوا المنكر أنكروه، وإذا التقوا مع الجاهل نصحوه، وإذا ابتلوا بالظالم وقفوا في وجهه ليردوه ويهدوه، وإذا كانوا مع مستغلي الشعب من أغنياء وزعماء ورجال أحزاب واجهوهم بالحق الذي جعله الله أمانة في أعناق الذين أوتوا العلم، هذه جريمتهم التي زجوا من أجلها بالسجون، وقيدت أرجلهم بالحديد، وسيقوا إلى مقالع الأحجار كما يساق القتلة واللصوص والأشرار والمجرمون. ويا ليتهم سلموا من ألسنة إخوانهم من علماء الدين الذين سخرهم الطغيان ليخدعوا الناس باسم الدين، فإذا هم أداة تغيير للشعب وزراية بالعلماء المصلحين، وتمجيد للفسقة والمغتصبين! هؤلاء العلماء المصلحون على قلتهم ومحنتهم والعداوات التي تحيط بهم هم وحدهم الأمل المرتجى لنهضة الأمة وتحريرها وانعتاقها».

العالم المجاهد والداعية الرباني مصطفى السباعي بكلمات موجزة يشرح دور المسلم في حمل رسالة الإسلام، والتحديات التي تواجهه، والأمل الذي يحدوه، واليقين بالنصر الذي يجب أن يملأ قلبه، من خلال نقل هذه الصورة الحية لأولئك المخلصين الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم، وعزموا جاهدين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، فتحركوا بها بين الناس يبشرونهم بها ويحملونهم عليها، صابرين محتسبين، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، وكل أملهم رضا ربهم ورحمته وغفرانه.

نعم، فنحن لم نخلق إلا لهذا، لعبادة الله، وتحرير الناس من عبادة الناس، وتعبيدهم لله، وإسعادهم بمنهج الله، نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونضرب على يد الظالم، وننتصر للمظلوم، وندافع عن الأرض والعرض، والنفس والمال، ومن قبلها ندافع عن الدين، ونتصدى لكل سلطان يحول بين الناس وشرعة ربهم وسنة نبيهم سياسيًّا كان، أو اقتصاديًّا، أو روحيًًا، أو ثقافيًّا، أو اجتماعيًّا، أو عسكريًّا، هذا هو دورنا، وهذا هو الطريق لمرضاة ربنا، وهذا هو السبيل لسعادتنا ولإسعاد أمتنا وأوطاننا، ولا طريق غيره، ولا سبيل سواه، وهذا هو الحق الذي يجب أن نتواصى به، ويحمل بعضنا بعضًا عليه، ولا شك أن أعداء فكرتنا من أولئك الذين قدمو العاجلة على الآخرة لن يتركونا نعمل، ولن يخلوا بيننا وبين الناس، بل سيثيرون حولنا غبار الشبهات، وسيمطروننا بالافتراءات، وسيضعون في طريقنا العراقيل والمعوقات، بل سينالون منا ومن أموالنا وأولادنا بكل أذى، بالسجن والتعذيب، والقتل والتهجير، ومصادرة الأموال والحرمان من الوظائف، فهذه هي سبلهم منذ خلق الله الحق والباطل، وسبلنا لمواجهتها هي سبل من قبلنا من الصالحين المصلحين، بالصبر والدفع والتدافع، ولكل مرحلة فقهها، لا نحيد، ولا نتعجل، ولا نضع القوة في غير موضعها، وهذا هو الصبر الذي يجب أن نتواصى به، ويحمل بعضنا بعضًا عليه. ولن نسلم من المنافقين، الذين يلبسون علي الناس دينهم، ويشرعنون لهم الباطل، ويشوهون الحق وأهله في أعينهم، وهؤلاء سبيلنا معهم ثباتنا على الحق الذي بين أيدينا، وستجري سنة الله فيهم وفينا «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ».

هذا أيها الأحباب وكلنا يقين أن المستقبل لهذا الدين، وأن الله غالب على أمره، ولن يهمنا أن نرى النصر بأعيننا، ولكن ما يستحق أن نهتم به هو أن يقبضنا الله ونحن عاملون لشرعته، ناصرون لمنهجه، منتصرون لأهله وخاصته، جعلنا الله من الذين يعلمون فيعملون فيخلصون فيقبلون، وختم لنا جميعًا بخاتمة الرضى والقبول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد