الكَتاتيب، عزيزي القارىء، هل مرّ بك قبل ذلك معرفة بها؟ هل سَمعت عنها؟! هل كان لديك جَدّ حَدثك عنها؟

قد يتساءل أحد هنا أو هناك عنّ جدوى الكتابة عن مثل تلك المؤسسات البَعيد العُمر الغائبة، وَلكن مَذ تلاشت نهضتنا وغابت رفعتنا وشُغلت مدارسنا بِشكل الغُرفة الصّفية، وَشكل الكتاب، وَهيئة المُعلم، مَذ بدأت تبحث عن طرق واستراتيجيات متنوعة لتعليم التّلاميذ، مُذ بدأت تستجدي ما عند الغرب، من وسائل وأساليب وتأخذ به، دون أنْ تُراعى توافقه مع بيئتنا أم لا.

ظَهرت صورة الكتاتيب في رأسي جلية واضحة، بدأت تُلح على قلمي كي أكتبها.

اليوم أنا هنا لأكتب عن تلك الدّرب التي قادت صغارنا ليصيروا علماء، تلك التي أخذت بأيدي أمتنا لتصبح أفضل أمة علمية في حينها،اليوم نَخونها، فيخوننا التّعليم، يتلعثم، في مدارسنا التي أمعن واضعها في تطاول بنيانها، وَكثرة طُلابها، وتزودها بكثير من وسائل التكنولوجيا، وخلق بيئة تُنادي على الطالب، كي يطلب العلم، بينما هو يُمعن في الهرب، صار يرى أنّ العلم مهزلة، لا يهمه كم يتعلم أو كيف، هم واحد له، هو علامة، قُدست العلامة، صار الطالب رقمًا، الجري خلف هذا الرّقم، هدف الأهل والمدرسة والطالب، وُقزّم العلم.

في ظل هذه السّذاجة التي وصلنا لها اليوم، تُطل علينا الكتاتيب بهيبتها ورونقها وَعظمة وافديها، حين كانت حلقة من الطلاب تلتف حول أستاذها، كي تنهل منه ما تنهل، كُل ما يحمله الطالب في رحلته للكتاتيب قلمًا ودفترًا، أحيانًا يُسمح له بالكتابة، وأحيانًا لا يُسمح، البعض يحفظ ما يمليه عليه الأستاذ وعند عودته لبيته يكتب ما تحدث به أستاذه.

أحيانًا يُرافق الطالب أستاذه سنوات ليصبح ما يريد، وأحيانا يُسافر من بلد لآخر ليلزم أستاذًا بعينه، رحم الله الشّافعي الذي سافرت فيه أمّه من غزة للمدينة لمكة كي يتعلم على يد مالك بن أنس. فالعلم يومها كان يُؤتى.

أقول العلم، وليس العلامة، يومها كان مرتادو العلم يعرفون قدره، يقفون على معانيه وحواشيه ومقاصده، ولا يقتصرون على علم واحد، بل يكون التنوع سبيلهم، فمثلًا ابن الرازي كان عارفًا بالفيزياء والكيمياء والفلسفة، إضافة لعلوم الطب التي أتقنها وعمل بها، كما تحدث لغتين: الفارسية والعربية، وابن الهيثم حيث كان عالمًا موسوعيًا قدم إسهامات كبيرة في الرياضيات والبصريات والفيزياء وعلم الفلك وطب العيون وغيرها.

وكان رفاعة الطهطاوي من الذين نبغوا في عصرنا الحالي، حيث درس الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وعمل مترجمُا وصحافيًا وعالم آثار وكاتبًا وفيلسوفًا.

وهؤلاء أحد الأمثلة الكثيرة التي يحفل بها تاريخنا العربي والإسلامي، وإلى وقت قريب قبل أن تظهر المدارس، ظلت الكتاتيب شاهدة على حضارة أمّة، بل كان لها الدور الأكبر في الحفاظ على هويتنا العربية الإسلامية، إذ عنيت عناية بالغة بتعليم القرآن الكريم وتحفيظه والحديث الشريف وتعليم اللغة العربية، والحساب.

أما اليوم فقد زاحمت الأناشيدُ والأغاني حفظ  القرآن الكريم في عقول تلاميذنا، فانحرف الذوق العام ومَجن النشء، ولم يَعد تعلم العلوم الدينية أمرًا واجبًا، بل تعددت العلوم، كالعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والفنون وغيرها مما أثقل عقل التلميذ خاصة في المراحل العمرية الصّغيرة، ودخل تعلم اللغات مدارسنا وتشتت عقل الطلبة، وصارت اللغة الأم مُشوهة ممسوخة، لتداخلها مع لُغات أخرى، وما هذا إلا دليل كبير على تراجع نهضتنا وسيرنا في خلف الأمم، نُحاول تقليد هذا ونأخذ من ذاتك، وصارت مدارسنا مجرد جمع من هناك وهناك، فبدت عمليتنا التّعليمة مَسخًا، لا صورة حقيقة لها ولا هدفًا واضحًا يقود هذه الأمم لرفعتها وتقدمها.

بل مُجرد صورة مشوهة، قطع من كل مكان قطعة يحاول جامعها أن يصنع منها لوحة فنية متناسقة، غير أنّها وجدها مُجرد قطع متباعدة لا معنى لها.

بينما كانت  الكتاتيب مرتبطة لوقت طويل بالمساجد، معلمها هو شيخ المسجد الذي يجمع بين تعليم التّلاميذ وإمامة النّاس، وأحيانًا قد يلجأ له النّاس لحل مُشكلاتهم، حيث كان يحظى بقيمة اجتماعية كبيرة.

فكل ما يرتبط بالعلم يحمل قيمة عظيمة، يُحترم ويُقدر، يوم تخلينا عن العلوم مُقابل تقديس العلامة والبحث عن ما يُسهل الحصول عليها فقدنا هيبة كل شيء، هيبة المعلم وهيبة التّعليم وقيمة المدارس.

لم يَعد هناك ما يُحترم، صار الطّالب يتطاول أحيانا على معلميه ولا رادع، وصار المعلم في كثير من الأوقات مُجرد مجبر على هذه المهنة من أجل الرزق، لا أقول بكلية الأمر، ولكن لكل عامة استثناء، وكان هذا الاستثناء في زماننا مُعمم.

فلم يعد للمهنة من مريد ومحب ومخلص، إلا ما ندر، حيث صارت عبئًا ثقيلًا، وَصدق فيها قول إبراهيم طوقان مخاطبًا أحمد شوقي.

شوقي يقول وما درى بمصيبتي

قم للمعلم وفّه التبجيلًا

اقعد فديتك هل يكون مبجلًا من كان للنشء الصغار خليلًا
ويكاد يقلقني الأمير بقوله كاد المعلم أن يكون رسولًا
لو جرّب التعليم شوقي ساعة لقضى الحياة شقاوة وخمولًا
حسب المعلم غمَّة وكآبة مرآى الدفاتر بكرة وأصيلًا
مئة على مئة إذا هي صلِّحت وجد العمى نحو العيون سبيلًا
ولو أنّ في التصليح نفعًا يرتجى وأبيك لم أكُ بالعيون بخيلًا
لكنْ أصلّح غلطةً نحويةً مثلًا وأتخذ الكتاب دليلًا
مستشهدًا بالغرّ من آياته أو بالحديث مفصلًا تفصيلًا
وأغوص في الشعر القديم فأنتقي ما ليس ملتبسًا ولا مبذولًا
وأكاد أبعث سيبويه من البلى وذويه من أهل القرون الأُولى
فأرى حمارًا بعد ذلك كلّه رفَعَ المضاف إليه والمفعولًا
لا تعجبوا إن صحتُ يومًا صيحة ووقعت ما بين الفصول قتيلًا
يا من يريد الانتحار وجدته إنَّ المعلم لا يعيش طويلًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد