تقدم الجماعات والتيارات الإسلامية بيئة حاضنة بالغة التأثير، وللمؤسسات التابعة لها أدوارٌ في صقل المنتسبين إليها وإكسابهم خبرات في مجالات مختلفة، فالعمل الإسلامي وأطره التنظيمية والخيرية والدعوية لها الأثر البالغ في تشكيل وعي كل من انخرط فيها، وشارك في مناشطها واستفاد من حلقها، ولا أكون مبالغًا إن قلت بأن تجربة العمل الإسلامي أسهمت في تشكيل وعيي ووعي الكثيرين من أبناء جيلي، إن كان بشكل مباشر عبر الانخراط الفعلي في صفوف التيار الإسلامي، أو بشكلٍ غير مباشر من خلال الاستفادة مما يقومون به من دورات صيفية أو لقاءات علمية وحلقات دينية تكوينية، كما شكل الإسلاميون مظلة أبعدت عن الشباب مخاطر فكرية وسلوكية.

ولكن هذه المنافع الكبرى، تستبطن فيها – ككل عمل بشري- مشاكل تتفاوت مخاطرها، بحسب الموقع والجهة ونمط التفكير، ومما عاينته بعد سنوات طويلة من الاحتكاك المباشر، مع جهات إسلامية منوعة في لبنان، ومعاينة سلوك الكثيرين من خلال الاطلاع والملازمة الدائمة، أو عبر المراقبة وقراءة السلوك وأنماط التفكير العلني، أجد سمة مشتركة بين مختلف الجهات الإسلامية هذه، وهي ممارسة سلطة على المنضوي في الحركة، تصل في أحيانٍ كثيرة إلى ما يمكن تشبيهها بـ«السلطة الأبوية»، تتدخل في كثيرٍ من قراراته واهتماماته، بل أحيانًا أكثر من ذلك بكثير.

ولكن قبل الخوض في تفاصيل ومظاهر هذه السلطة، لماذا هي سلطة أبوية، وليست سلطة عامة من دون أي تحييد وتقييد، لأن منبع هذه السلطة شعورٍ لدى قيادة التيار الإسلامي – أي الجهة حزبًا كان أو جمعية أو وقفًا أو تيارًا – أو القائمين على تربية المنضمين والعاملين، بأن عليهم دورًا في توجيه سلوكيات الأفراد وخياراتهم، وأنهم لا يجب أن يكتفوا بقراءة المقررات أو بتدارس أحوال الناس ودعوتهم إلى الخير فقط، بل أن يكون هناك تدخل أكبر لحماية الأفراد من أمراضٍ فكرية يمكن أن تطيح بهم، فتتبلور هذه الصورة «الحمائية» التي تتحول رويدًا رويدًا إلى سلطة أبوية، في سياق «الاهتمام» وتوجيه «طموح» الشاب، و»ضبط» أفكاره و«سلوكياته»، ويُراد منها أن تكون – أي قرارات السلطة – مطاعة واجبة، وإن كان هناك أي رفضٍ لها من متلقي سيل النصائح والتوجيهات فهو «عقوقٌ دعوي» يستوجب التأديب.

وتتجلى هذه السلطة في مجموعة من الأوامر والطلبات، من قبيل افعل ولا تفعل، انظر ولا تنظر، اقرأ لكذا ولا تقرأ لكذا من الكتاب والمفكرين، وفي هذا المقال أورد عددًا من الأمثلة بناء على تجارب ومشاهدات، وروايات توثقت منها ومن أصحابها.

أول مظاهر السلطة الأبوية عند الإسلاميين محاولات التوجيه الفكري، ويكون أحيانًا بأشكالٍ لطيفة، ولكنه يتحول إلى نوع «فج» من التوجيه الثقافي والمعرفي، على غرار التحذير من أصحاب المذهب الفلاني، أو لا تقرأوا للكاتب العلاني، أو أن الأديب الشهير ضال أو مائع ينشر الرذيلة، أو أن المفكر الغربي المسلم له آراء لا يمكن قبولها، إلى غير ذلك من توجيهاتٍ. وأعيد وأكرر ليست هذه «النصائح» سيئة بحد ذاتها، وأن الحماية الفكرية توازي الحماية الصحية في كثيرٍ من الحالات، ولكنها تتخذ شكلًا من الأوامر المباشرة، يتحول عندها «كل محجوب» إلى الأكثر طلبًا، مع إمكانية تحصين الفرد في الجماعة بمجموعة من الأدوات المعرفية يستطيع عبرها أن يتذوق ما يعرض أمامه من معارف ليختار منها ما يريده بناءً على مناعة معرفية قام ببنائها في حضن التيار الإسلامي التي يعمل فيه.

وفي سياقٍ متصل بهذا الفعل، أجد أنه يجر على الإسلاميين خسائر لا يمكن تعويضها، من ابتعاد عن أفكار نقدية بالغة الأهمية، ونكوصٍ عن الأدب ومشاربه، وعدم مجاراة ما يميل إليه الشباب في هذه الأيام من حب واهتمام بالرواية والقصص، فمع ما في هذه الفنون – والأفكار – من شطحات، تظل ذات فائدة إن أحسنا إعطاء الفرد المضادات الفكرية الضرورية، فينتقي ما طاب منها ويبتعد عما خبث.

أما ثاني هذه المظاهر، يتعلق بدراسة الأفراد، من فئة الشباب خاصة، إذ يسعى جزءٌ من الإسلاميين إلى سد ثغرات أساسية يكونون بحاجة إليها كجماعة أو جزء من المجتمع بتخصصات نوعية، وهو مطلبٌ ضروري، ولكنه يتجاوز شرطين أساسيين، الشرط الأول أن يكون لهذا الكيان الإسلامي مؤسسة تستوعب الفرد على أثر تخرجه، فبماذا ينتفع الفرد بتخصص لن يجد فيه عملًا بسهولة، بعد أن أفنى فيه سنوات متتالية. أما الشرط الثاني، أن يكون التوجيه قائمًا على دراية ودراسة، وليس على أمنيات عامة، فما هو النفع أن يكون في الجماعة عشرة دارسين للإعلام ولا تمتلك الجماعة منبرًا إعلاميًا واحدًا، فيصبح هؤلاء ثقلًا نوعيًا ولكنه مبددٌ بين وسائل إعلامية مختلفة، لها أيديولوجيتها وخطها ومخططها.

وهنا أود الانتقال إلى ثالث مظاهر هذه السلطة، التي تتعلق بما سبق من التخصصات والدراسة، ولكنها معاكسة تمامًا، إذ يقدم بعض الإسلاميين العطاء المباشر عن التخصص العلمي المتقدم، فيريدون من الشاب الانخراط المباشر في الصفوف، ليملأ فراغًا، أو يستلم قسمًا أو لجنة، ويكون الطموح لديه أن يستكمل دراسته، وإن لم يكن شغوفًا بالعلم، ولكنه قادرٌ عليه، إن توافرت لديه إمكانية المتابعة، فتأتي ها هنا «السلطة الأبوية» لتقرر فرزه على واحدة من لجان العمل فتضيع فرصة كسب طاقة نخبوية، واستكمال تخصص دقيق، سيكون أكثر فائدة وفي موضع أكثر تأثيرًا.

وأختم بالمظهر الرابع من مظاهر هذه السلطة، وهي طامةٌ كبرى، وهي تحويل الأفراد إلى عناصر في فت عضد المجتمع وإثارة الفتن داخله، في سياق نشر رأي فاسد أو إشكالي في المجتمع، وتربي أفرادها بأن هذا الاختيار هو الفرقان بين الجماعة المؤمنة وبين غيرها، وتُبنى هذه المفاصلة مع المجتمع على رأي فقهي، أو توجه عقدي وغير ذلك. وهنا لا أتحدث عن أصحاب هذا الرأي، فبكل تأكيد لهم مآرب سيئة بنشره بين عوام الناس، ولكنهم يستخدمون ملامح هذه السلطة الأبوية، ليُظهروا للعاملين في الجماعة أنهمم يوجهونهم إلى خير عظيم، ويسهمون في محاججة «أهل الباطل» و«الأهواء»، وهي من الطامات والعياذ بالله تعالى.

أخيرًا، لا ريب أننا نمارس جميعًا هذه السلطة الأبوية، بشكلٍ واعٍ أحيانًا، وباللاوعي في أحيانٍ كثيرة، وحاولت في هذه المادة أن أقدم للإسلاميين إضاءة يسيرة على مجموعة من الظواهر، التي تستحق المزيد من الدراسة والمتابعة، علهم يعتنون بها ويتجاوزنها، في زمن يعاني فيه الجميع من شح في الطاقات وانفضاضٍ عن المشروع الإسلامي، خاصة أن الظواهر السابقة عوامل طاردة لأبناء التيار الإسلامي، ليتحولوا على أثرها إلى عاملين منفردين بما يستطيعونه ويقدرون عليه، أو ينقلبون في أحيانٍ كثيرة إلى النقيض التام والمقلب الآخر، فتفتح لهم الأحزاب، والتيارات العلمانية، أو «الشيطانية» أبوابها، وتكون الخسارة حينها مضاعفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد