ترددت كثيرًا عند كتابتى لهذه الرسالة التي تمنيت أن لا تخطها يميني، وألا يتفتق لساني عنها أبدًا، ولكن سرعان ما تتقافز أمامي تعبر عن المشاعر المختلجة التي تحاك في الصدر.

أما بعد: أما آن لك يا مصر أن تَكُفي وتَكتفي، منذ وعيت علي الدنيا وأنا أتحسس شيئًا أُحبك به، أريد خيطًا أتمسك به في هذه البلاد، وإني لأفتش في ثنايا القلب عن ذكرى أو ومضات خير، ولو صغيرة فلا أجد، وكل يوم يمر وكل ساعة تمضي يزداد غضبي وسخطي، كلما هممت بتولية وجهي أجد دائمًا قبلتي ركام من الفساد والظلم والغلاء والبلاء والوباء.

فلا شيء في هذه الأرض يستحق البكاء ولا يدً تستحق الثناء، لا عين تستحق أن تُمسح عنها الدموع، ولا كتف يستحق أن يساند وتزال عنه الخطوب، فلا وطن عاد موجود ولا سؤدد صار مسنودًا، فالماضي متلاطم مترام والحاضر متراكم متهاو والمستقبل مجهول مغبون.

وأشراف البلاد تجدهم خلف الزنازين مكبلين، وفي الخارج أولياء الفجر والخسة والدناءة يتنعمون، والرويبضة قد انتشروا انتشار النار في الهشيم يتكلمون في أمور العامة ويتحدثون باسمهم، بل ويتحكمون فيهم، الحقيقة التي لا غبار عليها أننا نعيش هنا في وطن، العبث عموده وبنيانه، فنحن في بقعة سوداء على الخريطة، وملتفين حول ثقب مقفهر أسود.

فما تكاد تفيق ساعة إلا وتجد ملامح الغربة في وجهك في بلد يقولون إنها وطن ولا أعلم لماذا؟ فالعالم أجمع علي تعريف الوطن بأنه المكان الذي تجد فيه حريتك وينالك منه أدني درجات الإنسانية والعيش الكريم، وهو ما لم يتوفر في مصر، بل لا يوجد فيه معشار الأدنى حتى، وإذا سولت لك نفسك أن تخرج منها فلن تستطيع.

 وإني لأستعجب كثيرًا ممن يدعي حبه لمصر بدون مقابل، وبلا أي شيء يذكر، ويسميها دائمًا وطنه ويغني لها لمجرد أنه ولد فيها وفقط، أي وطنية هذه أيها الساذج! أنا أتفهم أن يحبه إنسان ثري قد حيزت له الدنيا ويتنعم في خيراتها، أما الفقير المعدم الجاهل الوضيع فأي شارة لديك! وكما قالوا الوطنية الحمقاء للفقراء والوطن الجميل للأغنياء ينهبون ثرواته.

 وإن الحياة في هذه الأرض مستحيله والتجارب محكوم عليها بالفشل والضياع، فالشعب جاهل مسالم قد شرب الظلم تشربًا وحكام الشعب فراعنة قد ابتنوا الفساد ابتناءً، فلا أثر يفيد ولا مستقبل ينير، وإني مع هذا لا أريد تثبيط أحد أو تخويفه، ولكني أبين الوضع القائم الذي سكوتنا عليه لن يجعله يتغير أو يصبح أفضل، فنحن في نفق مظلم والنور الذي في آخره ليس إلا إنذارًا بقدوم قطار ضخم يدهسنا عن بكرة أبينا.

البعض قد يظن أنني أبالغ وأنظر إلى نصف الكوب الفارغ وأرى الوضع بنظرة سوداوية مقيته، ولكن كيف أخفي هذه الحقائق وهي تحيا فينا ونحيا فيها، فمن أول استيقاظك تلمح منابع التدهور المجتمعى والمعيشي، بداية من الأكل الملوث غير الصحى، والهواء الحامل لجميع أنواع السموم، والشوارع المزدحمة، والمواصلات المكتظه باللاهثين، ناهيك عن الأسعار الجنونية، والفساد المجترئ في كل مؤسسات الدولة، والتخلف العقلي والأخلاقي، وأستطيع أن ألمس هذا السخط العام عند معظم المصريين.

والحقيقة بعد كل ذلك أن الرضا من أهم المقومات فى شخصية المسلم، ولكن أيضًا هي طاقات وتحمل الناس للأذى وصبرهم عليه درجات، وإني قد اكتفيت وعزيمتي قد خارت وجسدي أصبح غير قادر على النهوض، ومما زاد من البلايا أننا من العالم الثالث المتأخر الذي لا طائل منه، ولن يخسر العالم كثيرًا بانحطاطه، فنحن نُثقل العالم بهمومنا أكثر مما يثقلنا بخيراته، والسبب في ذلك كله يرجع لحكام خونة مارقين كالنعاج، بل هم أضل وأخس.

 وإني لأخشى أن ياتى يوم أقف فيه على حافة أطلال الوطن الممزق أبكى الدماء ويغشانى الندم، ووالله إنها لفجيعة كخرط القتاد وإيتام الأولاد وفلق الأكباد، وعزيز علي أن تُمتهن بلد الأولين الصادقين الفاتحين على يد أصاغر المتأخرين الفاجرين، (فأوف وتُف وجَورَب وخُف، فقد عم الغُبار وعَلا الغياض، فاختلطت أثار الجياد مع روث البغال، وما استأسد الحمل إلا لما استنوق الجمل، وما برز التوافه إلا عندما خبت رؤؤس الضياغم).

وإني لأفتح عيني فلا أرى، إلا مبجوحين قد بَجحت لهم أنفسهم فذهبوا يَستقوا لنا القمامة من على المزابل ويقدموها لنا مطليه بالألوان والمفاخر، ومهما فعلوا لن تَعدو كَونها مَزابل، ولن يعدو كَون مريديها سُوى الذباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد