حينما فاز السيسي بالانتخابات المصرية، وصار رئيسًا لمصر مدة أربع سنوات أخرى، لم أحزن ولم أبك ولم أيأس، لكن فقط تذكرت الشباب والأحلام الماضية، وكيف انتهى كل شيء سريعًا انتهاء سيئًا.

لكن حينما رأيت كيف ينزل الشعب إلى الانتخابات، كيف ا يوافق لعديد على شرعية تلك العملية، وكيف أنهم بكل سهولة يمزحون ويرقصون، تساءلت من إذن الذي يشتكي من غلاء الأسعار؟ من الاختفاء القسري؟ من الجرائم؟ من العنف والاضطرابات؟ من سوء الوضع الاقتصادي؟ من كل شيء؟

حينما ترى الأعداد تنزل وتحقق الحكومة مرادها، ألا وهو وجود عدد كبير يوافق على شرعية العملية الانتخابية، وحينما نرى مسرحية انتخابية؛ إذ ينزل مرشح آخر «كومبارس» يدعى موسى مصطفى موسى، وحينما يعلم الجميع من الفائز ويوافق الشعب على ذلك، فمن يشتكي ومن يدفع الثمن؟

الحقيقة من يشتكي هم من وافقوا، وهم من أنهوا حلم الثورة وأجهزوا على الشباب، وفرطوا في الدماء، وتساهلوا مع حق الوطن عليهم، ولم يقدموا دعمًا شعبيًّا كافيًا في وقت الحاجة إليه بعد الثورة، ويسلمون الوطن كأنه فتاة عارية بلا شيء يسترها، ويلقون بها ليضاجعها كل شخص يمر. لقد جعلوا الحكومة والشعب يضاجعون الوطن بسهولة. ونسوا وتناسوا كل فرد مات وكل ما حدث. لماذا كانت الثورة؟ وما أهدافها؟ ألم يكن من أجل ما يحدث في الأقسام؟ من أجل الحرية، من أجل العدالة وكرامة كل مواطن؟ ألم تكن من أجل مستقبل مشرق؟

لكن العديد من الناس في مصر وافقوا على بيع كل نبيل، ورضوا بأن يهانوا، ورضوا بالذل، ومعاملتهم بقسوة وبعنف، وحبسهم واختفائهم القسري، وإهانة كرامتهم، وسلب كل ما يمتلكون، وأيضًا تجويعهم وجعلهم فقراء، فلا يبقى لأحد ما يستره، ولا يبقى له أي شيء كريم. وافق العديد أن يكون مواطنًا بلا شرف.

أتذكر رواية صنع الله إبراهيم التي تسمى «شرف»، وكيف انهار ذلك الشرف في النهاية، الشرف الذي كان يحمله بطل بالاسم نفسه، وفي رحلة في السجون ورحلة مع الوطن انهار الشرف، وتخلى عنه، وانهار المواطن وشرفه وكرامته وسُلب كل شيء.

مشاهد الإعدام المتكررة، والتي أغلبها ظلم وقهر والمحاكمات العسكرية، لم تحرك في ذهن المواطن أي تعاطف أو أي انتباه إلى أن الوطن بحاجه إليهم، وبحاجة لأن لا يخافوا، وبحاجة لصيحتهم مرة أخرى، وأن يتذكروا من ماتوا ودماءهم وعدم التفريط فيه، وأن يتخلوا عن الانهزامية.

حينما بيعت جزيرتي تيران وصنافير والتفريط في الأرض، ماذا تبقى في الوطن لم يسلب أو يفرط فيه؟ وحينما ترى مصر دولة تابعة بكل سهولة وتخضع لأي دولة خارجية، من المذنب؟

من العار تحميل الحكومة والأنظمة كل هذا الانهيار؛ فالشعب موافق على ذلك، والشعب شرع ذلك واختاره، وأعجب بالسوط، وأعجب بأن يكون كل من حوله مهانين مثله، حتى وإن لم يختاروا.

لا يبارك الله في وطن فرط في أهل، في دم وحق كل مواطن آخر، ولا يرضى بأن يكون مصير الناس الدهس ويوافق من حولهم، ثم ندعو الله بأن يصلح الحال، فأي حال يصلحه الله إذا كان الناس لا يريدون ذلك، ويعجبون به، ويعجبون بالقمع وسلب الحرية والكرامة والشرف.

وتعاودني رواية جمهورية كأن، للكاتب المصري علاء الأسواني، وكيف انتهت الثورة وكل الأحلام وكيف انهارت كل الأطراف وانهزم الشعب، وصرنا لما نحن فيه. كيف فرطنا في حق ست البنات وكشوف العذرية، ومذبحة ماسبيرو وحق الشهداء، وقمع الأنظمة وظلمها، وسلمنا لقمع أنظمة أخرى تلتها وظلمها، وهم الإخوان والعسكر.

منذ أيام اختفى الكاتب والمثقف أحمد شكري، إذ نزل من منزله ليذهب إلى والدته، فلم يصل لها، ولم يعد إلى البيت مرة أخرى، ولم يعلم أحد مكانه، ولم يوجد في قسم أو مستشفى، واختفى. وتوالت قبلها وبعدها أخبار الاختفاء القسري، ويخرج أهاليهم يتمنون أن يروا جثث ذويهم على الأقل فيرتاح قلبهم بأنهم ماتوا وارتاحوا ورحلوا لرب أرفق بهم من هؤلاء الناس، وذلك الشعب، وذلك الوطن.

ومنذ يومين قبض على محمد أكسجين الذي صور ومارس الصحافة الحرة؛ فقط لأنه ينقل نبض الناس ويصور ندوات وغيره من الأشياء التي يراها النظام ضده، وأنها تعمل على استفاقة البعض أو إبقائهم يقظين، وتشكل خطورة بالنسبة لهم، وأنها وسيلة من وسائل إبداء رأي معارض لا يجب أن يوجد؛ لكي يبقى النظام بقمعه وسلطته تلك.

محمد أكسجين، ولا أخفي، من أهم ممارسي تلك المهنة؛ فلقد نقل ندوات مهمة لعلاء الأسواني، ود. حمزة، وغيرهم، ونقل لقاءات مع الناس في الشارع، وكانت كلها مليئة بالقوة والجرأة، ولا نخفي أن ذلك سبب تخوفهم منه، خاصة أراءه المعارضة، ونسبة المشتركين العالية على قناته على اليوتيوب والتويتر، مما يوضح أن ما نقله مسموع وصوته مسموع، ولقد حاولوا في السابق غلق قناته وتشويهه.

السؤال الأهم: ألا يرى الناس ما يحدث؟ ألا يرون الخراب وسلب الحرية والكرامة والتعذيب والاختفاء، وألا يريدون أن يستفيقوا؟

يقول غسان: «الوطن ألا يحدث هذا كله»، لكن ما يحدث تلك الأيام هو ما لا ينبغي، فماذا يمكننا أن نفعل وأين الوطن؟ وأين الحياة السليمة التي يجب أن نعيش فيها ويعيش أبناؤنا، ولما يجني الشعب على نفسه وعلى الأجيال القادمة بالخراب وسوء الحال وسلب الحرية والكرامة، والأهم سلب مفهوم الوطن من الناس ومنا.

لقد أصبح هناك زنزانة جدرانها الشعب والسوط الذي يتم التعذيب به من السلطة. وصارت الضحية الوطن. وعلى الشعب أن يستفيق حتى لا يخسر العديد من الشرفاء وأبناءه مرة أخرى، وحتى لا نهبط لقاع الجحيم الأبدي في المستقبل القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد