ترددت كثيرًا عند الشروع في كتابة هذا المقال، في اختيار عنوان له، وحاولت جاهدًا أن أجد شبيهًا للسيسي في طريقة حكمه وجبروته وطغيانه؛ لكي أستخدم اسمه كوصف للسيسي، فوجدته قد تميز عن غيره بالاستبداد إلى جانب العمالة والاستعباد، حينها آثرتُ أن أجعل اسم السيسي علمًا بارزًا لكي يسجله التاريخ كأحد أبرز المستبدين في العصر الحديث لينافس بذلك هتلر وموسوليني، أباطرة الاستبداد وصناديد الفاشية السياسية في عصورهم، وما ذاك عن السيسي ببعيد، فهو لم يترك شاردة أو واردة تصب في صالح هذا الوصف إلا وفعلها وأقدم عليها؛ امتعانًا في إذلال شعبٍ بأكمله من ناحية وتنفيذًا لأجندته التي ترضي أسياده عنه من ناحية أخرى.

ومما أهلَّ السيسي مؤخرًا لهذا الاستبداد اللامتناهي والدكتاتورية غير المؤطرة بحدود هو ذلك القرار المضحك الذي أصدره قبيل ساعات قليلة ليتحول بمقتضاه أكثر من نصف الشعب المصري للنيابة العامة، والتهمة ماذا؟ عدم الذهاب للتصويت في انتخابات مجلس الشيوخ – المسرحية الهزلية – وبالتالي إفساد العرس الديمقراطي الذي كان ينتظره السيسي، ويريد رؤيته على أحر من الجمر!

والحقيقة الساطعة الناصعة البياض التي تفرض نفسها وتنأى على إثرها كل الفِرَى بالتصديق على أخرق، أو مختل عقلي فضلًا عن أولي الألباب، أن السيسي قد وجد في هذا الحدث فرصة سانحة وغنيمة باردة لحصد المزيد من الأموال، فلم يستطع التخلي عنها، فتبدار إلى ذهنه ذاك القرار الأحمق وتلك النكتة البلهاء، ليجمع من الشعب ضريبة جديدة تُضاف إلى قائمة الضرائب التي تزداد ساعة بعد ساعة بنوع جديد ولون فريد من الضرائب التي تجعل الحليم حيرانًا، ليتمكن بذلك السيسي من استنزاف الشعب المغلوب على أمره الباحث عن لقمة عيشه وسط شوارع المحروسة المليئة بنوائب الدهر، وملمات الزمان، وتسلط العملاء، وسماجة الأحداث، وزوال البركة، وانحسار الاقتصاد.

أي أضحوكة أكبر من ذلك يمكن أن تجعلنا محل سخرية العالم بأكمله، ولربما يتعاطف معنا ذلك العالم ليجعل لنا ذكرى من هذه الأضحوكة، فيسجل هذا الحدث في موسوعة «جينيس» كأكبر رقم لشعب يتم تحويل نصف أفراده للتحقيق في ليلة وضحاها، حيث صدر القرار بتحويل 53 مليونًا و981 ألفًا و130 مواطنًا للنيابة العامة ليكون مجموع ما تحصله الدولة على إثر هذه المخالفة ما قدره 27 مليار جنيهًا، وذلك بسبب سلطة بلهاء صماء بكماء عمياء، أرادت أن تسمع نغمات المعازف أمام لجان بصوت أعلى ومشاهدة أفواج الناخبين في الطوابير الممتدة بشكل أوقع، والحقيقة أن بينها وبين ذلك الحلم ملايين الأميال من الأمنيات التي لن تتحقق أو تصبح واقعًا يومًا ما.

وأتذكر هنا مشهد قريب من ذاك المشهد البغيض الذي قزَّم مصر وأطاح بسمعتها وحجمها ودروها الإقليمي في المنطقة وجعلها أضحوكة بين الأمم، ففي عصر الإمبراطوية الرومانية اشتهر الإمبراطور الروماني التاسع المعروف باسم فسبازيان الذي حكم بين عامي 69 و79 بمقولة شهيرة هي: «المال لا رائحة له» وذلك بعد أن جمع ضرائب من الشعب مقابل التبول واستخدام المراحيض العامة (1).

وكأن السيسي لم يكفه أن يقبع أكثر من 40 ألف معتقل في سجونه، يُسامون العذاب هم وأهلوهم على يدي زبانيته، فأراد أن يكثر معتقلوه وتنتعش خزانته ولو كان ذلك على حساب شعب بأكمله، المهم في نهاية المطاف الاستماع والإنصات لكلام الرجل الأوحد، والزعيم المطلق، والحاكم المظفر!

حقيقة لا أتعجب من صنيع السيسي، ولن أتعجب يومًا ما من تصرفاته البلهاء وتصريحاته السمجاء، فكل مؤهلاته تجعله يحذو هذا الحذو، ويحافظ على هذا النهج، فمن أتى ليحكم شعبًا بالدبابة يصعب عليه أن يرى فيه شعبًا يستحق التقدير والنجابة، وتحقيق مزيد من التطوير والريادة، بل لن أتعجب إذا أرسلت له موسوعة «جينيس» يومًا رسالة شكر، وإخبارًا بدخوله لقائمتها من أوسع أبوابها؛ لأنها ستكون حينها شهادة وإفادة بحصوله على وصم الجنون والعَتَه على أفعال تفوَّق بها على أقرانه بمزيد من السَفَه والبَلَه.

في الختام لعلي أردت أن أسلط مزيدًا من الضوء، وأبين حجم الكارثة التي تعيشها مصر، ولكن هذا لا يكفي وحده، فما أسهل الكلمات، وما أيسر العبارات، ولكن الأمر يكمن في إيجاد حل يُوقف هذا المعتوه عن تصرفاته، ويُسقطه من منصبٍ أكبر من حجمه، ولعل الحل يكمن – حاليًا – في وعي الشعب الذي يجب أن يستنهض همته، ويقوي عزيمته، ويقف حائلًا دون سلطة باطشة وقيادة طائشة تعبث بمستقبله ومقدراته دون مراعاة لأعراف، أو قوانين، أو قيم، أو أخلاق، وقد صدق أبو الطيب المتنبي – الذي تنبأ بحال مصر منذ سنين – حين قال بيته الشهير عنها:

وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد