تشير كلمة الشعب بشكل بسيط وواسع إلى التوافق الحاصل بين مجموعة محدّدة في عدد من المزايا المتعلّقة بالتاريخ والجغرافيا والثقافة، هذا مقبول جدّا ومعلوم بشكل طفولي. لكنّ الوضع قد ينتقل إلى مستوى آخر من الحكم الأخلاقي أو التاريخي ليصبح ختمًا نهائيًّا يقوم به مخيال سياسي معيب لا يمكن بشكل من الأشكال أن ينتج صورة تقرّب لنا موصوفًا شديد التعقيد ولكنّها تزيده تعقيدًا بإفراطها في التبسيط الذي يكشف في النهاية عن خلال تسوق الوعي الجمعي لتصل به إلى درجات مترديّة جدّا من الإحباط وفقدان الثقة في النفس وفي التفكير بل وفي العقل أيضًا.

بصورة ما قد يكون هذا الخلل ضروريًا في بعض الحالات واعتباطيًا في حالات أخرى. في الدول التي كانت مستعمرة خاصّة كان يلزم اعتماد الحركات الاستقلالية على معنى معيّن لكلمة الشعب مشحونة بأيديولوجيا قومية ثقيلة تشرعن ممارساتها من أجل الاستقلال، لذلك فقد احتاجت إلى التأكيد على معنى أشد صلابة للـ«شعب» من نظيراتها التي سبقتها لهذا المعنى السياسي، لأنّ هذه الأخيرة إنّما قامت في أغلب الأحيان على حكام محليين فكان التركيز على فكرة «أنّ الشعب هو السلطة العليا أو النهائية» ملائمًا جدًّا لظرفها التاريخي ومتطلباتها، حيث التقت فكرة المجتمع القومي مع فكرة السيادة الشعبية أثناء الثورة الفرنسية متغذّية من كتابات جان جاك روسو خاصّة.

ولكنّ في الدول المستعمرة كان هناك اختلاف جوهري يتمركز حول وجود آخر أجنبي هو المتحكّم -بقوّة عسكرية بالأساس- لذلك وجب أن نتميّز عنه بشكل لا يدعو إلى اللّبس من أجل شحذ إرادة الناس لمقاومته. هذه الأفكار ساعدت إلى حدّ بعيد في إحكام الانغلاق الذي عاشته شعوب ما بعد الاستقلال لأنّها تقوم على اعتبار الأمم جماعات عضوية وليست متخيّلة أي أنّها تمتلك هوية ثابتة تفصلها عن بقيّة الشعوب. واستعملتها الدولة الأمّة باعتبارها مفهومًا مسلّمًا يضمن استمرار الولاء لها وطرحًا لا بديل له للحفاظ على استمرارية الأمّة أو الشعب. بناء على ذلك ظهرت الحاجة إلى التوحيد اللغوي وبناء تاريخ مشترك من رواية سلطوية ولم يكن يهمّ كثيرا مقدار الصحة والموضوعية المتوخاة في كتابة هذا التاريخ، المهمّ هو أن يكون مقبولًا وبطوليًا. طبعا هذا أضرّ كثيرا بالنّواحي الثقافية والعلمية بسعيه إلى القضاء على الاختلاف والاجتزاء العبثي لمقاطع ذوات مشوّهة.

هذه التصورات الجامدة للشعب المصطلح  «الشعبوية». يركّز الكثيرون على انتقادها باعتبارها تفتقر إلى التّماسك المنطقي لأنّ نظرة خاطفة تتحلّى بشيء من الواقعية وتتخلّى عن التصورات المسبقة، يمكنها أن ترينا الاختلافات العديدة التي احتيجت إلى الطمس من أجل تكوين هذه السردية المتماسكة في الظاهر والهشة إلى درجة التلاشي في الباطن الحقيقي المعاش من طرف المجتمعات. ولكن قد يكون ذلك هو سرّ قوّتها في ضلّ تعقّد التصورات السياسية والاجتماعية.

سيفيدنا ما قدّمناه من شرح مختصر عن فكرة الشعب كما صاغتها «الدولة الأمّة» في الانتقال الى استعمالات أخرى لكلمة الشعب أكثر التصاقا بالحياة اليومية والأحداث السياسية. بقيت كلمة الشعب كمعنى كلّي حاضر في عقول الناس على أنّه وحدة وتشابه تامّ وأصبحت تلصق به أوصاف غير متماسكة ومغرقة في الدوجمائية، كثيرا ما ينتشر بعضها ويتعدّى المحادثات العامّة بين النّاس ليصبح فهما حاضرا ومتحجّرا في التحليلات السياسية والمقالات الصحفية وحتّى كثير من المثقّفين قد لا ينجو من وطأة هذه الأحكام فتظهر كثيرا في مواقف النزاع والغضب الموجّه إلى النّاس على أنّهم أسّ البلاء وأنّ حالهم لن ينصلح إلّا بطوفان يخلّص البشرية من شرّهم وجهلهم، أو في الأحوال القليلة بل النادرة التي يتّخذ فيها الشعب موقفا موحّدا ضدّ الطغيان والاستبداد أو من أجل المطالبة بحياة أكثر كرامة وحرّية، فتنطلق الأقلام والحناجر بكيل المديح والتعظيم للشعب البطل السيّد صاحب القرار والسيادة، الشعب الواعي المثقّف المتحضّر، كلا الموقفين لا يعبّر إلّا عن حالتين عاطفيتين تنبعان من واقع اللحظة بأهداف متقاربة غالبا تختلط فيها التعبئة الشعبية بالغرور القومي في حالة الانتفاض أو الاستعلاء الفردي المشبع بالنرجسية في حالة الرضوخ. تنهال علينا في أوقات متتابعة خاطبات متضادّة وفي بعض الأحيان من نفس الشخص. فلا نعود نكاد ندرك عن ماذا يتحدّث؟ عن شعب واحد أم شعبين؟

هذا الارتباك ناتج عن ذهنيات مضطربة متعوّدة على السرديات الموحّدة والايديولوجية المغرقة في توكيدها الدوغمائي. في المقابل إذا أردنا أن نعتمد على أفكار أكثر موضوعية في أحكامنا فستكون النتائج بلا شك مليئة بالشكوك والتعقيد ولكنّها لن تحرمنا من الإمكانات التي تحملها مشاكلنا وبالتالي ستفتح لنا مجالا واسعا لنرى الحياة بأشكال مختلفة ونقيّم أنفسنا بوعي أكثر تبصّرا ونقدية من أجل الوصول إلى نقاط للتجاوز المأمول. في قضيّة مثل هذه التي نتحدّث عنها ، قضية معنى كلمة الشعب ومدى قدرتنا على إطلاق أحكام قيمية وحضارية على مجموعات كبيرة من النّاس تحت غطاء مسمّى جامع، سيكون علينا التعامل مع أسئلة عديدة تبطّئ مسارنا ولكنّها ستجعله أكثر رسوخًا. أسئلة مثل:

– إلى أيّ مدى يمكننا أن نطلق صفات عامّة تنطبق على شعب معيّن؟ أو كيف يكون الشعب نفسه ممكنا؟ هل هو تمثّل يرزح تحت خيالات وهمية أم هو ذو طبيعة خاصّة يمكن تحديدها؟ إذ الظروف المشتركة التي قد يمرّ بها شعب معيّن ستجعله بالضرورة متميّزا بصفات عامّة تعبّر عن هويّته. وهذا بالذات هو مايجعله قادرا على إضافة قيمة معينة للإنسانية. يقول نيتشه «لا يستطيع أيّ شعب أن يحيى دون أن يبدأ أوّلا بتقدير الأشياء حقّ قدرها، بيد أنّه إذا اراد أن يحفظ ذاته إذن عليه أن لا يقدّر كما يقدّر غيره» والتقدير هنا – كما يشرحه فتحي المسكيني- هو رسم الحدود بين الخير والشرّ ، ليس فقط بالمعنى المعياري- بل السياسة والدين والعلم تدخل في ذلك أيضا.

-ما مدى ثبوت مجموع ما صدق على مجتمع معيّن في لحظة ماضية بالنسبة لحاضره ومستقبله؟ أو بتعبير آخر: كيف نستطيع تمثّل أنفسنا بالمقارنة مع تاريخنا؟ إذ القطع النهائي مع التاريخ الذي يشكل منبعا لذواتنا، بغضّ النظر عن الرأي الذي نتبناه فلسفيا بهذا الخصوص والنقاشات المثارة حوله في موضع من الحوار لم ندخله بعد، فهو صعب جدّا بالنسبة للكثيرين، إذا افترضنا أنّه ممكن.

– كيف يمكننا تدبير سياسات معيّنة للعيش المشترك -داخليا بيننا وأيضا مع الأمم الأخرى- مع البقاء في إطار إنساني جامع؟ إزاء هذا السؤال توجد إجابتان – من بين أخرى- تصارعتا طويلا وتقاسمتا التاريخ والجغرافيا. من جهة الموقف التنويري بمفهوم الإنسان العالمي والأخلاق الكونية، ومن جهة أخرى المواقف القومية والدينية في أشكال متعدّدة منها. ماذا سنفعل إزاء هذين الخيارين بأن نكون شعوبا تعترف بالاختلافات بينها ونحافظ على إنسانيتنا؟

طبعًا هذه ليست إجابات عن أيّ من الأسئلة السابقة ولكنّها تعليقات موضّحة. كما أنّ الفقرات السابقة لا تنتمي إلى مستويات خطابية واحدة: بعضها يتحدّث عن مواقف تجريبية اجتماعية وبعضها يشير إلى أسئلة فلسفية حاضرة في أغلب ما نمرّ به على المستويين الخاصّ والعامّ، ، سواء بوعي مشغول بالتفكير فيها أو حتّى بدون الانشغال بها حقيقة. اخترت إيرادها مع بعضها عن قصد بسبب فهم معيّن لتداخلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد