في

لا يوجد كتاب تاريخ موحد في لبنان، فنحن أمة «قسّمت نفسها إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة». وإذا كانت كل «أمة» ترى تاريخ وطنها بعينها الشاخصة إليه من منبع خوفها على نفسها من بقية «الأمم»، إلا أنّ جميع كتب التاريخ، توحدت على ذكرى المجاعة التي ضربت لبنان في الحرب العالمية الأولى، متسببة بوفاة 200 ألف شخص، أي نصف سكان «متصرفية جبل لبنان» حينها.

لا يسعني وأنا أكتب هذه السطور، سوى أن أرفع صوت حروفي، علّها تصلكم من لبنان الغريق، فصوتي يكاد يختنق كما وطني بأزمات تتعمق لتحفر لنا مزيدًا من الحفر في سكة الإفلاس التي تأخذنا في طريقها إلى «صندوق النقد الدولي»، الذي وإن هربنا بأعجوبة من حفرته، فسنعيش في أحسن الأحوال سنواتٍ قابعين فيها في حفر إعادة جدولة وهيكلة الدين العام الذي لم «نقترفه» نحن، بل هو «جنى» عمرنا من طبقة سياسية نصّب أهلنا فيها أمراء حروبهم عليهم، «آكلي الحصرم»، فمن سرق حياتهم في الحرب، عاد ليسرق مالهم في السّلم، وها هم معنا أهلنا مما صنعت أياديهم في صناديق اقتراع 30 عامًا «يضرسون».

أكتب ربما لأستغيث، وربما لأرثي نزفنا نحن اللبنانيين، وطن الأفراح حتى في ثورته، أصبح يخبز في «الأفراح» بعد تهديد أفرانه بسحب لقمة الخبز عن أمعاء شعب خاوية، إلا من كرامة الشعوب!

نعم إنها ربطة الخبز، استكترها علينا أصحاب الأفران، كما دولتنا المصون! في بلد «مدولر»، باتت المنتجات المستوردة فيه والمدعومة من الدولة، تُشرى بالدولار لتباع بالليرة، التي وعلى مدى 30 عامًا ما انفكّ يومًا حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن تطمينه لنا على وضعها بمقولته الشهيرة: «الليرة بخير».

لكنّ الليرة ليست بخير، وها هي اليوم تقع معنا في حفر هندسات سلامة المالية، الذي صحيح أنه ثبّت الليرة مقابل الدولار لسنوات مضت، لكنه أفلس مصرفنا، وأغنى طبقة على حساب بقية الشعب، وباتت «متبخرة» مع صنيعة «أنامله» ودائعنا!

فكيف لمن أودع حصاد عمره في مصرف، أن لا يخاف على هذا الحصاد من فكّي الدولة اللذين أكلا أخضرنا ويابسنا؟ كيف له ألا يشعر بالحصار وسط «سقف» سحوبات مالية؟

حتى المحروقات التي انقطعت عن الأسواق في الحرب الأهلية، عادت لتنقطع هي الأخرى، فكم من مرة استفقنا على خبر إضراب يقف بسببه المواطنون في طوابير الذل، وأكثر!

الدواء أيضًا في بلدنا وجوده مهدد، والمستشفيات لا تستقبل كل الحالات، حتى الموت في وطننا «باهظ الثمن»، لكن حتى لو توافر معك المال، فلا مال لشراء الأجهزة والمعدات الطبية لتلك المستشفيات، أو بمعنى آخر، نحن وطن أصبح القطاع الصحي فيه مهددًا، كل هذا مع تسجيل حالة إصابة بالكورونا. أتتخيلون رعبنا الذي نعيشه، في وطن لا كمامات فيه لأنها «صُدرت للخارج»، في وطن لا معدات فيه؟ إنها حتمًا أشبه بإبادة جماعية لنا إن تفشى عندنا الكورونا، ليست تبعد كثيرًا بضراوتها عن مجاعة عام 1915!

كل هذا ولم نأت على ذكر «الاحتكار»، كلمة تردد وقعها على مسامعنا في مقاعد دراستنا، لتاريخ نهاب أن يتكرر فنتجرع مُرّه، وكم ستكون كأسنا هذه المرّة قاسية!

فلا عجب إن باتت فاتورة المشتريات تحتاج لقراءتها مرات ومرات، فقد تظن أنك لا تميز الأرقام جيدًا، لكنه التضخم، والليرة التي «ما عادت بخير»، ومزاج الصرافين في تصريف الدولار كل يوم برقم، و45% معدل زيادة على المواد الاستهلاكية، ودولة عاجزة عن ضبط السوق، وحماية المستهلك لا تخفي أنّ «الآت أعظم». هو أكثر من مجرد احتكار، هو تشريع للجنون في الأسعار!

كيف لا أربط تلك الذكرى في تاريخنا المرير، وأوجه الشبه التفّت كما تلتف على نفسها خيوط العنكبوت. إنه «الحصار» من كل حدب وصوب يطرق بابنا، تلك المجاعة التي باتوا فيها ليلنا ونهارنا يهددون، وسبات نومنا يؤرقون، ذلك السقف الذي لا ندري إن كنا سندفع ثمن إيجار احتوائه لدموع خوفنا و«خصوصيتنا» في عيش المعاناة، ذلك الطعام الذي باتت عائلاتٌ تعرض كلية الزوج أو الزوجة فيها للبيع، لتوفير قوت أولادها، أو الأب الذي لم يجد 1000 ليرة سعر منقوشة لابنته، فانتحر؟ إننا في عالم الذعر نعيش، ولا يُطمئننا في ذعرنا أحد.

في بلدنا لاجئون، وفي خيمنا مواطنون لبنانيون إلى خيم الساحات لاجئون، لأنهم سقفًا يأويهم ما عادوا يجدون، هم مغتربون في وطنهم، ومرّ الغربة يقاسون!

أكتب لأن حرية التعبير في وطني أصبحت تهمة، لكنّ وطن «الحريات» لا يمكنك كتم أنفاس أبنائه، وكيف تكتم شعبًا حكمته «الكورونا» لثلاثين عامًا، وبقي يقاوم «حجرًا» عن مقومات الحياة، ويأبى إلا أن يعيش؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد