منذ ساعات الثورة الأولى ظُهر يوم الثلاثاء ٢٥ يناير تعالت أصوات الثوار بهتافات عبرت عن توجه الحركة الشعبية بقيادة شبابية وأهدافها المشروعة وطموح الوطن الذي يملكه الجميع فكان من بين تلك الأهداف، وفي مقدمة مطالب الحركة هو إسقاط أركان النظام السياسي وقواعده الراسخة التي شكلت طبيعة العمل السياسي، وصنعت مناخًا لنموه وتقويته، تلك الممارسات التراكمية التي أصابت – وفي مقتل – الأغلبية العظمى من السياسيين مهما كانت درجة معارضتهم للنظام الحاكم بحيث تكونت وسائل عملهم السياسي في بيئة صنعها النظام وتراكمت خبرات عملهم السياسي وفق القواعد الحاكمة والبيئة الحاضنة حتى أنهم فقدوا القدرة على استحداث طرق معالجة حقيقية لكوارث هذا النظام ولعل الثورة خير دليل على ذلك.

هذه النظرة لم تنتقص من قيمة كائنًا من كان ممن عملوا في المجال السياسي في هذه البيئة، ولكنها قراءة حقيقية لواقع يراد تغييره للأفضل بثورة يخرج من رحمها نظام سياسي قائم على قيم العدالة والتعددية والتنافس الحقيقي على خدمة البشر قبل الحجر.

بالرغم من تخوف الثوار على الثورة وأهدافها من تصدر المعارضة المشهد الثوري، وإدارة الثورة بقواعد سياسية مكتسبة من العهد المراد وأده، لم يقص أحد؛ لأن أحدًا لا يملك إقصاء أحد، باستثناء من أجرم وقهر وظلم وسرق وبدد ثروات الشعب.

وقعت الثورة سريعًا فالهاوية جراء إدارتها في مهدها بقواعد سياسية واتفاقيات في الغرف المغلقة بين القوى السياسية والمجلس العسكري ممثل الدولة العميقة والمنتهية بإقصاء مبارك وحل مجلس الشعب ووضع قواعد عمل سياسي.

تم تسويق هذه التفاهمات على أنها انتصار ثوري أدرك شباب الثورة حقيقة الأمر وأصر من أصر على استكمال المسار بعيدًا عن هذه الموائمات ورحب من رحب بهذا المسار واستمر في طريق بناء المؤسسات وتفرقت بينهم جموع الثورة وتمزق الميدان.

تعاقبت المناسبات واتسعت المسافات بين رفقاء الدرب برعاية المجلس العسكري الذي لم يفوت فرصة إلا واستثمرها جيدًا لتكريس حكمه وتفتيت قوى الثورة، ما كان للمجلس العسكري والدولة العميقة انتصارًا إلا بالتفتيت واستدراج مكونات العمل الوطني، كل حسب المخطط له على حدة، ومن ثم الانقضاض عليه وحيدًا، ولعل سجل المجازر خير دليل على خطة الاستدراج والتشويه، ثم الانقضاض.

المجلس العسكري الذي تعامل بوجهين مع الثورة (وجهًا وديعًا حريصًا على الوطن وحامي لشعبها ومؤسساتها، ووجهًا يحمل عقلًا شيطانيًا يعمل في الخفاء على تأديب الثورة والثوار)، رصيد الجيش عند المصريين وحفاوة الشعب بنزولهم الشارع صنعت حماية للمجلس العسكري في مواجهة القوى السياسية وصعوبة رفض التسوية خشية غضب الشارع الذي يثق في الجيش، وأيضًا تجنيب البلاد مجازر تحققت لاحقًا في رابعة كان سيقدم عليها الجيش في ٢٠١١ في حال إصرار مكونات العمل الوطني على إسقاط النظام بالكامل.

ربما اضطرت القوى السياسية على قبول هذه التسوية والاكتفاء بما حققته الحركة الشعبية ولو مرحليًا، ولكن الظروف لم تجبرهم على أن يفرطوا في حسن الظن بالمجلس العسكري وتفتيت قوى الثورة وتصارعها حتى خونت كل منهما الأخرى.

وهنا يمكن القول بأن المجلس العسكري نجح بمباركة سياسية في الانقلاب على نظام مبارك الذي شهد عام ٢٠١٠ انقلابًا داخليًا تزعمه جمال مبارك واحمد عز على غير رغبة المؤسسة العسكرية.

توالت الهزائم على الثورة منذ تكليف مبارك المجلس العسكري مرورًا بالمجازر والانقلاب وما تلاه من مناسبات وحتى يومنا هذا بفضل الإصرار والاستمرار على التعامل مع الثورة بمنطق السياسة المغضوب عليها شعبيًا وتصاعدت الخلافات والانشقاقات والتراشقات بالتزامن مع صعود شرائح المنتفعين والمتعاطفين مع ثورة يناير آخذين طريق نحو الأسوأ، دون أي قيد كالذي يكبل أعناق المنتمين لثورة يناير ويحكم مواقفهم، بالرغم مما حل بهم من بلاء وعدم اتزان جراء ما عاشوه ويعيشونه وسيعيشونه.

تعددت المصائب من حولنا أصعبها تلك التي تخرج علينا من صف القيادة (الثورية) بالقول أو الفعل، فعلى سبيل المثال وصف أنفسهم بقوى المعارضة لنظام السيسي! هل وصلت درجة انعدام الوعي إلى هذا الحد أم احترافية إدارة المرحلة بخطاب يحقق مصالح حزبية تستخدم فيه مصطلحات الثورة والتجارة بأحلام وطموحات المواطن التي تبددت أصلًا نتيجة هذه الممارسات؟

كما جاء إعلان ترشح سامي عنان لمهزلة رئاسة الجمهورية ٢٠١٨ ليكشف عن وجوه تصدروا المشهد منظرين للثورة وارتدوا ثوب لا يربطهم به قيد أو عهد فأعلنوا تأييدهم للفريق سامي عنان، لا أنكر حق أي إنسان في اتخاذ موقف أو قرار بدعم مرشح أو المشاركة في أي استحقاق مهما كان رفضي له ولكن المستنكر هنا هو إصرار من يريد أن يشارك في مهزلة ودعم أحد أعمدة النظام المعادي لمبادئ الثورة على احتفاظه لنفسه بصفته منتمي لثورة يناير وحقه غير المقيد بالمشاركة السياسية في أي مناخ وتحت أي ظرف!

وأخيرًا يخرج علينا دكتور أكاديمي مصوبًا سهامه نحو الداعين للتمسك بمبادئ يناير متهمهم بالوصاية وقلة الفهم للواقع فما كان مني، إلا أن وضحت له اختلاف المساحات فدعوته سياسية متأثرة بخبراته في هذا العمل عكس المنتمين لثورة يناير الذين لا يملكون نظام سياسي قائم على مبادئ ثورتهم والفضل كل الفضل لمن شاركوا هذا الدكتور الأكاديمي من الفاعلين في توجهه السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, ثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد