في روايته الشهيرة “قناديل ملك الجليل” يتحدث الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله عن رجلين يقتتلان، فيقول أحدهما للآخر بعد أن يصل أمرهما لطريق مسدود: لو كانت عكا تخاف هدير البحر لما جلست على الشاطئ. في تلك اللحظة يستطيع ملك الجليل أن يحل خلافهما ويقضي دين صاحب العبارة، إلا أنه يطالبه بسداد الدين الذي قضاه عنه وذلك بمشيه في شوارع عكا وترديد جملته تلك عنها لتصبح مثلًا بين الناس.

احتفاظ لا وعي الناس بجمل كجملة عكا تلك كفيل بتثبيت إيمانها بنفسها، والكلمة على قلة أهميتها تستطيع أن تقتل شعبًا وتورثه الذل أجيالًا. استطاعت رواية الاحتلال أن تثبت في أذهان جيل كامل أننا نقف أمام كيان يمتلك الجيش الذي لا يقهر، فقهرنا أنفسنا طيلة سنين، وكنا ندخل معاركنا مهزومين لأننا نعلم مسبقًا أنه الجيش الذي لا يقهر فكيف يطالبوننا بالوقوف أمامه، لتكشف لنا الأيام بعد ذلك أنه جيش من الكرتون وأننا بالحيلة والوسيلة والإيمان نستطيع أن ننتصر. هذا الذي عبرت عنه حرب لبنان وحروب غزة المتتالية التي عملت على زلزلة ذلك الوعي المتعفن لتزرع فيه طريق النصر.

أمام هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام وما يمكن تسميته بمواقع التواصل الاجتماعي أصبح بإمكان الدول أن تغزو ولربما تحتل دولًا كاملة دون أن تحرك العتاد العسكري الخاص بها، يكفي أن يتناول الناس في تلك الدول وجبة الذل والخضوع والتي تقدم لهم على طبق التعليم والإعلام مجانية سهلة وبطرق إبداعية أيضًا. ستكتفي تلك الدول بأن تنشئ جيلًا في أمة يؤمن أنه أقل درجة بسبب لونه أو دينه أو تاريخه أو فقط لأنه ولد في هذه الحياة ضمن بقعة جغرافية معينة ثم تترك هذه الخلية التي قامت بزرعها تتفشى سرطانًا بين الناس فيما بعد.

“ليس شرطًا أن تكون عميلًا حتى تخدم عدوك، يكفي أن تكون غبيًا فقط”.

سيمر المغتربون الفلسطينيون في فترة الصيف وفي فترة كل صيف بهذا الامتحان الذي ما فتئوا يفشلون في تخطيه قريبًا، حيث ستجبرهم ظروفهم الجغرافية في طريق العودة إلى الانطلاق من دول تمتلك رفاهية ما، ليصلوا إلى آخر نقاط أرض الأردن في جسر الملك حسين ثم إلى معبر اللنبي عند الاحتلال ليصلوا بعد ذلك إلى استراحة أريحا، وبمقارنة بسيطة بين كل المراحل التي عبروها في وصولهم إلى أرض الوطن ستجد أن النظام الذي واجهوه لدى الاحتلال والنظافة التي رأوها هناك ثم نظام التكييف الذي أنقذهم من الحر يتحول إلى جملة أو معنى متداولًا بينهم بأن اليهود أرحم في تعاملهم معنا وأكثر احترامًا لنا من بني جلدتنا، وسيتم تداول تلك الجملة وذلك المعنى بين كل الزائرين المهنئين بالسلامة لتخزن في وعي ولا وعي الناس فتهزمهم قبل أن يُهزموا.

يدرك العدو ذلك جيدًا وبذكاء واضح، حيث استطاع أن يدخل لنا هذا المدخل طيلة سنين عديدة غيرت هندسة الوعي والاجتماع لدينا بشدة، إذ يكفي أن يستحضر طفل قول أمه في أحد الليالي “نام أجو الجيش” كي تجبره على النوم، ويكفي أن ننظر إلى هندسة الصورة واللحظة الأولى لدى الاحتلال لنكتشف الكثير، فأول ما يستقبلك به معبر اللنبي (وكذلك ما يودعك به) هو لباس الجندي الصهيوني وسلاح الأم16 على صدره متأهبًا للقتال، الأمر الذي لن تجده حاضرًا في الجهة المقابلة.

أحد قواعد الحرية التي يجب أن تتعلمها شعوبنا أن كل ما يصدر من عدوك شر لك حتى لو بدا غير ذلك، وأي ميل أو استحسان لفعل العدو هو خيانة، وحيث أنك لن تستطيع أن تقنع المسافر (على الأقل بسهولة) بأن التعب في الأردن والشنططة في أريحا أفضل من الراحة التي رآها في معبر اللنبي فعليك أن تخبره أن الجندي نفسه الذي ختم لك على الوثيقة أو الجواز الفلسطيني مصطنعًا ابتسامة المودة والسلام ضحك كثيرًا عندما راهن صاحبه على أنه يستطيع أن يصيب صدر الشهيد فارس عودة وحصل على رتبة عسكرية عندما استطاع أن يقتل محمد الدرة، وأنه نفسه كان يجرب سلاحًا جديدًا في حربه الأخيرة على غزة راح ضحيتها آلاف الشهداء، لا لشيء إلا ليثبت فاعليتها في صدر شعبك، وأنه كذلك استطاع أن يوصل أسيرًا فلسطينيًا إلى مشارف الموت في أقبية التحقيق، ولم يتوان لحظة عن التنكيل بشعبك في القدس أو الضفة أو الداخل.

“حدثني أحد الأصدقاء عن أسير فلسطيني، اعترف لدى الاحتلال بكل ما يعرف عن أصدقائه، لأنه ببساطة لم يستطع أن يكذب عليهم أو يكرههم بسبب لطفهم في معاملته”.

استطاع الاحتلال أن يكشف عورة الكثيرين طيلة الأيام والسنين الماضية ليغدو التصريح الممنوح من الاحتلال أهم من عملية القدس وأهم من منفذها البطل “ياسر طروة” الذي لم يستطع أن يعرّف المحتل بباب العمود في القدس إلا على أنه مغتصب محتل، وأية محاولة من قبله لإلباسه لباسًا مرحليًا يمكنه على الأقل من الدخول والصلاة في المسجد باءت بالفشل حيث وجد نفسه في حل من كل صنم ومن كل فكرة إلا فكرة الحرية ومواجهة المحتل الغاصب. كنت أظن في مرحلة ما أن أصحاب تلك الأصوات الناشزة هم أصحاب جوازات الفي أي بي الذين كلما هبت ريح ما تحسسوا جيوبهم وجوازات سفرهم ولكن العورة الأخيرة أخبرت بالكثير عن الفئة الجديدة المخترقة من قبل مصيدة الذل لتعلو الأصوات الشاذة بالتفكير في جدوى العملية في هذا الوقت وأنها ستقوم بإلغاء تصاريحهم إلى الداخل المحتل.

تغدو الصورة قاتمة بعض الشيء عندما نكتشف أننا لا نرى إلا ما يدخل في حدقة العين من ضوء وأننا بطريقة ما نصل درجة السذاجة في كثير من الأحيان في تعاملنا مع الأمور التي نظنها بسيطة، ككلمة أو جملة عابرة لا نلقي لها بالًا تكون سببًا في استمرار الذل والهوان، أو حتى قتل الكثير من أبناء شعبنا. لنعلم أنفسنا ونصبرها على أن طعم الراحة الذي يقدمه العدو بيد يقتلنا باليد الأخرى، وأن الابتسامة التي رأيناها منه مملوءة بدم الآلاف من أبناء شعبنا، وأننا إن أردنا فقط أن نصل فلسطين التي نعرفها فعلينا أن نؤمن بأنفسنا كما نؤمن بتفاهة وصَغار محتلينا ثم نخلع لباس الدروشة والغباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد