حالما ترنّ العملة في الصّندوق، فإنّ الأرواح تتخلّص من العذاب.

– الراهب يوهان تيتزل – القرن الخامس عشر

أمسية ماطرة زادت عيد القدّيسين بهاءً وحُسنًا، حطّ على كنيسة القدّيسين نفسها بفيتنبرج، راهب غامض شاحب الوجه تظهر في عينيه حكمة الصبّار، يداه تحملان مخطوطًا أصفر مكتوب باللّغة اللاتينية، في سكينة يخطو، بثبات يُعلّقها.

العبارة واضحة

لماذا يريد البابا بناء بازليك القدّيس بأموال الفقراء، لا بأمواله، وأموال الفاتيكان الخاصّة

مارتن لوثر رّاهب لا يأبَه بما ستجني عليه جُرأتهُ من اللّحوم المسمومة. نفسهُ من حدّثني عنه أحد الأُدباء – هشام الخشن – آنفًا في أمسية حماسيّة نكأ فيها رهطًا من آباط الأمور. كوب من سائل الدّفء جعلني ألتهم سيرة الرّاهب الألماني، مؤسس مذاهب البروتستانتية، ومبادئ استخدام العقل في الوصول إلى الله،لانسف فكرة صكوك الغفران، الصكوك التي يمنحها القساوسة لعامّة الشّعب ليلتحقوا بــجيش الرب، فيما عُرف بعد ذلك بالحروب الصّليبية المقدّسة ضدّ أعداء الله، ولك أن تتخيّل يا مؤمن نوعيّة الهتافات والتوجيهات التي قيلت من أوّل (موتوا بغيظكم) و(ديه عالم ريحتهم نتنة)، إلى الدّعاء لتنمية مشروع الكنيسة القومي الذي سيمنحهم استمارة دخول الملكوت، و(الكنيسة أم الدنيا وحتبقي أد الدنيا).
 كلمات لوثر امتزجت بعبارات الحرّية والليبراليّة في سلاسة كانت سببًا رئيسًا في تحطيم سلطة الكنيسة، هي وبنوده الخمسة والتسعون، تحدّث فيها عن السّماح بالطّلاق، وشرعيّة زواج القساوسة، وحقّ المسيحي في الصّلاة من غير كاهن والاحتفاظ بنسخة من الإنجيل، إلى آخر هذه البنود.
يوهان ومؤيّدوه أنكروا عليّ مأربي، بل أقسم لي هو نفسه، برأس القدّيس بطرس العظيم، أنّه لم يمسس ملّيمًا واحدًا من التبرّعات، وأنّ الكفن بلا جيوب، وماذا سينفع العبد حين يأكله الدّود، وأشياء أخرى من هذا القبيل، أشفقت فتصدقت بجنيه أخص به يوهان؛ فأخبرني أنّ القرن الخامس عشر لم يعرف العملات الورقيّة بعد، ولم يمسسه التعويم، ثم غمز إليّ بعينه – ماذا يقصد – وأشار أن أجود ببعض من الذّهب، إنّ قيمته باقية على كلّ حال، على ألا أُحدّث أحدًا بذلك، ومن ناحيته سيمنحني هو بركة القدّيس بطرس! الوغد يظن ان بإمكانه مخادعتي، قلت له إنني لست (العم دهب) Uncle Scrooge؛ لأشتري بالذّهب بركة القدّيس بطرس، وأنّني سأبتاع بالجنيه رغيفًا يمنحني الشّبع، ولينعم هو وبطرس بالبركة خاصتهم.

 الموحدانية أنكرت الصكوك، ودور العبادة لم  يعد وراءها سلطة روحيّة، ولا يحتاج الشّخص لكاهن ليُخلّص نفسَهُ، كل ذلك ماض ولّى، وأفكار نُسِفت، لكن التجربة عادت ناصعة تطلّ علينا من جديد، صكوك القساوسة استحالت لشفاعة الشّيوخ، والتّجديف على البابا أصبح خوض في (لحوم العلماء البسبوسة)، اللحوم التي استعارت كلمة الله، تلْويها كيفما وافق هواها وأتخم جيوبها وأرضى عنها السّلاطين، عادت التجربة لنكتفي نحن بتأدية الأخطاء نفسها، كما يجب أن تُؤَدَّى، فتكون شفاعة لنا – هل قلت شفاعة – فلا نوصف يومًا بالتقصير والإهمال، إن فساد التّجربة يعتبر ثورة، والثورة في بلـدي مُحرّمة قبل أن تكون مُجَرَّمَة.

أوربان الثاني وبطرس الحافي وشيوخ الفتة

شدّ ما أثار في نفسي الحنين ها هنا وأنا أتسكّع في نواحى بلديّة كليرمون الفرنسية الهادئة بين أبّهة الحاضر وعراقة الماضى، لم تكن معرفتي الأولى بها، قرأت عنها كثيرًا من قبل، أحداثٌ صاخبة دوّت فى عقلي كوميض اَلة التّصوير أتت في مشهد بعُثت فيه الحياة من جديد حتّى أنّني حاولت أن أستشعر الدّفء من برودة تلك الليلة التى وقف فيه البابا أوربان الثانى بوجهه الأبيض، منافسًا لوحات القدّيسين بهاء وحسنًا، في هيبة استطابت السكنى، وحكمة لم تفارق عينيه.
على رأس القادمين من نواحى فرنسا وقف مخاطبًا إيّاهم أن يهبّوا لمساعدة المسيح، عازمين أشدّ العزم على غزو الشّرق ليغسلوا اَثامهم بدماء الكفّار (يقصد المسلمين).

سوف يتمّ غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك، إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية، سواء في مسيرتهم على الأرض، أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضمّ قتالهم ضد الكفار وهذا الغفران أمنحه لكلّ من يذهب إلى هناك بمقتضى السّلطة التي أعطاني الربّ إيّاها فمن لم يحمل صليبه ويأتي ورائي فلن يستطيع أن يكون تلميذي.

هكذا ألقى أوربان عباراته بكل وضوح، وقد بلغت منه الحماسة كل مبلغ مستجلبًا مشاعر بسطاء المسيحيّين، فمن منهم ستأبى قدماه تلبية نداء الربّ؟
إنها دعوات جديدة من نوعية: اقتل باسم الربّ، واطعن تنعم؛ ليطوّع قلوب المساكين الذي وجد الفقر مكانًا متسعًا في حياتهم، كما وجد الجهل في بعض الرهبان حيزًا رطبًا يسكن إليه.
فيصيح الجمع بحماسة لم يتوقعها هو نفسه:
الربّ يريدها.. الربّ يريدها (يقصدون عكا)، لكنّ الربّ الذي زعموا أنّه يريدها كان يعلم أنّ شخصاً اَخر هو الذي يريدها، شخصًا غير أوربان نفسه.

 

قـــول نــعم تجـلب النـعم.. من قائل هذه العبارة!

لم يغب عن (بطرس الناسك) استجلاب الرهبنة والقداسة في عيون مريديه، قد آثر أن يخطو حافيًا تملقًا للفقراء ليُعرف بعد ذلك بــ(بطرس الحافي)، وبطرس هذا لم يكن له أي مطامع – أبدًا – مجرد أحلام متواضعة انتهت برئاسته كنيسة في فرنسا وتحكم في أموال النذور فقط. يلحّ بصوته الأخّاذ يستميل فيّ الحماس، لكني تنبهت من لؤم وسيلته، فـيُشيح بوجهُه عني في أنفة، ولا يلقى إليّ بالًا أنّ أعداد من يتبعهُ كُثر على كلّ حال، يحدّثهم عن ثراء بلاد الشّرق تحت معية المسيح، فيتملّق صراخ الأمعاء، صراخ لم يتوقف تحت أسنة رماح البلقان، وسيوف السلاجقة، ولم يزُد الحالمون إلا عذابًا.

من سيموت على هذا سيُمنح الخلاص والغفران

حسنا سأسألهم وأجيبك!

الوجه الآخر للعملة

بعد ما يزيد عن تسعة قرون يزداد الأمر سوءًا،لكنه سوء يدار بيد المسلمين أنفسهم، يتحدّثون باسم السماء، ويُصدرون فتاوى القتل والذبح والحرق، (وكلّه بما يرضي الله) ليصنعوا بتابعيهم ما شاؤوا أن يصنعوا، وأن يتحكّموا فيهم ليَصِلُوا إلى ما شاؤوا أن يصلوا، فيظهر فيهم بطرس اَخر بعمة وجبة وقفطان، يتبعه مريدوه في ساحات أخريات غير ساحات (كلير مون).

نعم في الجنة ولا في النار. هل سمعتها من قبل!

من سيّارته الفارهة يطُل، على أرجل زوجاته الصغيرات يدهس، تخمته المفرطة تفجعك، على يمين العربة هو أم يسارها! نظرة عابرة عليهم، مداعبة مقصودة في لحيته الشعثاء حتى آخرها، يذكّرهم أنّ لحيته هي الأطول، وذو اللّحية الأطول يُنْصَتُ إليه، خاصّة لو كانت بيضاء ناصعة تسرّ الناظرين، إلى المنبر اتّجه، على قفا مساعديه سند، بين هتاف مريديه استمع، بأنّه إمام المسلمين وأسد الدعوة…إلخ.

(الشيخ) يحدّثنا عن غزوة الصّناديق والابتسامة تعلو سحنته، يدفع مريديه للقتال من أجلها فالآخرة مضمونة وثوب الشهادة ينتظر الرجال. يكبرّ ويدعو خصومه الكفّار – كما أسماهم – بقطع تذاكر إلى كندا وغيرها، دين آبائه الفاتحين على دين أسلافهم الحاضرين أخرج جيلًا متمترسًا بالتضحية والفداء، سيقاتلونهم حتّى يتركوها خاوية على عروشها، صراحة لم افهم مغزى الجملة الأخيرة، هل يقصد أنه لن يتركهم حتى يفروا، أم يقصد لن يتركها هو حتى يجعل البلاد نفسها خالية على عروشها؟
من باب العلم بالشيء هذه هي النوعية التي يطلق عليها اللحوم البسبوسة، التي وإن تحدّث عنها مُحدّث أصبح من الرويبضة المهرطقة سينتهي مصيره بوضعه في بوتقة مليئة بماء المخلل.
يختم خطبته بـاَداب دخول المرحاض باليسار، الذي يعتبره من جوهر الدّين وعماد الإسلام،لذلك التخلف عنه معصية، والمعصية تحتاج توبة والتوبة تقتضى كَفّارة والكفارة  تصليح الباب، والباب يحتاج خشبة، والخشبة محتاجة مسمار والمسمار عند النجار، وهلم جرًا.

بالرغم أن الأمر لا يستدعي كل هذا الاهتمام، وأن دخول الحمام بذات اليسار لم يعد يخيف الجن والشياطين، فضلًا عن أنك ستبدو شملاوي في نظرهم ليس إلا، إلا أنه لم يلتفت للمُغرضين، بعد 20 عامًا قُدّمت فيها أبحاث أمريكية ودراسات روسية وبراءات اختراع مريخية في تخويف ساكني المراحيض، يتوقف الآن! يهدر كل هذا من أجل أن الشياطين والجن توقفت عن الخشي! (ده زمن إيه الأغبر ده، منه لله التلفزيون علم العفاريت ما لم تعلم)، بالمناسبة كان لي صديق شيوعي عندما سمع منه ذلك دخل المرحاض بنعل أحمر، وتحت إبطيه مجلد ماو تسي تونج.

ملتهبًا على منبر المسجد يستشهد بالاَيات، ويأمر مستمعيه بقتل من يخالفهم، فالدّين معكم والرّسول معكم والله معكم، (اضرب في المليان)، ولا تأخذك بهم رحمة ولا شفقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، من قتلهم كان أولى لله منهم، إن ريحتهم نتنة في الظاهر والباطن ويجب أن نطهّر البلاد من ريحتهم، والحقيقة أني لم أفهم ما يرمي إليه الشيخ هل أقتلهم لرائحتهم النتنة أم لأنّهم معارضون؟
لو كان بسبب الرائحة يا مولانا فيمكننا أن نضع أصابعنا على أنوفنا و(يا دار ما دخلك شر) و(اصبر على جارك السوء لحد ما ترحل رائحته)، أما لو كان القتل من أجل المعارضة، فأنا أخشى أن يبدلوا طريقة الانتخابات؛ فتصبح من التصويت إلى التصويب.
سيخبرني القارىء أنّ الوقت لم يعد له وقت ليُصلح ما أفسده أولئك وهؤلاء، وأنك تؤذن في مالطة، لكننا حتّى ولو وصلنا لمرحلة الآذان في مالطا فــعلى الأقل (أدينا بنؤذّن) ضدّ كلّ تاجر لا يجد أي غضاضة في إنفاق أرواح وعقول من الممكن ادّخارها في بناء كيان فكري يسعى ما استطاع السعي أن يخطو السّاق بالسّاق نحو عصر إصلاحٍ حقيقيّ يشبه العصر الذي أسّسه مارتن لوثر، وليس ما يتغنّى به أوربان وبطرس ولحمة مسمومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد