(1)

(أ)
“لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها، بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية” نص المادة 19 الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر1948

 

(ب)

 

“الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها، وتُمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض، مع المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع بهذا الدستور” نص المادة 81 من دستور مصر الصادر عام 2012.

(ج)

“الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها” نص المادة 92 من دستور مصر الصادر عام 2014.

(2)
ما هو تعريف المواطن المصري العادي لمفاهيم مثل الحقوق، والحريات، وما هو تصوره لماهية هذه الحقوق، لكيفية ممارسة حقوقه وحرياته، ونطاق هذه الممارسة، إن فكر يومًا في تحويلها من مجرد تصورات نظرية، لأفعال ملموسة؟

تساؤلات تلح على عقول الكثيرين من المعنيين بالشأن العام، وأحدهم كاتب هذه السطور، ربما لا أمتلك إجابات واضحة، ربما يمتلك غيري الأجوبة المطلوبة، لكن لا بأس على أية حال من المحاولة.

(3)
عبر استقصاء شخصي- ليس متبعًا لأية معايير علمية بطبيعة الحال، اللهم إلا الرغبة في السؤال والحصول على رد- قمت بسؤال بعض من أعرفهم، ما هو مفهومك لحقوقك كمواطن؟ وعلام تشتمل هذه الحقوق؟ وكيف ترى الطرق الأنسب لممارسة هذه الحقوق، وما الحدود التي ترى أنه لا يحق، أو لا ينبغي لك أن تتعداها؟

لم أتفاجأ من نوعية الأجوبة، بعضها مرتبك، بعضها يرد على السؤال بأسئلة، وكلها تدور في إطار الحق في الحصول على المتطلبات الأساسية كالتعليم والتوظيف، لم يتطرق أي منها لحرية الرأي والتعبير، ولا كيفية ممارسة هذا الحق عبر أكثر الأشكال شيوعًا، ورسوخًا في الذهنية الشعبية المصرية، خصوصًا بعد ثورة 25 يناير 2011، وأعني بذلك الحق في التظاهر، ولم يرد على لسان أي شخص ممن تم سؤالهم، جملة الحق في الحصول على المعلومات.

(4)

مجتمعيًّا: منذ الصغر تبدو عملية طلب المعلومة والحصول عليها معقدة وعبثية إلى حد كبير، بدءًا من المنزل حيث يتحدد نطاق معرفة الطفل الصغير بمفهومي العيب والحرام، مرورًا بالمدرسة التي لا يحق للتلميذ فيها سؤال مدرسه، عن أية معلومة غير مذكورة في المنهج، انتهاءً ببيئته ومجتمعه الصغير المكون من الأصدقاء والمعارف والجيران.

ثقافة طلب المعلومة منعدمة تقريبًا، وقلما تجد من يغرس في نفوس الناشئة، الرغبة في التعبير عن أنفسهم وتساؤلاتهم دون حرج أو تردد.

تغييب الحق الطبيعي في طلب المعلومة – أيًّا كان سياق الطلب- ونشر ثقافة معادية لترسيخ هذا الحق، إما بالسخرية من صاحبه، أو بتثبيط عزيمته، أو الإدعاء بعدم أحقيته أصلاً في التساؤل.

كل ماسبق ينتج ثقافة معادية لحق إنساني ثابت وأصيل في كل الأعراف والمواثيق الإنسانية، المشار إلى بعضها في مفتتح المقال، الأمر الذي ينعكس سلبًا على تكوين عقلية المواطن من الصغر، فيضع أمام حقه في المعرفة حاجزًا صلبًا يتواطأ المجتمع على ترسيخه يومًا فيومًا، والأسوأ أن المواطن الطفل اليوم، الشاب والرجل غدًا، يفقد منذ البواكير ثقته في رغبته، ومن ثم قدرته في الحصول على المعلومات التي قد تيسر له تسيير شؤون حياته الشخصية، أو الأكاديمية، أو العملية عمومًا.

ببساطة المجتمع يرفع لافتة ممنوع، مرفوض، غير متاح. فعليك كمواطن فرد ليس له من السلطة أو النفوذ أي نصيب، أن تتقبل ذلك، بل وتتأقلم معه دونما تذمر أو احتجاج. فإذا ما فكرت يومًا، في استخدام حق آخر أصيل لأي إنسان أو مواطن في أي دولة في العالم، وهو حق التظاهر للتعبير عن رأيك.

هنا ينتقل الصراع إلى مستوى آخر، حيث تكون المواجهة مع الدولة ممثلة بشكل مباشر في جهازها الأمني القمعي المتضخم، المتماهي بطبيعة الحال مع ثقافة المجتمع الذي أنتجه، ويدافع عن ممارساته باستمرار.

 

(5)

سياسيًّا: في إطار نظام مستبد سياسيًّا، وفاسد اقتصاديًّا كالنظام المصري، تعاني حالة الحقوق والحريات من تدهور مفزع، لا يتمثل فقط في التضييق على المطالبين بتفعيل هذا الحق، وممارسته بشكل طبيعي، بل يتعدى ذلك للتصدي لأية محاولة جادة، تسعى لإقرار مبدأ حق الشعب في المعرفة.

 

فلا مجال للدهشة، إذا لم نكن قادرين- بشكل رسمي- حتى الآن، على معرفة وإدانة من قتلوا المتظاهرين في أحداث 25 يناير و28 يناير 2011، مرورًا بأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، رغم معرفة القاصي والداني بمن كانوا في مواقع المسئولية في ذلك الوقت.

 

لكن عدم وجود جهات أهلية مستقلة عن منظومة الحكم، تقوم هي بالتحقيق، وتمتلك قبل كل شيء المقدرة على الحصول على المعلومات بشكل مباشر، والسلطة اللازمة لإتاحة هذه المعلومات لعموم الجمهور كحق مقرر لهم، فضلاً عن عبثية تصور وجود كيانات بهذه الصفة في إطار منظومة العمل الرسمية في دولة كمصر، كل ذلك جعل من الدولة – وهي المصدر الأوحد الحائز للمعلومات والمانح لها- طوال الوقت خصمًا غير شريف وحكمًا غير عادل بالمرة.

(6)
مؤسسيًّا: جرب مرة أن تذهب لإحدى الوزارات، مطالبًا المسئول المختص هناك بأية معلومات أو بيانات، بدءًا من حصر بعدد الطلاب مثلاً في إطار الإدارة التعليمية التي تسكن في نطاقها، وصولاً للهيكل الإداري والوظيفي والمالي لهذه الوزارة. ما سبق ليس هزلاً ولا يندرج تحت بند النكات الرديئة، ما سبق هو حق لك كمواطن كامل الأهلية، تحيا على أرض ما يفترض أنها دولة، وما سبق ببساطة يستطيع أن يطالب به أي مواطن هندي، نعم يا صديقي هندي أو مكسيكي، ويلقى هذا الطلب الاهتمام اللائق والاحترام المستحق، ببساطة لأنه مواطن، وببساطة لأن هذا من حقه.

 

في مصر حدثت مبادرات من هذا النوع، منها مبادرة قام بها مركز دعم لتقنية المعلومات بالتعاون مع مبادرة مدني وثائقي، والتفاصيل ها هنا لمن أراد الاستزادة.

 

 

تبرُزعقبة رئيسة تقف في وجه أية مبادرة من هذا النوع، وتتحدد في الصنم المقدس، وأعني به العقلية الأمنية التي تدار من خلالها كل مؤسسات الدولة، فكونك مواطنًا فردًا لا يمنحك حق الحصول على المعلومة المطلوبة.

لا بد من أن تكون موفدًا من قبل هيئة أو مؤسسة بإخطار رسمي، لاستكمال الشكل القانوني ليس إلا، فمدير الإدارة المركزية للأمن بهذه الوزارة أو تلك له كامل الحق، في نسف جهودك بكلمة واحدة يقولها دائمًا بثقة وغموض: أمن قومي.

 

(7)
تصور للحل: إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وتفعيل العمل به ليس من العجائب أو المستحيلات. فوفقًا لمتخصصين يرون أن الجهاز الإداري للدولة، على ما به من ترهل وفساد، ورغم حاجته المُلحة للإصلاح والتطوير، فإنه يمتلك بنية مؤسسية، تستطيع في حال وجود إرادة سياسية، أن توفر للمواطنين ما يحتاجونه ويطلبونه من معلومات، بشكل تقني أو تقليدي، مع وضع ضوابط طبيعية وليست هيستيرية كما هو الحال الآن، لما يجوز الإفصاح عنه حكوميًّا وما لا يجوز، ودون الحاجة لاستخدام فزاعة الأمن القومي، بشكل ابتذلنا معه معنى المصطلح، دون وجود أي أمن حقيقي يشعر به المواطن.

 

ختامًا الدول المتحضرة توصف بأنها كذلك، حينما يصل المواطن فيها إلى مرحلة إجابة طلبه بنعم أو لا دون إضافات.

 

والدول التي تحيا على ماضيها كمصر، لن تخرج مما هي فيه، طالما كان الجواب الذي يحصل عليه أي مواطن، يستفسر عن سر ازدحام الطريق، وصولاً لراتب رئيس الجمهورية هو ربما يكون كذا أو كذا، ربما… فقط ربما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد