الانتقائية والانتقائية المضادة

اللغة هي حامل المعرفة الإنسانية، وبتوسع هذه المعرفة يتوسع مفهوم اللغة بشكل مواز في محاولة لاستيعاب والتعبير عن حجم المعرفة التي تنمو بشكل لحظي، وهذا يتم من خلال توسيع مدلولات الألفاظ القديمة واستحداث ألفاظ جديدة للتعبير عن مدلولات مستحدثة، فاللغة كائن متطور لا يقع خارج حدود الزمان والمكان والصراع الطبقي، وبالتالي يسمح بعدد لا نهائي من التأويلات للنصوص التراثية المختلفة.

ولكن نظرًا لحالة التشوه البنيوي للطبقة حاملة مشعل التنوير في مصر، كما ذكرنا آنفًا، تم التعامل الانتقائي مع اللغة التراثية من جانب العلمانيين فهي من جانب تهاجم سلطة النصوص التراثية بصفتها ظنية الدلالة والثبوت كذلك، فهي تتعامل بشكل انتقائي مع النصوص التي تمس السلطة السياسية بما يخدم الدولة ومواقفها وممارساتها، فهي تتناول القضايا التقدمية بشكل انتقائي، ليس هذا فقط، بل الرهان على الدولة لفرض رؤيتها التنويرية من أعلى، ولو قامت بذلك مستخدمة القمع والسلطة العسكرية.

فهي قد تصطدم بسلطة النص التراثي، ولكن بشرط ألا يتصادم هذا مع سلطة الدولة الوطنية ومؤسساتها، فالمدنية لديهم هي عكس الدينية فقط وليس العسكرية والأمنية أيضًا.

وما زاد الطين بلة هو ممارسات الإفقار والقمع التي مارستها وتمارسها هذه الدولة ضد الشعب، وهذا بالطبع زاد من معاداة الشارع لخطابهم وربط دعايتهم بممارسات الدولة الفاسدة، لتتخلي هذه النخب أكثر وأكثر عن استقلاليتها الفكرية وتتمادى في غسل يد الدولة من مسؤوليتها عن تفشي التشدد في المجتمع بممارسة القمع والاستبداد والإفقار، وتتماهى أكثر وأكثر مع رؤية الدولة حول طبيعة الإسلام السياسي.

وكذلك كان استخدام نفس النهج الانتقائي من قبل نخب الإسلام السياسي وتنويعاتها لتبرير الفهم الجامد لبعض النصوص الدينية والتراثية، وفي المقابل التعامل مع بعض النصوص بمرونة بشكل براجماتي وبما يخدم مصالحها مثل نصوص «الإعجاز العلمي في القرآن» كمثال، والتي يتم إعادة تناول لغة النصوص بشكل جديد لتتناسب مع ما تحاول التوافق معه من قضايا علمية معاصرة، ولكن هذا الاستخدام لا ينسحب بالطبع على باقي القضايا في التعامل مع اللغة، بل على العكس يستخدم لتبرير القراءات الجامدة لباقي النصوص اللغوية.

إن خطاب النخب التي تبنت مفهوم الإسلام السياسي كان هو الآخر غير بعيد عن السلطة، حيث ظلت علاقته بها متباينة صعودًا وهبوطًا وشهدت أفضل فتراتها في عصر السادات، وطبعًا مع وصول محمد مرسي للحكم، ورأينا في هذه الأوقات كيف تحول خطابهم إلى داعم شبه مطلق للسلطة ومعادي للحراك الجماهيري من أسفل في كل مرة، ولكن هذا الدعم دائمًا ما كان ينعكس بالسلب على شعبية هذا الخطاب ويخلق انشقاقات كبرى بين المنتسبين له.

العلمانيون والإسلاميون وجهان لنفس العملة، هي الرؤية المثالية للظواهر، العلماني يرى أن الإسلام السياسي ظاهرة فكرية دخيلة على الصراع الطبقي، ترفض بالأساس إعمال العقل وتتخذ ظاهر النص مرجعًا حرفيًا، وتقوم بفرض هذه الرؤية للنص كمعيار وحيد للإيمان، والإسلامي يرى ظاهرة التنوير (مؤامرة) خارجية على الإسلام ومشروع الخلافة الإسلامية، ويختزل الطرفان الظواهر من أي سياق تاريخي ومعرفي.

كما أن كلا الخطابين (الإسلامي والعلماني) ينظر إلى الطبقة العاملة كمفعول به وليس فاعل في عملية التغيير، فهى طبقة جاهلة غير مسئولة لا يعول عليها (وفقًا لهما)، وبالتالي يجب أن تتلقى المعرفة التي يقررها الزعماء وأصحاب الرأي من أعلى، دون أن تكون صاحبة رأي أو قرار أو فعل.

وفقًا لكل ما سبق.. في تقديري لن يأتي التنوير من خطابات هذه القطاعات البرجوازية ومعاركها النخبوية الانتقائية القائمة على الاستقطاب الديني/ العلماني، بقدر ما سيكون عبر التخلص من حالة الاستقطاب الأفقي القائمة، والسعي لخلق خطاب جديد قائم على الاستقطاب الرأسي/ الطبقي الذي يتبنى لغة جديدة ذات منهج شامل غير انتقائي في التعامل مع السلطة ككل بما فيها سلطة النصوص الدينية والقضايا التراثية الشائكة، وسلطة الدولة الطبقية.

يجب أن ينطلق مشروع التنوير من رؤية كلية للعالم تستطيع التعبير عن معاناة الطبقة العاملة وآمالها عبر التاريخ، وكسر سيادة وهيمنة الوعي البرجوازي والخطاب الانتقائي الذي تصدره، وقيادة الطبقة العاملة بكل قطاعاتها نحو الثورة على علاقات الإنتاج القائمة وما تنتجه من خطابات مهيمنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد