انتهت الثورة العربية بالاحتلال البريطاني لمصر، وتجب الإشارة هنا الى أن بريطانيا ما بعد ثورة كرومويل وانتصار البرلمانيين على الملكيين هي ما أجهضت الثورة العرابية التي طالبت بمطالب مشابهة.

الوطن والخلافة

فرض الواقع الاستعماري القضية الوطنية على المثقف المصري، ابن البرجوازية وابن الطبقة الوسطى، في ظل حالة تناقض مصالح مع الطبقة العاملة الناشئة والفلاحين المصريين، وفي المقابل مع إعلان إلغاء الخلافة العثمانية الشكلية في 1924، ظهرت قضية الخلافة الإسلامية كجناح ثان لوعي (الطبقة الوسطى وأبناء البرجوازية) بذاتهم وبدورهم في تاريخ مصر الحديث.

لتتحول القضية الوطنية وقضية الخلافة الإسلامية إلى أولوية لكل تيار داخل هذه النخبة، في ظل حالة تشوش مفاهيمي حول معنى الوطن والدولة والخلافة، وعدم إلمام كامل بالأبعاد الطبقية لهذه المفاهيم.

فقد كان معظم زعماء الحركة الوطنية في هذه الفترة من البشوات أمثال سعد زغلول والنحاس… إلخ من الوفد المصري الذي قاد مفاوضات الاستقلال إبان ثورة 1919؛ مما خلق حالة من التجاهل العمدي للأبعاد الطبقية لهذه القضايا، حتى أن سعد ورفاقه أدانوا تحركات جماهير الفلاحين التي قامت بالاستيلاء على الأراضي في 1919 ووصفوها بالتخريب.

ليس هذا فقط، بل انه بعد إقرار دستور 1923 وتشكيل حكومة سعد زغلول، التفت سعد الى اتحاد النقابات والحزب الشيوعي المصري، اللذان أسسا في 1921، فقام بإصدار القوانين بتجريم الحزب وحله في 1924، ثم قام بملاحقة عضويته وحبسهم وتصفية الحزب والإنهاء عليه تمامًا في 1930، كما قام وحكومته بتدجين اتحاد النقابات ووضع سكرتير سعد الخاص على رأسه لضمان السيطرة الكاملة عليه وعلى عضويته وتحركاته.

ولهذا نجد أن معظم المعارك الثقافية التي دارت في هذه الفترة، مثل معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، وكتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرزاق وغيرها من المعارك، كانت فكرية بالأساس وتدور رحاها بين تيار التحرر الوطني وبين تيار الخلافة الإسلامية، كما كانت أيضًا تدور أحيانًا بين الوفديين والدستوريين الأحرار وبين الوفديين والسعديين… إلخ في غياب أو تغييب عمدي شبه كامل لأي أبعاد اجتماعية تمس أحوال الفقراء.

ومفكر كبير مثل طه حسين، وهو من قرر مجانية التعليم الثانوي وطالب بمجانية التعليم الجامعي عندما كان وزيرًا للمعارف، كان أول من أطلق على حركة الضباط الأحرار لفظة ثورة يوليو (تموز).

كما سنجد أنه وفي سياق معاداة الثورة والحراك الجماهيري من أسفل، أعلن حسن البنّا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين التي تبنت تيار الدفاع عن الخلافة الإسلامية، أن الجماعة دعاة إصلاح تدريجي لا ثورة، ولم يكن لديهم غضاضة أن يكون الملك هو الخليفة، كما قاموا بدور تخريبي في مظاهرات لجنة الطلبة والعمال في 1946، وكان سيد قطب بعد حركة يوليو من أكثر مؤيدي إعدام خميس والبقرى.

حتى منظمة «حدتو» اليسارية، التي ظهرت في الأربعينات، أعلنت تبنيها البرنامج الانتقالي والتحالف مع ما يسمى البرجوازية الوطنية، بل الموافقة على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وتأييد انقلاب الضباط الأحرار بعد ذلك، ويرجع كل هذا إلى تبعيتها للستالينية ومواقفها الفكرية التي لا تنتمي إلى الاشتراكية بقدر ما كانت تنتمي إلى ما يسمى برأسمالية الدولة في روسيا التي أسسها ستالين منقلبًا على تراث لينين وتروتسكي.

كانت حركة الضباط الأحرار تعبيرًا عن تطلعات الطبقة الوسطى التي أرادت أن تقوم بما فشل عرابي في القيام به داخل الجيش، ولكنها وجدت السلطة الشائخة تسقط تحت قدميها، فقد ورثت هي حالة الثورة الاجتماعية ما بعد الحرب العالمية والتي انتهت بحريق القاهرة في ظل ضعف شعبية التنظيمات السياسية اليسارية بعد المواقف التي ذكرنا قليل منها في السابق، بالإضافة إلى الضربات الأمنية المتتالية، وأيضًا ضعف شعبية الإخوان بعد مواقفها السابقة بالإضافة إلى الضربات الأمنية المتتالية لها، وأيضًا الطبيعة الطبقية لقيادة حزب الوفد التي جعلت منها ضد أي شكل من أشكال التغيير الجذري.

كل هذا في سياق استقطاب عالمي آخذ في التشكل ما بعد الحرب العالمية بين الاتحاد السوفيتي بنسخته الستالينية رأسمالية الدولة ودعمها لنماذج التحرر الوطني التي تقودها البرجوازية الصغيرة، والولايات المتحدة الأمريكية بنماذجها حول الرأسمالية والسوق الحر التي تتطلع للحلول محل بريطانيا العظمى.

قام الضباط الأحرار من أبناء البرجوازية الصغيرة هذه بتحقيق بعض المكاسب الاجتماعية للفقراء والفلاحين مثل الإصلاح الزراعي المحدود وتأميم قناة السويس… إلخ، إلا أن هذا جاء بالتوازي مع تأميم كامل للحياة السياسية، ومصادرة تامة للحراك الشعبي والنقابي من أسفل واستبدال الجماهير بأهل الثقة من الضباط، واحتكار عملية التغيير، ويجب ألا ننسى أن من أولى قرارات الضباط الأحرار بعد انقلاب يوليو كان فض الإضرابات والاعتصامات العمالية وإعدام العاملين خميس، والبقري.

كما يجب أن نشير هنا الى موقف كاشف بشدة لحالة الخلط التي تتسم بها طبقة الأفندية عن طبيعة التغيير وأدواته، فقد أعلنت الاحزاب اليسارية (من داخل معتقلات ناصر) حل نفسها وانضمامها للاتحاد الاشتراكي الناصري! بمبرر أنه يمكن عمل اشتراكية من أعلى دون مشاركة للطبقة العاملة من أسفل، وطرح البعض لنظرية المراحل التاريخية وضرورة دعم البرجوازية كمرحلة ما قبل الدولة العمالية!

جاء عصر السادات بعد ذلك تعبيرًا عن حال هذه الطبقة بتنوعاتها بعد أن تضخمت ثروات البعض وأحلام البعض الآخر، ليصبح قميص الناصرية غير ملائم لهم، لينقلب السادات على إرث ناصر عن التحرر الوطني، ويقوم هو بعمل تغيير جديد من أعلى أيضًا وبنفس الأدوات التي راهن عليها اليسار لعمل اشتراكية من أعلى! ولكن في الاتجاه المضاد هذه المرة.

بالطبع لاقى هذا مقاومة من بعض اليساريين والناصريين، فاستخدم السادات الإسلاميين هذه المرة، وكانوا عند حسن ظنه بهم، فدعموه باعتباره الرئيس المؤمن، بل يلاحظ حالة من التواطئ بالصمت شبه التام لجماعة الإخوان عن ممارسات السادات الاقتصادية المنحازة للأغنياء (الانفتاح الاقتصادي)، ليس هذا فقط، بل وصمتهم عن اتفاقية كامب ديفيد التي عقدها السادات مع العدو الصهيوني، وتأييدها الضمني لتبرير الأزهر، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله.

وحتى مقاومة اليسار لتوجهات السادات داخل المواقع والجامعات في السبعينيات ظلت نخبوية الطابع والخطاب؛ مما جعلها غير قادرة على قيادة انتفاضة بضخامة وعظمة انتفاضة الأسعار في يناير (كانون الثاني) 1977.

ومع تولي مبارك السلطة وصعود موجة العنف من الجماعات الإسلامية المنشقة عن جماعة الاخوان، رفع حزب التجمع منبر اليسار في الثمانينيّات والتسعينيات شعار مع الدولة وضد الإسلاميين وشعار «الأسقف المنخفضة» في عصر مبارك الذي تبنى سياسات الليبرالية الجديدة المعادية للفقراء، وكان كنزًا إستراتيجيًا للصهاينة وفقًا لتعبير الإسرائيليين أنفسهم، ليس هذا فقط، بل قاموا بعمل مواجهات وحرب فكرية مع (الاٍرهاب) من داخل مؤسسات دولة مبارك! ووصل الأمر من التماهي مع الدولة، إلى دعم مبارك أثناء ثورة يناير تخوفًا من صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم.

وبعد ثورة يناير مباشرة كان موقف الإخوان المسلمين المتحالف مع المجلس العسكري والرافض إضرابات العمال ووصفها بالفئوية والتخريب والإفساد في الأرض كاشف جدًا لرؤيتهم عن حراك الجماهير لفرض التغيير من أسفل.

وكذلك بعد انقلاب 30 يونيو (حزيران) 2013 جاء موقف العلمانيين أمثال حلمي النمنم، ويوسف زيدان، وجابر نصار، وصلاح عيسى… إلخ من تحالف مع المجلس العسكري مؤيدًا تمامًا للديكتاتورية الدموية النيوليبرالية للسيسي بحجة الحرب على الإخوان، فكان تأييدهم مطلقًا لكافة الإجراءات القمعية والقرارات التي قيدت العمل العام.

هذا كله وغيره كثير لم يتح المجال لذكره، يوضح بشدة حالة التناقض العضال التي تعاني منها هذه النخبة بشقيها الإسلامي والعلماني، فالطابع الغالب لكل هؤلاء هو مزيج من المثالية والشعبوية وانعدام الثقة المفرط في الجماهير وحراكهم من أسفل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد