صمدت الدولة العباسية لقرون طوال تملؤها الصراعات منذ أعوامها الأولى حتى سقطت بغداد على يد المغول 1258، فانتقل الخلفاء إلى القاهرة، وهناك استمرت الخلافة بشكل رمزي لقرنين ونصف من الزمان حتى سلمها العرب للفاتحين العثمانيين بقيادة سليم الأول.

وقد شغلت الصراعات التي قامت بين العباسيين والعلويين البيت العباسي وأنهكته فترة طويلة، لكنها أبدًا لم تهدمه، أو تتسبب في إفساد دين الناس ودنياهم كما فعلت صراعات الفرس مع العرب.

وانقسم سلوك الطالبيين العلويين تجاه أبناء عمومتهم الذين يسكنون قصر الخلافة إلى قسمين: الأول استمر في النهج الجهادي الذي أنعشه زيد بن علي بن الحسين، وابنه يحيى أواخر حكم الأمويين، فسموا بالزيديين. وقد اختاروا طريق المواجهة للمطالبة بما يرونه «حقهم المغتصب»، وجاهدوا من يرونهم «حكامًا ظالمين» تولوا أمور المسلمين دون إرادتهم. وقد حظي الزيديون من أتباع التشيع العربي بتعاطف كبير من المسلمين حتى أن الإمامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس قد افتيا بمساندة محمد النفس الزكية في ثورته ضد المنصور، ولقيا في سبيل ذلك من الأهوال ما لقيا.

وعلى الرغم من النهايات المأساوية لمعظم الثورات الزيدية وفشلها في تحقيق أهدافها، إلا أن إحدى هذه الثورات كانت سببًا في تأسيس دولة الأدارسة، وذلك بعدما نجا مؤسسها إدريس بن عبد الله بن الحسن من مذبحة «فخ» وهرب إلى المغرب ليبايعه الأمازيغ إمامًا وقائدًا لهم. وكانت دولة الأدارسة من أوائل الدول التي انشقت عن العباسيين 788، وقبلها الدولة الرستمية الإباضية، والتي أسسها عبد الرحمن بن رستم، وهو فارسي الأصل في بلاد المغرب الأوسط 776. وكانت هاتان الدولتان سببًا في تأسيس دولة الأغالبة. إذ سمح الخليفة هارون الرشيد للأغالبة باستقلال جزئي ليمنعوا تمدد الدول الأخرى، ويظلوا تابعين للخلافة فيحفظوا لها هيبتها واسمها في تلك المنطقة ولو صوريًا. وقد تمكن الأغالبة من تحقيق فتوحات هامة في جنوب إيطاليا، ومالطا، وصقلية التي فتحها القائد أسد بن الفرات.

وعلى ذلك نرى أن الصراع الزيدي العباسي قد تمخض عنه في بعض الأحيان جوانب إيجابية، تمامًا كما تمخض الصراع بين العباسيين وفلول الأمويين عن إحياء حضارة عظيمة في بلاد الأندلس أسس لها صقر قريش عبد الرحمن الداخل؛ الأمر الذي صب في مصلحة الإسلام والمسلمين.

أما القسم الثاني من الطالبيين العلويين فقد آثر السلامة، ورأى أن التفرغ للعلم والاجتهاد والدراسة ونشر الدين أفضل للإسلام، ومنهم من تواصل مع الزيدية ولم يبخل عليهم برأي أو مشورة، ولكنه في نفس الوقت لم يدخل في مناوشات مع أبناء عمومته العباسيين، كالإمام جعفر الصادق الذي كان عالمًا وفقيهًا وأديبًا يجله كل المسلمين.

ولكن ركون هؤلاء الأئمة لم يكن كفيلًا بنشر الأمان بينهم وبين العباسيين الذين ظلوا يتربصون بهم كونهم يهددون مكانتهم وكرسيهم وإن أظهروا الزهد في السلطة. فالعباسيون يرونهم أندادًا لهم وشركاء بيعة «الرضا من آل محمد». وقد وصل هاجس الانقلاب العلوى عند الخليفة المأمون ذروته، خاصة بعد الثورة التي قادها ضده ابن طباطبا في الكوفة؛ فرأى أن يتخلص من مخاوفه بعقد ولاية العهد للإمام الرضا بن موسى الكاظم لكسب رضا العلويين، وكاد ذلك يطيح به من كرسي الخلافة، ولم ينقذه سوى وفاة الرضا في ظروف غامضة كغيره من الأئمة العلويين.

وقد اتخذ الروافض 12 إمامًا من هؤلاء الأئمة، جميعهم من نسل الإمام الحسين رضي الله عنه وابنه على السجاد الملقب بزين العابدين دون غيره من أبناء الحسين؛ كون أمه هي شهربانو بنت يزدجرد الثالث كما أشاع الفرس ليصلوا نسبهم بآل البيت ويربطوا أنفسهم بالتشيع من ذلك المدخل، فنشأ بذلك التشيع الفارسي الاثني عشري في مواجهة التشيع الزيدى العربى وشتان بينهما.

يقول أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام: «الحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية، ونصرانية، وزرادشتيه، وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت شعارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم «… وقد ظهر ذلك جليًا فور مقتل أبي مسلم الخراساني أحد الركائز التي قامت عليها الدولة العباسية، وقد أعلن تشيعه لآل البيت، ولكن يبدو أن ذلك التشيع كان للعباسيين منهم فهو لم يتردد في قتل أبي سلمة الخلال، وسليمان بن كثير، وهما شركاء الثورة على الأمويين؛ بحجة اتصالهم بالعلويين لقلب نظام الحكم. فما أن تخلص الخليفة أبو جعفر المنصور من أبي مسلم 755؛ حتى طفح طوفان من الانحرافات والبدع والطقوس المجوسية التي دعت إليها حركات فارسية هدامة قامت بثورات عارمة في وجه الخلافة. ومن أشهر هذه الحركات المنحرفة حركتا الزندقة والمانوية، وأتباعهما من الذين يتبعون الكتاب المقدس عند الفرس قبل الإسلام، وكذا الحركات الشعوبية المتطرفة، والحركة الراوندية وهي إحدى فرق الخرمية التي جعلت من أبي جعفر المنصور إلهًا يعبد من دون الله، ولما خالفهم المنصور ثاروا عليه وحاربوه وحاربهم. ولعل ثورة بابك الخرمي من أكثر الثورات التي هددت الخلافة في سنواتها الأولى، إذ بدأ نشاطه التخريبي، وأعلن ثورته أيام المأمون واستمرت 20 سنة حتى قتله المعتصم، وقبل بابك كان المقنع الخرساني الذي هلك أيام الخليفة المهدي، وقبلهما سندباذ المجوسي الذي خرج على الخلافة بدعوى الثأر لأبي مسلم وأستاذ سيس الذي ادعى النبوة، وكلاهما فشل في تنفيذ مخططاته، حيث تصدى لهما الخليفة المنصور. كل هذه الحركات والشخصيات المشبوهة انطلقت من فارس وما حولها، وكان هدفها القضاء على دولة الإسلام وتحويل السلطة إلى فارس لاستعادة المجد الكسروي.

وقد كان الفرس في طليعة العناصر التي اشعلت فتيل ثورات أشد خطورة وأكبر أثرًا في أوقات لاحقة من عمر الخلافة كانت تعاني فيها من الضعف وتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية؛ كثورة الزنج في عهد الخليفة المعتمد بالله، وقد عاصر القرامطة هذه الثورة، ولكنهم لم يلتحقوا بها، بالرغم من وحدة الفكر والهدف. إذ رأى القرامطة إشغال العباسيين وإنهاكهم على أكثر من جبهة كي يكون لديهم فرصة في استكمال ما قد يفشل الزنج في تحقيقه. وقد نشر القرامطة الرعب في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام لعشرات السنين، وأشاعوا الخراب والدمار من قتل وسلب وحرق، وكانت الطامة الكبرى الاستيلاء على مكة وسرقتهم الحجر الأسود؛ وظل الحج معطلًا بسببهم ما يزيد عن العشرين عامًا، ولم تنته تلك الأزمة، إلا بعدما هددهم رأس الدولة العبيدية بحرب لا قبل لهم بها إن لم يعيدوا الأمور إلى نصابها.

وكان العبيديون يسيطرون على بلاد المغرب وشمال أفريقيا بعد أن تمكنوا من القضاء على الأغالبة والأدارسة وضم ما تحت أيديهم من أراض (باستثناء المناطق المقابلة للدولة الأموية في الأندلس والتي أمنها الأمويون بالسيطرة على الموانئ المهمة والتحالف مع قبائل البربر)، ثم بسطوا سيطرتهم على مصر واتخذوا القاهرة عاصمة لخلافتهم، وامتدوا منها ليبسطوا نفوذهم على بلاد الشام والحجاز بعد حروب مع القرامطة الذين انحسروا في إقليم البحرين. وبذلك وسع العبيديون دولتهم على حساب القرامطة ولكنهم لم يفنوهم لتتهدد الخلافة العباسية أخطار القرامطة، والعبيديين، وكذلك البويهيين، فيضيق الفرس بذلك الخناق على العباسيين من كل جانب بهدف القضاء على دولتهم. والبويهيون جماعة من الفرس حكمت غرب إيران وتمكنت من السيطرة على بغداد بعد فترة طويلة من الفوضى، الأمر الذي جعل الخليفة العباسى يرحب بهم ويخلع عليهم ألقاب السلطنة والإمارة. ولكنهم سرعان ما تلاعبوا بالخليفة واعترفوا بإمامة الفاطميين والأدهى غلوهم في التشيع وتحويلهم بغداد عاصمة الخلافة من التسنن إلى التشيع الفارسي فكثرت النزاعات كما اشتد الغلاء وانتشرت الأمراض لتدهور الأحوال مرة أخرى إلى الفقر والفوضى حتى انتهت دولتهم على أيدي السلاجقة الأتراك.

نجحت الدولة الإسلامية في الصمود أمام هذه الأخطار؛ فتصدت للتمرد والثورات التي قادها المجوس كثورة الزنج والقرامطة كما نجحت في التصدي لمن قبلهم. ونجحت كذلك في التصدي للأفكار الهدامة والعقائد المنحرفة التي راعتها دول استقلت عن الخلافة شكليًا أو كليًا. وقد برز دور الفقهاء والأئمة في المواجهات الفكرية كما برز دور السلاجقة الذين سطع نجمهم في المواجهات الحربية. فقد لعب السلاجقة دورًا من أهم الأدوار في ملاحقة المجوس والتصدي لهم أينما كانوا وقد سجل لهم التاريخ ذلك الدور بحروف من نور. فقد سخرهم الله عز وجل للدفاع عن دولة الخلافة وإنقاذها من الهجمة الفارسية الشرسة التي استهدفتها.

وقد استمر الأتراك في القيام بذلك الدور منذ العهد العباسي وحتى انتقال الخلافة إليهم إذ لم يغفلوا يومًا عن آمال الفرس وأطماعهم مهما اختلفت أسمائهم وتعاقبت دولهم. فقد كان الصراع بين الفرس والترك صراع على النفوذ داخل الدولة العباسية منذ السنوات الأولى، ثم تحول الأمر إلى صراع وجودي يتنازعون فيه مساحات جغرافية مشتركة يرغب الترك في تأسيس دولتهم عليها. وأيقن الترك أن قوة تلك الدولة ورفعتها هي من قوة ورفعة الدين الذي ينتمون إليه ويدافعون عنه، لذلك وجد الأتراك في الإسلام ملاذهم على عكس الفرس المجوس الذين قضى الإسلام على طغيان أكاسرتهم وهدم إمبراطوريتهم. ومن هنا اختلفت نظرة الترك للإسلام عن نظرة الفرس، وتشابهت نظرتهم مع نظرة العرب الذين بنى الإسلام دولتهم وصاغ حضارتهم.

وبالعودة إلى السلاجقة تحديدًا نجدهم قد لعبوا دورًا في القضاء على عصابات القرامطة، وانقذوا الخلافة من البويهيين وحلوا مكانهم بعدما ضعفت دولة بنى بويه وأضحت مركزًا للفوضى والفقر والفساد فنالوا اعتراف الخليفة العباسى بدولتهم. وقد برز السلاجقة لأول مرة كدولة قبل ذلك بسنوات قليلة عندما تمكنوا من انتزاع خراسان وما وراء النهر من الغزنويين.. والغزنويون أيضًا جماعة من الترك لهم دور بارز في نشر الإسلام داخل الهند ومواجهة المد الفارسي في أكثر من مكان، وأصبح بينهم وبين السلاجقة مصاهرة ونسب. ولكن ذلك لم يمنع التوتر القائم بين الجانبين والحروب المستمرة في محاولة كل منهما إخضاع الطرف الآخر، وإن كانت كفة السلاجقة هي التي ترجح غالبًا. وظلت الأوضاع بينهما على هذا الحال حتى سقطت الدولة الغزنوية على أيدي الغوريين.. أما دولة السلاجقة الكبار فكانت قد تفتتت إلى دويلات سلجوقية أهمها دولة سلاجقة الشام، والتي انتزعها السلاجقة من العبيديين، ثم ورثها الأتابكة الزنكيون أصحاب الفضل في ملاحقة الصليبيين، ودولة سلاجقة الروم وهي أطول دول السلاجقة عمرًا، وقد خرج العثمانيون من رحمها، وظلت هي الممثل الوحيد للسلاجقة بعدما انتهى تمامًا عصر الدولة السلجوقية الأم، حيث سيطر الخوارزميون على خراسان، وأهم المدن ما وراء النهر حتى الاجتياح المغولي.

وبالإضافة إلى الأدوار التي قام بها الترك لمواجهة المؤمرات الفارسية نجدهم قد لعبوا دورًا مصيريًا فيما يخص التصدي للروم في المشرق وإنهاك البيزنطيين. فقد تمكن السلاجقة بقيادة ألب أرسلان من السيطرة على الأناضول بعد معركة ملاذكرد الشهيرة. وهي من أهم المعارك التي دارت بين المسلمين والروم على مدار تاريخهم، وقد تغير شكل المنطقة تمامًا بعد هذا الفتح الإسلامي العظيم حيث اصطبغت المناطق المفتوحة بصبغة إسلامية خاصة. وقد استقل سلاجقة الروم بالأناضول، وخاضوا معارك متفرقة مع الروم المذبوحين والمصرين على استردادها دون جدوى. فما كان أمام الإمبراطور البيزنطي بعد كل هذه الإخفاقات، إلا أن يضرب عصفورين بحجر واحد يتمكن به من تحجيم السلاجقة وإحياء حلم استعادة بيت المقدس في نفس الوقت. فاستنجد بالفرنج أو اللاتين حلفاء اليوم وأعداء كل يوم، وأرسل إلى البابا أوربانوس الثاني رأس الكنيسة الغربية الكاثوليكية يطلب منه المدد لإضفاء الصبغة الصليبية على جيوش الغرب التي سوف تحارب السلاجقة «باسم الرب» وتنال صكوك الغفران بعد الوصول إلى بيت المقدس و«تحريرها» من قبضة المسلمين.

وقد كانت القدس في حماية سلاجقة الشام وبعض السلالات التركية الأخرى وفي حماية العبيديين بالمقام الأول حيث كانت آخر ما تبقى لهم في الشام بعد أن انتزعوها من الترك وقبل أن يسلموها للصليبيين 1099. يقول جمال بدوي واصفًا الدولة العبيدية: «قذفت الحملة آخر مسمار في نعش تلك الدولة، إذ إنهم لم يكتفوا بلعب دور العاجز عن الدفاع عن أراضي المسلمين، إنما تواطأوا مع الصليبيين، وشجعوهم على التوغل في بلاد الشام، من أجل القضاء على الدولة السلجوقية، بل عقدوا مع الصليبيين اتفاقًا لاقتسام بلاد الشام سرعان ما نقضه الصليبيون ليشقوا طريقهم نحو احتلال القدس وفلسطين». دولة التفاريح والتباريح( بتصرف).

لم يتمكن سلاجقة الروم من التصدي لجحافل الجيوش الصليبية وهزموا وخسروا كثير من الأراضي التي استردها البيزنطيون فانحسروا جنوب الأناضول، بينما تقدم الصليبيون في طريقهم إلى الشام فدمروا الأخضر واليابس ولم يجدوا أي صعوبة في التخلص من السلاجقة والتركمان في الشام، حيث كانوا متناحرين فيما بينهم. بعدها تمكنوا من احتلال بيت المقدس بعد فرار العبيديين الذين فضلوا الوجود الصليبيي على الوجود التركي في الشام. فتمكن الصليبيون من تأسيس مملكة بيت المقدس وثلاث إمارات صليبية؛ منها إمارة الرها التي استردها الزنكيون بعد 50 عامًا من الحملة الأولى، وكانت سببًا في قيام الحملة الثانية التي فشلت فشلًا ذريعًا بفضل بسالة سلاجقة الأناضول والزنكيون في الشام. وقد دخل السلاجقة بعد هذه المرحلة في سلام مع بيزنطة انتهى بعد سنوات قليلة بمعركة كبرى هي معركة ميريوكيفالون التي وقعت بعد قرن من ملاذ كرد، وفقد بعدها الروم البيزنطيون الأناضول إلى الأبد، فتوسع السلاجقة غربًا كما بسطوا سيطرتهم الكاملة على الموانئ في البحرين الأبيض والأسود.

أما القدس فقد تمكن صلاح الدين الأيوبي من تحريرها بعدما قضى على الدولة العبيدية في مصر، وبذلك الفتح العظيم غلبت الفرس، وانتهى الخطر الفارسى العبيدي إلى الأبد كما انتهى الخطر البويهي، ولكن ظلت مخططات الفرس حاضرة على يد جواسيسهم حتى إسقاط الخلافة في بغداد. فقد سقطت الخلافة الهشة على يد خلفاء عباسيين لا قيمة لهم ولا وزن، فرطوا في الأمانة ومكنوا المجوس والروافض من الحكم كالوزير ابن العلقمي الذي سلم بغداد للمغول فقتلوا الخليفة، ثم قتلوه. وقد تمكن الفرس بعد ثلاثة قرون ونصف من سقوط الدولة العبيدية من تأسيس دولتهم الصفوية التي برزت أواخر الدولة العباسية في القاهرة.

أما الصليبيون فقد جن جنونهم بعد سقوط القدس، وأخذوا يطلقون الحملة تلو الأخرى لاستعادتها وكادوا يفعلون بمعاونة الخونة من الأيوبيين، ولكن الله سلم وتمكن السلطان الأيوبي وقائده الفذ الظاهر بيبرس من هزيمتهم في معركة لافوربي 1244، ومع ذلك ظلوا يحتفظون بالسيطرة على الشريط الساحلي لفلسطين ومملكة بيت المقدس وعاصمتها عكا.

غلب الفرنج وانتهى الوجود الصليبي في المشرق أيام الدولة العباسية في القاهرة، والتي أحياها المماليك أصحاب السلطة الفعلية والفضل العظيم في هزيمة المغول في عين جالوت. فقد تفرغوا بعد ذلك لقتال الصليبيين وطردهم من بلاد الشام، ونجحوا في القضاء على مملكة بيت المقدس التي دامت قرابة القرنين من الزمان بعد فتح عكا على يد السلطان المملوكي الأشرف خليل 1291. خرج الفرنج وقد فشلوا في تحقيق مبتغاهم، ولكنهم على صعيد آخر نجحوا في إذلال الروم البيزنطييين بعد توجيه الحملة الرابعة 1202، إلى القسطنطينية بدلًا عن مصر المحروسة، فنهبوها ودمروها وجعلوها في حالة يرثى لها فقدت بعدها قوتها ووزنها الإقليمي حتى سقوطها على يد السلطان العثماني محمد الفاتح 1453.

غُلِب الفرنج في المشرق الإسلامي، ولكنهم غَلَبوا في الأندلس بعدما تمكنت بقايا القوط بقيادة بلايو _ من خلال ثغرة أهملها المسلمين _ من تكوين مملكة استورياس التي اعتبرت قاعدة انطلقت منها الهجمات على المسلمين، وتوسعت المملكة حتى نالت اعترافًا رسميًا من الباباوية، ثم انتهت بتأسيس مملكة ليون. أما باقي القوط فكانوا قد دخلوا في الإسلام منذ زمن ومن رفض منهم هاجر إلى الفرنج وذاب فيهم.

سقطت طليطلة 1085 في عهد ملوك الطوائف، ولكن المرابطين تمكنوا من إيقاف نزيف الخسائر بعد معركتي الزلاقة وأقليش. عادت الخسائر من جديد في عهد الموحدين بعد هزيمتهم في معركة العقاب، التي نتج عنها تحول كبير في تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث بدأ المسلمون في فقد الحواضر الإسلامية الواحدة تلو الأخرى ففقدوا قرطبة 1236، بلنسية 1238، إشبيلية 1248 وأخيرًا غرناطة 1492، وبسقوطها سقطت الأندلس إلى الأبد. وقد لعبت الحملات الصليبية دورًا كبيرًا في هذا السقوط، إذ وجهت البابوية بتكثيف عمليات التنصير في شبه الجزيرة وقامت بجمع الأموال للتوحد ضد المسلمين و«استرداد» الأندلس لأن ذلك لا يقل في قيمته عن «استرداد» بيت المقدس.

سقطت الأندلس وبدأت المجازر ضد المسلمين ومحاكم التفتيش، ولكن شاء العلي القدير أن يكون العثمانيون قد ثبتوا أقدامهم في أوروبا الشرقية والبلقان، وتمكنوا كذلك من فتح القسطنطينية لتبدأ حقبة جديدة من التجاذبات والصراع والأطماع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد