لكل زمان فرعونه وسحرته، لكن فراعنة هذا العصر مختلفون؛ لهم أساليبهم الخاصة في ممارسة التسلط على العقول والتلاعب بها ومحو ملامح الوعي المتبقية منها، إنه تسلط بميسم خاص تمامًا كالسحر الذي يصيب الإنسان، فإذا كنا نعلم قصة الفرعون في القرآن الكريم وكيف مارس جبروته على الناس بقوة الـمُلك وسطوة المال والعظمة والجاه، فإن فراعنة هذا العصر نحن من قوينا شوكتهم حتى تمكنوا في الأرض وعاثوا فسادًا بالبلاد والعباد بفعل التمجيد والتطبيل والتبجيل والنفخ في توافه الأمور حتى جعلنا منها هي الأصل وحلّت مكان ما يجب أن يكون، أخذتنا سياسة الإلهاء بعيدًا عما ينفعنا ويبني عقولنا وقيمنا، يضحك الإعلام علينا والضحك فينا والبكاء علينا، يتاجرون بجراحات الناس ويعرضون قصصهم وفضائحهم التي لا تنتهي وذلك باختيار شخصيات منحطة أخلاقيًّا وقيميًّا وتقديمها للمشاهد ليقوم هذا الأخير بالضحك عليها هو الآخر أو بسبّها ولعنها وفي جميع الأحوال ماذا استفدنا نحن غير تقديم صورة مشوهة عن إعلامنا والاستخفاف بعقول المتلقين والطعن في ذائقتهم الفنية و الجمالية، والغريب والعجيب أنك تجد لهؤلاء الضحايا متابعين ومتفاعلين ومدافعين عن هذا الهراء يريدون بذلك أصحاب هذه المنابر تلميع صورتهم وجعلهم نجومًا للتأثير ولإفهام الغير أن هؤلاء هم أبطال العصر، أما المواهب الحقيقية المتفوقة دراسيًّا أو الناجحة في مجال من مجالات اختصاصها فلا يلتفت إليها ويتم إقصاؤها وغض الطرف عنها.

إن دور الإعلام خطير جدًا في تسويق هذه الأفكار وترسيخها خاصة في عقول الناشئة التي لم تكتسب بعد مناعتها ضد هذه الأفكار والمشاهد المسمومة التي تحاول بشكل أو بآخر إقناعها بالتخلي عن كل ما قد يبني الفكر ويقوم السلوك ويهذب الأخلاق وأن لا بديل عن هذا الإسفاف الذي يراد من ورائه الانسياق وراء سحره والتشبع بمظاهره والاقتناع بمحتواه إلى أن يصير هذا هو الصحيح.

هل نحن مخلوقات ظلامية؟

لسان حالنا ينطق بذلك، وما نعيشه يثبت ذلك ومن منا يستطيع أن ينكر فساد واقعه، نحن الذين نشتكي من استبداد الفرعون وتسلطه ونحن بأفعالنا هذه نعزز مكانته ونصفق له حتى يصدق نفسه فيكلمنا من برجه العالي ويتركنا دائما نقتات الفتات وما يسمح به الأسياد ونقول الحمد لله بنفسٍ راضية. أنت أيها القارئ حين تخضع ولا تواجه حين تختار الذل والتواري في الظل، وتجعل من النفاق وسيلتك للتقرب من الفرعون ليباركك ويرضى عنك، فكن على يقين أن أول ما ستخسره هو نفسك وكرامتك وتقديرك لذاتك، ولا تنسى أن أصعب شيء في الوجود هو أن يخسر الإنسان ذاته وأن يشعر أنه بلا قيمة فيصير وجوده كعدمه، وحتى وإن حصل ومدحه الناس إما نفاقًا أو رياءً؛ فإن ذلك لن يشعره بالسعادة والرضا ولن يحس بالراحة التي يحسها ذاك الذي يضع حدودًا بينه وبين تسلط الفرعون وتسيبه.

سيظل الفرعون يسكننا، سنظل نحبه فنحن نعشق العبودية، وعبودية هذا العصر مختلفة تغيرت مظاهرها فقط أما الفعل ما زال هو نفسه، انتقلنا من عبادة اللات والعزى في الجاهلية إلى عبادة المصالح والمنافع وتحقيق المآرب الحالية، لكل منَّا طريقته الفنية في ذلك، منها ما يمارس في العلن وبوجه مكشوف ومنها ما يمارس وراء الكواليس في السر والخفاء من وراء الستار، نعم نحن الذين نمارس الذل والتخلف ثم نشتكي منه ونطالب بإسقاطه ونبذه ومحوه. أعجبتنا اللعبة وغلفناها بعبارة (سياسة العصر) والسياسة من تصرفاتنا براء.

إن أعيننا لم تعد تطيق النور، فقد عميت الأبصار والقلوب، أعجبنا العيش في الوحل وأصبحنا ذيول ظلام في وضح النهار، أتعلمون لماذا؟ لأننا نخاف الحقيقة، لأن الحقيقة قبسٌ من نور ونحن بخيالنا القاصر نخافها ونخشى مواجهة الواقع لأن الواقع لن يتقبله منك أحد، كل منا يحب أن يسمع ما يطربه وليس من يضعه أمام المرآة ومن يفعل ذلك فكأنما يضع نفسه في فوهة مدفع ينتظر مصيره المحتوم من النبذ والتهميش والإقصاء. إن بلاط الفرعون لا يتقبل وجود من يهدد سلطانه أو ينتقده، لأننا نعلم علم اليقين أنه يرحب فقط بالمناصرين والمؤيدين والمبايعين على وثيقة الخضوع والطاعة وأصحاب المواهب في تطريز الحكي وبلاغة القول في مقام الفرعون وحضرته، أما معارضوه فهم خارج أسوار القصر ولا مكان لهم فيه يجب فقط إخراسهم وقتل الأصوات الحرة فيهم.

لقد أصبحنا نتعصب للعبودية وندافع عنها بنفس راضية واقتناع تام، كل شيء قيّم قتلناه فينا فالمصلحة الشخصية هي الصخرة التي تتحطم عليها أقوى المبادئ، أصبحنا نمجد كل فرعون فاشل ونضع في قبضته مصائرنا وكل أحلامنا وآمالنا ونتجنب كل ما قد يثير غضبه علينا أو يحرمنا من رضاه ومباركته. ما من شك أن هذا الكلام سيمس الكثير منا وما من شك كذلك أن كل واحد فينا يعيش تسلط الفرعون في محيطه بشكل من الأشكال سواءً في وسطه الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو الإعلامي وغيره.

أعجبتنا اللعبة وتحججنا بأنه الاختيار الأوحد والوحيد الذي تركوه أمامنا، لكن كن على يقين أيها الضحية أنه لا أحد سيحترمك لأنك لم تحترم نفسك ولم تقدرها فقد وهبتها قربانًا للفرعون والطاغوت حين بايعته على فساد سياسته، لقد تأكد لنا عبر تاريخ الشعوب أن العبيد مكانهم سوق النخاسة تُقضى بهم الأغراض والحاجات ثم يقذف بهم إلى غياهب التجاهل والنبذ والاحتقار، لذلك لا تكن الضحية؛ بل كن سيد الموقف، كن محترمًا مع نفسك أولًا، ومع الآخرين ثانيًا، فلكل شيء حدود وقوانين تؤطر علاقاتنا بالغير، ويا ليتنا نقدر ونبجل من يستحق، لكان ذلك هو المطلوب وعين المرغوب، لكننا أصبحنا عبيد التفاهة والتافهين أصبحنا أسرى لكل مصلحة ومنفعة.

لازلنا نحب الفرعون ونعزز مكانته ونفوذه بسلوكياتنا ولم نعتبر من قصص القرآن الكريم وكيف كان مصير الفرعون وأتباعه من الذين خضعوا واستسلموا لجبروته وسكتوا عن مظالمه، واختاروا تحصيل المنافع الدنيوية، ونسوا أنهم أناس مستعبدون أذلاء أمام سطوته وملكه الزائف. لقد فسدت فطرة الناس وعميت أبصارهم، وأصبحوا يستهلكون كل منتج جاهز، وإن كان محتواه تافهًا بنفس راضية، ولعل ما يحدث في المشهد الإعلامي اليوم يجسد هذا الواقع من توفير بيئة موبوءة ومليئة بالمحتوى الفارغ يستخفون به بعقول المغاربة وبذائقتهم الفنية التي من المفترض أن تميز بين الهراء والجيد، ولا يخفى على ذي بصيرة كيف أن الإعلام يجعل من التافهين فراعنة ويفرضهم على الـمُشاهد بإعطائهم مساحة أكبر من حجمهم للظهور وتسليط الأضواء على طفيليات «اليوتيوب» واختيار عناوين صادمة لا أخلاقية لمضاعفة عدد المشاهدات و الأرباح ولو على حساب تسفيه المغاربة، وزيادة تقزيم ما بقي من الوعي لديهم، وهذا الأمر خطير جدًّا؛ لأن للإعلام تأثيره وبريقه الذي يجذب متلقيه ويؤثر بعمق في جوانب شخصيته خاصةً إن لم يكن هذا المتلقي صاحب وعي وله قدرة على التمييز بين ما ينفعه ويضره ولا يستهلك بعمى كل ما يعرض عليه، إذ في غياب هذا الوعي الناقد ستختل موازين المجتمع ويصبح التافهون نجومًا، ويواري في الظلام أصحاب الطاقات والذكاءات البناءة التي من المفترض أن تهيأ لها الأرضية للإبداع والابتكار والاستمرار في دعمها لعكس صورة مشرفة عن الإعلام المغربي الذي يواكب بجدية الفئة المؤثرة إيجابًا في المجتمع، لكن للأسف ما يحدث هو العكس تمامًا، ولعل أكبر تحدٍ واجهناه وكشف للعالم حقيقتنا هو هذه الجائحة التي أوقفت العالم عن الحركة وحبستنا في منازلنا، لم نجد حيالها إلا العلم والعلماء، وجميع التافهين اختفوا وتلاشوا ولم يعد لهم أثر ولم ينفعونا بشيء، لم نجد إلا علمائنا ومختبراتنا وأطرنا التي لم نمنحها العناية اللازمة للاشتغال أكثر في مجال اختصاصها.

هذا البؤس الإعلامي ما هو إلا حلقة في سلسلة الفشل الذي تغرق في بركته الآسنة قطاعات عديدة حكومية كانت أو خاصة، فمن يدبرون الشأن العام لا علاقة لهم بالمجال الذي يشتغلون فيه، ولعل الفشل الذريع الذي تتكلل به مشاريعهم الترقيعية في حل نكبات التعليم أو مشاكل الاقتصاد الوطني أو التدبير السياسي للبلد لهو أكبر دليل على ذلك.

صيحتي التي أنثرها في هذه المساحة الإعلامية والتي أرجو أن لا تكون صرخةً في واد مقفرٍ لا يسمع صداها غيري، كفى عبثًا، كفى تضييعًا للوقت فيما لا يفيد، لنستيقظ من غفلتنا ولنصنع نحن شباب اليوم حاضرنا ومستقبلنا ولنترك الانسياق وراء كل الدعوات الظلامية والممارسات الرخيصة التي تهدم قيم الإنسان وكرامته، لقد آن الأوان لنقول كفى عبثًا، نعم لبناء الإنسان والعمران، كفى تجهيلًا وإمحاءً وغسل الأدمغة، لا تجعلوا من فرعون الضلال والإضلال سلطانًا عليكم، لا تفقدوا مناعتكم ضد الفساد أينما كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد