يمثل الرئيس اليمني هادي حالة لا أجد لها شبيهًا في المشهد السياسي لأي دولة معاصرة، وقلما يوجد مثيلها في التاريخ، فخصائص حكم الرجل لليمن أشبه بشخصية الزوج الفاشل العاطل الذي نجده في الدراما العربية، والذي رغم عدم ارتباط زوجته به أو استفادتها منه، فظروفها وطبيعة مجتمعها تجعل ضرر وجوده أهون من غيابه . ليس ما يميز هادي بوصفه حاكمًا عربيًّا فشله وإن كان قد فاق فيه أقرانه فهو يحكم بلدًا ينهار كل كبيرة وصغيرة فيه حرفيًّا وأصبح وجوده بجغرافيته ونظامه السياسي وتركبيبته الاجتماعية مهددًا؛ أي إن وجوده صار مهددًا، وهذه صورة لأسوأ ما يمكن أن يصل إليه أي بلد. لا يميز هادي كذلك ضعفه وقلة حيلته؛ فمنذ توليه الحكم دأب على سوء التصرف تارة نتيجة سوء تقدير، وتارة لحاجات في نفسه، وأيًّا كانت حيثيات سياساته فنتيجتها أن أصبح رئيسًا منفيًّا لا يملك أدنى الصلاحيات التي يملكها زعيم أي دولة حيث لا يخضع لسلطته أي جيش، ولا يملك الحرية في إصدار القرارات أو التعيينات دون الرجوع لمضيفه، بل إنه لا يملك القدرة على الخروج على شعبه ومخاطبتهم. لقد أودى هادي بنفسه لفقدان ما يملكه المواطن العادي، وهو العودة لارضه. إن ما يجعل من هادي ظاهرة في عالم السياسة قلما يوجد مثيل لها، هو أنه رغم تحقيقه العلامة الكاملة في الفشل، وما جره على بلده أولًا ونفسه بعد آخرًا، ما زال وجوده ضروريًّا وتداعيات خروجه من المشهد كارثيةً.

لم يكن لهادي دور بارز بوصفه نائبًا للرئيس إبان حكم صالح، الذي كان يهدف من وجود هادي الجنوبي نائبًا له؛ إلى الظهور بمظهر الوحدوي العادل، لكن نائب الرئيس محدود الصلاحيات كان غائبًا ومغيبًا عن إدارة الدولة. هذا الدور جعل الوصف الذي لطالما سمعته عن هادي أنه كالزينة التي تعلق بالشرفة أو باللهجة اليمنية «كوز مركوز بطاقة». للأمانة لعب هادي دورًا إبان حرب الانفصال سنة 1994م؛ إذ كان حينها وزيرًا لدفاع نظام صالح، وهي الحرب التي انتصر فيها صالح وانتصر فيها هادي على خصومه السابقين المعروفين بالطغمة، الذين تسببوا في نفيه ورفقائه من زمرة أبين إلى صنعاء، بعد خسارة الأخيرة في أحداث يناير 1986. ابتسم القدر لهادي في 2011، فبعد شهور من الاحتجاجات المطالبة بتنحي صالح والتي تدهورت إبانها الأوضاع لشفير حرب أهلية، تمكنت الدول الخليجية من عقد اتفاق المبادرة الخليجية والذي قضى بتنحي صالح عن الحكم، وتولي هادي منصب الرئاسة لمدة سنتين بعد الاستفتاء عليه بصفته مرشحًا توافقيًّا لجميع القوى السياسية. استلم هادي ملفات ثقيلة أبرزها إعادة هيكلة الجيش وإيجاد حل للقضية الجنوبية، والتصدي للحركة الحوثية، وانتشال الاقتصاد وغيرها. لم يتمكن هادي من التعامل مع أي من هذه الملفات، بل بالعكس تمامًا فبعد ثماني سنوات من حكم هادي وصلت اليمن لواحدة من أسوأ حالاتها تاريخيًّا، فمثلًا لم يعد لليمن جيش – وطني أو غير وطني- بل مليشيات، وبالنسبة للحوثي فبعد أن كان نفوذه منحصرًا في صعدة أصبح يسيطر على أجزاء واسعة من اليمن، ويقضي تدريجيًّا على نظامه الجمهوري. بالنسبة لوحدة اليمن والقضية الجنوبية فقد أصبحت الدولة مهددة بالتفتت لمجموعة من الكنتونات التي تسيطر عليها سلطات أمر واقع تتحكم بها قوى إقليمية. باختصار تجاوز اليمن في عهد هادي مرحلة الدولة الفاشلة، فاليمن لم يعد دولةً أصلًا.

على الرغم من فشل الرئيس هادي وتجاوز مدة حكمه المدة المنصوص عليها في اتفاق المبادرة الخليجية والدستور اليمني، لا تجد فكرة استبعاده من منصبه أي رواج في أوساط القوى السياسية المنطوية تحت مظلة الشرعية. تدرك هذه القوى كارثية إسقاط الرجل أو استبعاده باعتبار ظروف البلد، والتي لولاها ما كان يمكن لحكم هادي الضغيف والفاشل وغير الدستوري الاستمرار. ما يزال هادي – رغم فقدانه معظم صلاحياته بوصفه رئيسًا – رقمًا صعبًا في معادلة المشهد اليمني لعدة أسباب، أهمها أنه ما زال يمتلك الشرعية أمام المجتمع الدولي والتي تحتم على التحالف، وبالتحديد السعودية، الإبقاء عليه لتوفير غطاء لاستمرار دورها في اليمن، وتنفيذ أجندتها، خصوصًا أن الرجل فقد خلال السنوات القدرة غلى مخالفة السعودية أو معارضتها. أما بالنسبة للقوى الوطنية بين هلالين؛ أي تلك التي ترفع شعارات الجمهورية والوحدة والسيادة، فبالنسبة لها يمثل الرجل قيادة ومركزًا أو نواة الطرف المقابل للحوثي والانتقالي، وإسقاطه قد يسبب انحلال عقد الجبهة المضادة لمشروع الجماعتين. كذلك فامتلاك الرجل لورقة الاعتراف الدولي يجعل من جهود هذه القوى مشروعًا أمام المجتمع الدولي، وبدونه ستصبح جميع القوى الموجودة على الساحة متساوية، بغض النظر عن عدالة قضيتها خصوصًا أن جميع الأطراف السياسية تمتلك قاعدة شعببة وهو الأمر الذي سيقضي على أحد آخر الأوراق التي تمتلكها قوى الشرعية.

في النهاية لا يبدو أن التاريخ سيسجل هادي في أنصع صفحاته، بل سيقترن اسمه بوصفه رئيس الدولة التي شهدت أزمة إنسانية في العالم إبان حكمه، لكن الرجل سيدخله ظاهرةً سياسية لا تتكرر كثيرًا. لم يعد لهادي مستقبل في اليمن من الناحية الواقعية؛ ففكرة عودته لحكم اليمن أصبحت ضربًا من خيال؛ إذ إن المشروع الوطني لن يتأتى له الانتصار بالطريقة التي يُدار بها، والتي يقع هادي على رأسها. كذلك فهادي الذي كان غطاءً لدور السعودية والإمارات التدميري في اليمن ستستبدله الأخيرتان برجل مناسب لها متى ما تغيرت الظروف واقتضت المرحلة استبدال آخر به. لا أستبعد حدوث ذلك قريبًا، فالحرب التي ستنتهي في أجل ليس ببعيد ستتطلب اتفاقًا سياسيًّا أو صفقة بين جميع الأطراف لن تتم سوى باستبدال رجل آخر بهادي، أو بالأحرى واجهة أخرى تتوافق عليها قوى الأمر الواقع، ويرتضيها الكفلاء الإقليميون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد