الرشوة هي من المفاسد التي أصيبت بها المجتمعات، فهي جريمة قديمة عرفتها البشرية، ووضعت لها عقوبات مشددة في التشريعات، وقد كانت عقوبة جريمة الرشوة في جمهورية أفلاطون، وفي العصر اليوناني الإعدام، وكان القانون الروماني يعاقب القضاة المرتشين بالإعدام نظرًا لخطورة هذه الجريمة على الجماعة، ومنعًا للضرر الذي يمكن أن يصيب المجتمع، وتحقيقًا لمصلحة الناس.

وتعد الرشوة من أخطر أمراض العصر التي تهدد سلطات الدولة ونظامها، وتكمن خطورتها فيما تخلفه من آثار مشينة ضارة في المجتمع تتمثل في أنها سلوك يتنافى مع الثقة التي أولتها الدولة للموظف العام، وما يجب أن يتصف به من الأمانة والنزاهة والأخلاق، وهي سلوك ينطوي على المساس بهيبة الدولة، وكرامة الوظيفة العامة، وتؤدي إلى فقدان الثقة في الموظف العام، وفي الجهة التي يمثلها.

وأصل الرشوة في اللغة معنى يدور حول طلب التوصل إلى الشيء بواسطة شيء آخر، قال أبو العباس: الرشوة مأخوذة من رشا الفرخ إذا مد رأسه إلى أمه لتزقه، وقال سيبويه: رشاه رشوة، وارتشى منه: إذ أخذها، وراشاه حاباه، وترشاه: لاينه، وراشاه: إذ ظاهره، وقال أبو عبيد: الرشا من أولاد الظباء الذي قد تحرك وتمشى، والرشاع: رسن الدلو، والرائش الذي يسدي بين الراشي والمرتشي.

ومما لا شك فيه أن للرشوة أثرًا بالغًا على كفاية الجهاز الحكومي والعاملين في هذا الجهاز، فعملية التنمية تضع على عاتق الحكومة مسئوليات كبيرة سواء كان ذلك على شكل توفير الخدمات الأساسية للمجتمع وللعملية التنموية كذلك، لكن عملية التنمية هذه لا يمكن لها أن تتحق في وجود جهاز إداري ضعيف، ليس لديه الكفاءة لتحمل عبء مسئولية العملية التنموية وتبعاتها.

فما هو إذن التعريف القانوني لجريمة الرشوة؟ وما هي أركانها؟ وكيف استطاع المشرع المغربي محاربتها؟ وكيف السبيل للحد منها؟

لا شك وأن المغرب يعاني وبشكل كبير من ظاهرة تنخر جهازه الإداري، وتجعله أمام عقبة كبيرة في وجه تشييد الصرح التنموي المطلوب، هذه الظاهرة هي الرشوة، التي تعد من أبرز الصعويات التي يواجهها صناع القرار بالبلاد، نظرًا لتشعب الظاهرة، وارتفاع مستوياتها، وكثرة مستخدميها كوسيلة لتكديس الأموال والغنى الفاحش.

فالمشرع المغربي لم يعرف جريمة الرشوة، وإنما اكتفى بالتنصيص عليها ضمن المواد 248 إلى 256 من القانون الجنائي، وإذا كان من عادة المشرعين أنهم لا يهتمون بالتعريفات، فإن الفقهاء والقانونين وكذا القضاء ينصرفون إلى تعريف الجرائم، وهكذا فإن الفقه عرف جريمة الرشوة بأنها هي عرض من جانب وقبول من جانب آخر لأي فائدة، أو منفعة كانت مقابل القيام أو الامتناع عن العمل من أعمال وظيفته. وجريمة الرشوة بهذا التعريف تقتضي وجود طرفين هما: موظف يطلب أو يقبل أو يتسلم رشوة مقابل قيامه أو امتناعه عن عمل من أعمال وظيفته، أو الإخلال بواجباتها، وصاحب مصلحة يقدم أو يعرض رشوة، أو يعد بها موظفًا. ويمكن تعريفها بأنها اتجار الموظف العمومي بإعمال وظيفته أو استغلالها على نحو معين لفائدته الخاصة، بمعنى أن الموظف يتخذ من القيام بأعمال وظيفته أو الامتناع عن أدائها سببًا للحصول على فائدة من أي نوع كانت. في حين عرفها آخرون بأنها فعل يرتكبه موظف عام، أو شخص ذو صفة عامة يتجر أو بالأحرى يستغل السلطات المخولة له بمقتضى هذه الوظيفة، وذلك حين يطلب لنفسه أو لغيره، أو يقبل، أو يأخذ وعدًا، أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه من أعمال وظيفته، أو للامتناع عن ذلك العمل، أو للإخلال بواجبات الوظيفة.

ويرى فريق آخر بأن جريمة الرشوة تقوم على اتفاق أو تفاهم بين الموظف وصاحب الحاجة، يعرض فيها هذا الأخير على الموظف عطية أو فائدة؛ فيقبلها لأداء عمل أو امتناع عن عمل يدخل في نطاق وظيفته، أو فيما يتصل بها من سلطة أو بعبارة أخرى هي في الأصل تتكون من العرض من جانب القبول من الجانب الآخر لأية فائدة.

وأركان الرشوة ثلاثة حسب مدلول القانون الجنائي المغربي، وهي :

1) أن يكون الجاني متصفًا بصفة موظف عمومي بمفهوم المادة 224 من القانون الجنائي، ومختصًا بالعمل أو الامتناع المطلوب منه أداؤه.

2) ركن مادي قوامه فعل الطلب أو القبول أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى مقابل العمل أو الامتناع.

3) ركن معنوي يتخذ دائمًا صورة القصد الجنائي، لذلك يتطلب أن يكون الراشي والمرتشي عالمين بأن الفعل الذي يقدمان عليه يشكل جريمة ويعاقب عليه القانون الجنائي، والعلم هنا مفترض لأنه لا يعذر أحد بجهله للقانون، وتذهب إرادتهما إلى تحقيق الفعل المادي، وتحقيق النتيجة المتوخاة عن هذا الفعل، ولو لم تتحقق بالفعل، بانتفاء أحد هذين العنصرين تنتفي معه الجريمة.

وطبعًا عقوبة جريمة الرشوة واضحة في القانون الجنائي المغربي، فهي حسب منطوق المادة 248 تتراوح بين الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة من 5000 إلى 100.000 درهم، وذلك بحسب الحالات الواردة في الفصل المذكور؛ ثم جاء الفصل 249 وجعل العقوبة هي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة من 5000 الى 100.000 درهم حسب الحالات التي أوردها الفصل المذكور، وكذلك في فقرته الأخيرة أكد أنه إذا كانت قيمة الرشوة تفوق مائة ألف درهم تكون عقوبة السجن من خمس سنوات، إلى عشر سنوات، والغرامة من 100.000 إلى 1.000.000؛ ثم زاد الفصل 250 في فقرته الأخيرة أنه إذا كان الجاني قاضيًا أو موظفًا عامًا أو متوليًا مركزًا نيابيًّا، فإن العقوبة ترفع إلى الضعف. أما إذا كانت رشوة أحد رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين أو قضاة المحكمة قد أدت إلى صدور حكم بعقوبة جناية ضد متهم فإن هذه العقوبة تطبق على مرتكب جريمة الرشوة.

وإذا كانت رشوة أحد رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين أو قضاة المحكمة قد أدت إلى صدور حكم بعقوبة جناية ضد متهم، فإن هذه العقوبة تطبق على مرتكب جريمة الرشوة حسب منطوق الفصل 254 من القانون الجنائي، وكل قاضٍ أو حاكم إداري تحيز لصالح أحد الأطراف ممالأة له، أو تحيز ضده عداوة له، يعاقب من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من 5000 إلى 50.000 درهم حسب منطوق الفصل 254 من القانون الجنائي. ولا يجوز مطلقًا أن ترد إلى الراشي الأشياء التي قدمها ولا قيمتها، بل يجب أن يحكم بمصادرتها وتمليكها لخزينة الدولة.

من جهة أخرى، فقد أصدرت منظمة ترانسبرانسي الدولية بتاريخ 3 دجنبر/ ديسمبر 2014 مؤشر إدراك الرشوة برسم سنة 2014. وقد حصل المغرب على نقطة 39 على 100، واحتل المرتبة 80 على 175 دولة، وقد تم تقييمه من طرف ست وكالات. وكان المغرب قد احتل سنة 2013 المرتبة 91 من ضمن 177 دولة بتنقيط 37 على 100. ويتقدم المغرب في هذا الترتيب 13 دولة أفريقية، و8 دول من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويلتقي هذا الترتيب المتدني للمغرب مع المؤشرات الأخرى المتعلقة بالحكامة، ومناخ الأعمال، والتنمية البشرية. وفي هذا الصدد قال وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، إن بلاده سجلت ارتفاعًا في عدد قضايا الرشوة المرفوعة أمام القضاء لتصل إلى حوالي 8597 قضية في عام 2013.

من خلال هذه المعطيات يتبين لنا أن المغرب يعاني بشكل كبير من ظاهرة الرشوة، التي تتسبب في تراجع المملكة في مختلف التقارير الدولية، وهو الشيء الذي يضر لا محالة بصورة البلاد على المستوى العالمي، مما يؤدي إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي، ويترك أثرًا معتبرًا على الفقر، حيث لا يكون للفقراء أي إمكانية للوصول غير المكلف للخدمات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم.

فظاهرة الرشوة تؤدي إلى انتشار عادات معينة بين العاملين تتنافى مع الأمانة والصدق، كعادة الإهمال واللامبالاة أثناء العمل، أو توظيف الأقارب على حساب الكفاءة، أو اللجوء إلى أية طريقة من الطرق التي قد تعود على الموظف العام بالنفع الذاتي دون إعطاء أي اعتبار للمصلحة العامة. لذلك وجب العمل على وضع حدٍّ لمثل هذه السلوكات التي تعد منافيةً تمامًا لجل المبادئ والحقوق التي كرسها دستور المملكة المغربية لسنة 2011، والذي كرس من خلاله ثقافة إحقاق الحقوق، وثقافة تخليق المرفق العام من أي سلوكيات قد تؤدي إلى زعزعته. لكن هذا لا يكفي، بل يجب أن تطبق هذه المبادئ الكبرى والمؤسسات الجديدة على أرض الواقع، وذلك بالتعجيل بالتفعيل الحقيقي للقانون رقم 113.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، الذي حدد اختصاص هذه الهيئة في تلقي التبليغات والشكايات والمعلومات المتعلقة بحالات الفساد ودراستها، والتأكد من حقيقة الأفعال والوقائع التي تتضمنها وفق المسطرة المنصوص عليها في الباب الرابع من هذا القانون، وإحالتها عند الاقتضاء، إلى الجهات المختصة؛ والقيام بعمليات البحث والتحري عن حالات الفساد التي تصل إلى علم الهيئة، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون، شريطة مراعاة الاختصاصات الموكلة بمقتضى النصوص التشريعية الجاري بها العمل إلى السلطات وهيئات أخرى؛ كما تختص أيضًا في إعداد برامج للوقاية من جرائم الفساد، والإسهام في تخليق الحياة العامة، والسهر على تنفيذها بتنسيق مع جميع السلطات والهيئات المعنية؛ ووضع برامج للتواصل والتوعية والتحسيس، ونشر قيم النزاهة والسهر على تنفيذها؛ وكذا إنجاز دراسات وتقارير موضوعاتية حول مظاهر الفساد وسبل الوقاية منه ومكافحته ونشرها؛ وإعداد تقرير سنوي حول حصيلة أنشطة الهيئة يقدم إلى البرلمان للمناقشة، طبقا لأحكام الفصل 160 من الدستور.

وعلى المستوى القانوني كذلك، نجد بأن النص القانوني في المغرب لا يحمي الأشخاص الذين يُبلغون عن الرشوة، بل يضع الراشي والمرتشي في كفة واحدة، أي في الوضعية ذاتها، علاوة على صعوبة الإتيان بالبراهين والحجج القاطعة في إثبات الرشوة، لهذا يجب العمل على حماية الأشخاص المبلغين عن جريمة الرشوة حتى نرقى بالمواطن المغربي كشريك في عملية محاربة هذه الظاهرة. كما يجب العمل على خلق ثقافة المساءلة على جميع مستويات المسؤولية، وتحسين الشفافية داخل الجهاز الإداري، وتحسين أداء الإدارة المغربية، وتعزيز مشاركة المواطنين والمجتمع المدني في عملية الحد من ظاهرة الرشوة، وتفعيل الأدوات الرقابية المختلفة انطلاقًا من الرقابة الذاتية إلى رقابة مختلف الأجهزة المنتخبة، ولا بد من الاهتمام بتطبيق مبادئ الحكامة الجيدة باعتبارها جزءًا مهمًّا في محاصرة ظاهرة الرشوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

-الدستور المغربي لسنة 2011.
- القانون الجنائي المغربي.
- التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لسنة 2014 حول مؤشر إدراك الرشوة العالمي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد