محمد مأمون
محمد مأمون

منذ أن بدأت بالبحث والقراءة عن الحسد، تلك الظاهرة، وجدت أول تعريفاتها أنها «شعور» بتمني زوال نعمة أنعم الله بها على عبدٍ من عباده وحرم منها آخر ولو بشكل مؤقت، ذلك الآخر رُبما لا يقصد ما يرتكبه من خطيئةٍ كبرى لكنه يسمح بتغلغل ذلك الشعور فيه، ويتفاعل معه داخليًّا بنسبٍ متفاوتة.

وعلى مدار أربعة أعوامٍ ونصف العام، ومنذ أن بدأ مسلسل الاضطهاد لأفراد وأعضاء ما يمكن أن أسميه التيار الإسلامي أو تيار الإسلام السياسي في مصر منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي، بدأت تنمو معه عدة ظواهر في حقل الاضطهاد الخصب الذي نعيش فيه، من أبرزها ظاهرة الحسد، وهو ما لاح جليًا، وطغى رغم كل ما مر به هذا المجتمع الذي يمكن أن أطلق عليه «مجتمع الأزمة» نظرًا لمعايشتها له ومسها بشكلٍ مباشر.

شخصيًّا لم أُعايش بشكلٍ مباشر ظاهرة كهذه، ولم أدرِ عنها سوى ما تطل به علينا مسلسلات الدراما والأفلام السينمائية في طورٍ مبالغٍ فيه، حتى شهِدتُ بضع حالاتٍ عن قرب خلال تلك الأزمة التي ذكرت –مندهشًا–، لا أملك من الرصيد الكافي والخبرة ما يُمكنُني من تحليل أسبابها وما أدى إليها، سوى ازدياد الدهشة والتساؤل «كيف وصلنا إلى ذلك الحال؟!».

الحالة الأولى، شابٌ ذو علم، حافظٌ لكتاب الله ودارسٌ له، اعتقلته قوات الأمن قبيل حفل عُرسه على خطيبته بأسبوعٍ واحد، ولُفق له ثلاث قضايا، ما أوحى بعدم خروجه إلا مع انتهاءٍ شامل للأزمة، وبعد أن قضى قرابة ثلاث سنوات داخل سجنه انتهت خلالها قضاياه بإجراءات متباينة خرج لخطيبته التي انتظرته سبعة أعوام نصفها الأول حرًّا، والثاني سجينًا، ليبدأ رحلة الوصول إلى يوم زواجه الذي تأخر سنواتٍ ثلاث.

مرت ليلة «الفرح» –كما نسميه في مجتمعنا– وسط سعادة غمرت كل الحضور، وصلت إلى الدهشة حينًا من جمال الليلة وسحرها، لكن لم يدرِ أحدٌ يومها أن من بين الحضور من هو تعيس النفس لم يستطع أن يمنع شعورًا بالحقد أن يتسلل إليه بجانب فرحة ربما اصطنعها ليساير الحدث.

وما إن بدأ العروسان أيامهما التي طالما انتظراها فإذا بأعراضٍ طالت المال والبنين والبدن، لن أخوض في تفاصيلها الموجعة حفظًا لـ«أسرار البيوت»، حتى سافرا خارج البلاد لم تتركهم اللعنة في أول أسبوع لهما في مهجرهما الجديد، فإذا بحادث سيارة يودي بحياة طفلة رافقتهما –من الأقارب– وبالكاد خرج منه الشاب معافًا.

أما الحالة الثانية، فهو صديقٌ، طبيب، حافظٌ هو الآخر لكتابِ الله ودارسٌ له، اعتقلته قوات الأمن في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013 ليبدأ رحلة الحرمان من حقه في الحرية، مر خلالها بمنعطفٍ مهم، ألا وهو خطبته على إحدى الفتيات من ذوات الأخلاق والعزيمة والمثابرة ارتضت أن تواصل معه المسير حتى بعدما حكمت عليه إحدى المحاكم بالسجن سبعة أعوام ونصف العام، حتى أراد القدر فجأة أن يُقبَل تظلم الشاب الطبيب على حكمه ويخرج إلى رفيقته بعد ثلاثة أعوام ونصف من سجنٍ ظالم.

وكما البديهي، شرع الشاب في «التجهيز» ليوم جمعِه بخطيبته إلى أن قررا عقد قرانهما في يومٍ لم تغِب فيه شمس البهجة حتى صباح تاليه. المشهد ذاته، حضورٌ مصطفون، ضحكات وتصفيق وفرحة كما الموج تغمر السابحين فيها، المنتظرين بشغفٍ يوم أن يطل ذاك الشاب في بذلته وتلك الفتاة في فستانها غير آبهين هما الآخرينِ أن مرضًا غير ظاهرٍ أصاب النفوس.

انقضت الليلة وسرعان ما أصيبت الفتاة بوعكة صحية شديدة وقضت أيامًا بين الأطباء، إلى أن حلت فاجعة كبرى، وبعد 40 يومًا بالتمام على عقد القران، وفي صباح يومٍ قاتم ألقت قوات الأمن القبض على الفتاة من منزلها دون سببٍ واضحٍ وأخفتها حتى اليوم؛ ليبدأ رفيقُها رحلة البحث عنها بين مراكز الاحتجاز والسجون والجهات المختصة بالدولة.

ما دفعني إلى الحديث عن تلك الظاهرة أن البعض يعتقد عدم وجودها أو خياليتها، رغم ذكر الحسد لفظًا ومعنى في القرآن الكريم في أربعة مواضع، إضافة إلى عشرات الأحاديث النبوية، وأن ما نعيشه من أحداثٍ وآلامٍ –كمجتمع أزمة– تسبب في إضعاف مناعة البعض للتصدي إلى بعض الأمراض الحياتية ظهر منها ما ظهر، وخفي منها ما كان أعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك