من خلال معايشتي للحَرَكات الإِسلامية المعاصرة، ومقارنتها بمبادئ مؤسسيها الأوائل أمثال الشيخ المودودي في الهند، والسنوسي في ليبيا، والبنا في مصر وغيرهم.. يبدو لي أنَّ الحركة الإسلامية تعرضت لمسخٍ في أصالة الهوية إن لم أقل أن تركيبتها الدعوية تعرضت لخلل، فصارت بعض الحركات عبارة عن حركة سياسية عوض أنها حركة دعوية، وهذا ما أقصده في هذا المقال بالتضخم السياسي، وانقلب ما هو وسيلة إلى غاية، وما هو غاية إلى وسيلة!

في الحقيقة، لقد نسيت بعض الحركات الإسلامية أن مهمتها هي الدعوة إلى الله وإلى توحيد الربوبية والألوهية وتعريف الناس بالخالق. واتجهت لترمي بكل ثقلها في المجال السياسي، حيث جعلت منه أصلا من أصول الدين عوض أن يكون فرعا من فروعه.

فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قائمة على تبليغ القرآن، فالدعوة كما يقول الشيخ فريد الأنصاري: هي تعريف بالمضامين الكبرى للرسالة: القرآن العظيم، تجديد القراءة له تدبرا وتفكرا، وإيمانا وعملا.

والملاحظ للحركة الإسلامية يجد أنها قد فترت على المستوى الدعوي العام. فقد استهلكتها الممارسات السياسية والإدارية. إننا في حاجة ملحّة إلى إعادة طرح السؤال: ما هي الدعوة؟ وما هي وظيفة الداعية؟ فالمجتمع الإسلامي اليوم مهدد في عقيدته وثوابته. ويحتاج إلى بعث شعور ديني وروحي وتعريف شامل لمعنى التدين الصحيح بلا إفراط ولا تفريط، في ظل انتشار موجات التغريب والإلحاد.

فالنشاط السياسي للأحزاب الإسلامية أكثر ما يكون اليوم عبارة عن استعراض عضلات، بعيدا عن الإعداد الحقيقي للأجيال القادمة، وعلى الحركات الإسلامية الاتعاظ من أخطاء التجارب الإسلامية في البلاد الأخرى وخاصة مصر، واليمن وليبيا.

الدعوة السياسية أم الدعوة الإسلامية

أصبحت دعوة الحركات الإسلامية سياسية، وأصبحت تعرض على الناس على أنها جماعة كذا أو كذا، وهذا ما يجعل المنخرطين لا يفهمون المقصد الحقيقي للدعوة فتنحرف تصوراتهم على أنهم يخدمون أهدافا سياسية بحتة، عوض تصور أنهم يخدمون الدين ويحافظون على الهوية الدينية للمجتمع. فلربما سألت بعض المنخرطين والملتزمين بالأنشطة، فتجدهم بعيدين تمامًا عن فهم أهداف الحركات الإسلامية.

أصبحنا اليوم فعلا بحاجةٍ إلى من يجدّد لهذه الأمة دينها.

إن إحساس الناس اليوم بعبوديتهم ضعيف جدا، وهذا هو أساس الدعوة إلى الله، ودعوة الناس إلى الله هي دعوة لهم ليعودوا إلى سرب العابدين. فكانت الدعوة هي الدعوة إلى سلوك الطريق المستقيم، والذي أساسه القرآن، ولا شيء آخر.

وللأسف فإن العديد من الدعاة جعلوا من التنظيم والحركة الإسلامية غاية لا وسيلة إلى معرفة الله، وبهذا ساد الانقسام بين الحركات والتنافس بينها، حتى صار البعض يظن أن حركته هي الحق المبين، وما غير ذلك فهو هراء! وهذا من تلبيس إبليس.

وانحرف الولاء والبراء لله، وصار مبنيا على مقياس الانتماء، لا على مقياس الحق. (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)، ومن خلال الآية فإن الدعوة هي التجرد من تقديس المشايخ والألقاب والشعارات.

قال الأستاذ بديع الزمان النورسي: «التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود، وأساس الإسلام هو التوحيد الخالص». فالدعوة إلى الله في جوهرها هي دعوة إلى التوحيد الحق، اعتقادا وعبادة. ومن هنا تلوثت بعض الحركات الإسلامية بالدعوة السياسية، والغلو في تصنيف الآخرين حسب الانتماء. فما أهلك الحركات الإسلامية في كثير من الأحيان إلا التنابز بالألقاب والانتصار للأشخاص والشعارات. ومثلما انحرفت الوهابية وأخذت مكانها المدخلية في الغلو والتطرف وتكفير المخالفين والتطبيع للأنظمة المستبدة العميلة، وتكفير الحركات الإسلامية، إلا أن الحركات الإسلامية تم توجيهها بعيدا عن المقصد والهدف الأساسي وهو التعريف والدعوة إلا الله قبل كل شيء. بمعنى أن يتم التركيز عل التربية بالقرآن والاهتمام بالثقافة الدينية والتدين أكثر من الاستقطاب السياسي.

إن الناس اليوم في أشد الحاجة إلى القرآن الكريم، يوصلهم إليه الدعاة إلى الله، الدعاة الربانيين. فأغلب الناس اليوم لا يعرفون القرآن، رغم أن المصاحف في كل مكان، إلا أن المقبلين عليه نادرين، فأما المتدبرين فأكثر ندرة. ومن هنا كان واجب الدعاة التعريف بالقرآن، فمن عرف القرآن عرف الله ووصل إلى الغاية من الخلق. (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)).

لا بد أن ينزل القرآن من جديد إلى الناس في المجتمع، يطرق أبواب البيوت، والمؤسسات، ويصل إلى الأشخاص أينما كانوا فرادى وجماعات. يجبن أن تتمركز الدعوة حول القرآن باعتباره أساس التدين وأساس التغيير.

يقول الشيخ فريد الأنصاري عن القرآن: «إن للقرآن تأثيرا خاصا، لو تنبه إليه الناس اليوم، لكفاهم مؤونة البرمجة الدعوية الثقيلة والبطيئة، ورتابة التخطيط التربوي العقيم. إن قصص إسلام الصحابة الأوائل لجديرة بالتأمل والتدبر، سواء ممن أسلم على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من أسلم على يدي سفرائه».

والحركة التي لا تتدبر وتتفقه، ولا تجعله من أولى أولوياتها في دعوة الناس، حركة بعيدة عن الصبغة القرآنية، والسنة النبوية في الدعوة إلى الله، وذلك من الأسباب الرئيسية لانحصارها في دائرة محدودة ومغلقة، فالقرآن، هو الذي يفتح القلوب (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ).

ورحم الله الشيخ محمد الغزالي حين قال: «القرآن هو القرآن، لكن إلى الآن، أين المتدبرون؟ إننا في حاجة شديدة إلى مدرسة قرآنية في فقه الدين وفقه الدعوة، تقوم على إعادة الاعتبار لكتاب الله بين المسلمين أولا، باعتباره أساس الخطاب الإلهي للإنسان، وباعتباره الوثيقة الأولى التي تتضمن هندسة العمران الإسلامي لبناء النفس والمجتمع».

ومعلوم أن كثيرا من الحركات الإسلامية قد انشغلت عن كلام الله، بكلام المشايخ والسياسيين والإداريين. وذلك أن العمل السياسي، والدستوري والقانوني، ليس أصلا من أصول العمل الدعوي وإنما هو فرع من فروعه، وليس مقدمة من مقدماته وإنما هو نتيجة من نتائجه، وليس غاية وإنما وسيلة من وسائله.

وإن شعبا لا يصبر على نقص في الأموال والأنفس والثمرات في سبيل دينه لهو شعب ما يزال في حاجة إلى تربية ودعوة، وحتى من أبناء الحركات الإسلامية ممين يتوهمون أنهم خارج هذا المجال من تقليد الطريقة الغربية الاستهلاكية.

إن الحركة الدعوية قد تخطئ سلم الأولويات فتهتم بالثقافي أو السياسي على حساب الأخلاقي، فتتقوقع داخل ذاتها وتحاصر نفسها بنفسها، لأن الطبقة المثقفة والمسيسة محدودة جدا، بينما يمتد الانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي في قلب المجتمع وينخر في مبادئه مما يسهِّل المهمة على العلمانيين، والاستئصاليين، في نشر الملذات والملهيات.

ولذلك خفتت الحركات الإسلامية في بعض البلدان العربية لدرجة الاندثار، ولم يكن السبب الحقيق هو الحصار السياسي لها، وإنما كان السبب الحقيقي أن رصيدها على مستوى التدين الشعبي صفر. ولو كانت الدعوة ذات بعد ديني، أخلاقي اجتماعي شامل، لكان لها رصيد شعبي حقيقي، لن يسلمها لأي عدو مهما كانت الظروف، حتى وإن تم القضاء على شكلها التنظيمي الإداري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد