– تذكير

رأينا في الجزء الثالث علاجين ممكنين لهذه الظاهرة، إلا أنهما مع ذلك يبدوان ساذجين في نظرتهما إلى المسألة، إذ إنهما يبتعدان كثيرًا عن الواقعية، ويتصوران الإنسان كائنًا عاقلًا يمكن أن يتغلب على نزواته بعقله فقط، وهذا ما لا يمكن، فحتى ولو عُد هذين الرأيين بمثابة النموذجين اللذين يجب أن يوضعا نقطة وصول، فإن البداية غير موجودة للانطلاق أصلًا، لهذا لا يمكننا أن نأخذ الرأيين علاجًا واقعيًّا للظاهرة، وإنما توجيه مثالي للعلاج، وهذا التوجيه لن يكفي طبعًا، وبسبب ذلك سنتحدث هنا عن علاج آخر، وهو علاج نفسي أكثر واقعية من الرأيين السابقين.

– غريزة الموت وغريزة الحياة

يرى هذا الرأي أن أي سلوك هو ناتج من حالات نفسية معينة، مبنية على غريزة اللذة والألم، أو كما يسميها سيغموند فرويد غريزة الحياة وغريزة الموت. فهاتان الغريزتان في صراع دائم حول من يحقق هدفه. فإن كانت غريزة الحياة ترتفع تكون غريزة الموت في انخفاض. وبالعكس إن كانت غريزة الحياة تنخفض تكون غريزة الموت في ارتفاع، وهذا التباين في الانخفاض والارتفاع في مستوى هاتين الغريزتين ينتج منه تأثير في سلوك الشخص.

فكما نعلم فإن الجهاز النفسي -حسب مدرسة التحليل النفسي- يتكون من ثلاثة مكونات «الهو، والأنا، والأنا الأعلى). فالأنا يُعد المستوى الواعي من هذا الجهاز، أما الأنا الأعلى فهو الضمير الأخلاقي، في حين يكون الهو هو الكيان الذي يحتوي على الغريزتين اللتين تحدثنا عنهما أعلاه، فهو يتضمن كل ما هو بدائي في الإنسان.

وترى هذه المدرسة أن الهو يتضمن الدوافع الأساسية التي تُحرك الشخص، في حين أن الأنا يعمل على ترويض هاته الدوافع، حتى لا تتقاطع مع ثقافة المجتمع وقوانينه، يعني يعمل على تحقيق توازن بين الهو والعالم الخارجي «وأيضًا الأنا الأعلى»، في حين أن الأنا الأعلى يلعب دور المؤنب، حين يؤنب الشخص إذا أخطأ حسب معايير المجتمع الذي يعيش وسطه.

كما تعتقد هذه المدرسة أن أهم السلوكيات التي تجد عوائق لها داخل الواقع، والتي يقوم الأنا بكبتها، هي التي تتعلق بالجنس، لهذا يكون الجنس من أهم الأسباب المؤدية إلى الأمراض النفسية، وأيضًا من أهم الأسباب التي تقود إلى الترقي والحضارة. كيف ذلك؟

– التسامي

إن السلوكيات المرتبطة بالجنس، هي التي تكبت بشكل كبير -كما شرحنا سابقًا- سواء خلال مرحلة الطفولة «المرحلة الفمية، والشرجية، والمرحلة القضيبية» أو خلال مرحلة البلوغ «المرحلة الجنسية». ويُعد الكبت الذي يحدث في مرحلة الطفولة، كبتًا مرضيًّا يُؤدي غالبًا إلى أمراض نفسية في البلوغ. في حين أن الكبت الذي يحدث خلال البلوغ يُؤدي إلى الترقي بالإنسان ودخوله إلى الحضارة. إذ يقود هذا الكبت إلى ظهور الفن والفلسفة والإبداع.

لفهم هذه الفكرة، سنعود إلى فكرة الصراع الذي تحدثنا عنه قبل قليل، والذي يحدث بين غريزتي الحياة والموت، فغريزة الحياة هي التي ترتبط باللذة، والتي يكون ارتفاعها مرتبطًا بارتفاع اللذة وانخفاض الألم. فحصول الإنسان على اللذة يؤدي إلى رفع مستوى غريزة الحياة، وخفض مستوى غريزة الموت، لكن هذا لا يجعل الشخص إنسانًا، بل يبقى حيوانًا حقق رغبته، تحت جبرية الطبيعة. فمتى إذن يتحول الشخص إلى إنسان «ويُحول معه الحياة البدائية إلى حياة حضارية»؟

هنا تقول هذه المدرسة، إنه حينما يحس الشخص بالألم الناتج من عدم تحقيق الرغبة الجنسية، فإن غريزة الموت يرتفع مستواها، وينخفض مستوى غريزة الحياة. فيجد الشخص نفسه أمام اختيارين إما إشباع الرغبة الذي يؤدي إلى انخفاض الألم وحصول اللذة، وإما القيام بكبت ألمه، وتحويل بعض من طاقته (طاقة الألم) إلى الواقع، إما عن طريق التعبير وممارسة أفعال إبداعية «كممارسة الرياضة، أو القراءة، أو الرسم، أو كتابة رواية أو مسرحية…». وبهذا التحويل يتم تحويل طاقة غريزة الموت التدميرية إلى أشكال إبداعية. لهذا يرى هربرت ماركيوز، مؤلف كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» «أن الرأسمالية قضت على هاته الغريزة (غريزة الموت)، بإعطاء الحرية التامة لغريزة الحياة للتعبير عن نفسها بطريقة بدائية، وهذا ما جعل الإنسان داخل الدول الليبرالية حيوانًا أكثر انبطاحا للاستهلاك التافه والعبودية الصناعية.

تقول مدرسة التحليل النفسي، إن غريزة الموت هي الغريزة الإيجابية والإبداعية في الذات الإنسانية، في حين أن غريزة الحياة غريزة سلبية تعمل تحت جبروت الطبيعة، تجعل الإنسان مجرد حيوان، لهذا يقول فرويد إن الكبت هو الذي أدخل الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة الحضارة، فلو لم يكبت الإنسان البدائي نزواته الجنسية لاستمر كالحيوان، دون أن يقوم بأي شيء خارج ذاك النطاق -حسب رأي هذه المدرسة.

فتحويل بعض من طاقة غريزة الموت من نفسية الفرد إلى الواقع عن طريق الإبداع والتعبير، يحمي الشخص من اضطرابات سلوكية غير سوية، ويُسمى هذا التحويل بـ«التسامي» «مشتق من كلمة السمو» أي الترقي بشيء من مستوى دان إلى مستوى راق.

– التحرش الجنسي وخلل التحويل

من خلال هذا التفسير الذي تقدمه مدرسة التحليل النفسي، فإن التحرش الجنسي هو اضطراب سلوكي غير سوي ناتج من خلل في تحويل طاقة غريزة الموت، وعدم إيجاد الوسيلة المناسبة التي سيقوم بها الشخص بـالتسامي عن حالة النكوص الجنسي.

فحسب هذه المدرسة، فإن التحرش الجنسي هو تفريغ طاقة الموت التدميرية، بطريقة ساذجة وبدائية، وعدم تحويلها إلى طاقة إبداعية، ترقى لمستوى الحضارة. لهذا يكون سبب التحرش نابع من إشكال في التحويل وليس من نفسية المتحرش ذاته. يعني أن التحويل اللازم لتفريغ الطاقة التدميرية النابعة من غريزة الموت الناتجة من الكبت وعدم إشباع غريزة الحياة، يعاني (هذا التحويل) من مشكل حسن الاختيار، وعدم الحصول على الوسائل اللازمة لتجاوز هذه الحالة البدائية في التعبير، إلى حالة أسمى ترقى لمستوى الحضارة.

لهذا فإن علاج هذه الظاهرة هو تبديل وسيلة التحرش الجنسي بوسيلة أخرى أكثر رُقيًّا لتفريغ الطاقة التدميرية، وإلا فإن الأمر سيستمر كما هو أو سيتأزم. فمدرسة التحليل النفسي تعتقد أن حرمان الممارس للتحرش الجنسي من هذه الوسيلة التعبيرية البدائية دون تعويضها بوسيلة أخرى أكثر رُقيًّا سيؤدي إلى تأزيم الوضع وليس علاجه، إذ قد يتحول الأمر من التحرش الجنسي إلى ما هو أفدح بكثير. لذلك، فعلاج الظاهرة لا يجب أن يكون بمحاربة المتحرشين، ومنعهم من التحرش، وإنما يجب توجيههم نحو وسائل تعبيرية أخرى إبداعية، حتى يجدوا متنفسًا لطاقتهم التدميرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد