إن تعريف النخبة المثقفة ليس بالإجراء النظري السهل؛ وذلك نظرًا لتداخل مفهوم المثقف بالأفكار والتوجهات الأيديولوجية التأثيرية والمؤثرة، وبالتالي تأخذ أبعادًا وزوايا وتشعبات على عدة مستويات.

والمثقف إنسان امتاز عن بقية أبناء مجتمعه، بقابلية على التفكير والنقد ذات نزوع فلسفي، وإدراك التحديات التي تواجه محيطه الاجتماعي وبخزان فكري ومعرفي أيضًا، واتخاذ المثقف مواقف في قضايا مصيرية حساسة، وبالتالي فإن النخبة هي التي تلتصق بهموم أوطانها وبهموم الطبقات المقهورة (محمد عابد الجابري).

لكن ماهية المثقف هي مسالة خلافية ونادرًا ما نجد المفكرين يتفقون على معنى واحد لمصطلح ما.

وظاهرة الارتباط العضوي بين المثقف والأنظمة السياسية بالعالم العربي، هي متأصلة في الفكر السياسي العربي الإسلامي، وهي علاقة تجاذب واستتباع، أي أنه كلما بحثت الأنظمة عن حل لأزمتها مع الخارج أو الداخل، سارت في طريق التسوية والتنازلات والارتهانات والتسويفات، لكن قبل الحديث عن محنة المثقف في التاريخ العربي الإسلامي وعلاقته بالسلطة، لابد لنا من الإشارة إلى أن ظهور مصطلح المثقف العضوي كان على يد الفيلسوف الإيطالي الشهير أنطونيو غراميشي، والذي اشتهر بفلسفته العميقة عن المثقف العضوي ودوره بالمجتمع، وغراميشي لا يختزل فهمًا وتعريفًا ذلك المثقف المرتبط بالجماهير فحسب, بل هو صاحب مشروع ثقافي يتمثل في الإصلاح الثقافي الشامل؛ مما أدى إلى استعمال غراميشي لمفهوم الهيمنة، بالمفهوم القيادي.

ولعل الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري كان سباقًا إلى تبني مفهوم المثقف العضوي فهمًا وممارسة وتنظيرًا, والذي سعى إلى إحداث تغيير في محيطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خاصة وأنه كان في عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، والذي شهدت فترة ولايته وحكمه عدة تغيرات جذرية على عدة مستويات، فكانت النتيجة نفي أبي ذر الغفاري إلى الربذة.

فمات فقيرًا منفيًا منبوذًا وحيدًا منسيًا بعيدًا عن الناس من جراء مواقفه الثائرة ذات النزعة الاشتراكية في مواجهة السلطة السياسية.

ولعل كتاب محنة المثقف في الحضارة العربية الإسلامية للفيلسوف والمفكر الراحل المغربي محمد عابد الجابري، والذي يرصد في كتابه المحن والمآسي التي نزلت بالمثقف العربي في التاريخ، يعتبر بحق من أهم الكتب والمراجع التي يمكن الاعتماد عليها لدراسة ظاهرة محنة المثقفين، إحداهما كانت محنة الإمام ابن حنبل، والأخرى للقاضي والفيلسوف الأندلسي ابن رشد.

فالأولى كانت ضد تيار أهل الحديث والسنة، والأخرى ضد تيار العقل والفلسفة، الفاعل في كلتيهما واحد وهو (السلطة السياسية)، فالظاهر هو حماية العقيدة والدين، والواقع كما يراه الجابري هو الكرسي، فقد يقبل السلطان الشرك بالله، لكنه لا يقبل الشرك به.

ومن الأمثلة العديدة أيضًا التي كان يمر بها المثقف محنة الحلاج المصلوب ثلاثة أيام، والذي دافع عنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وقال: إن شطحه كان لعجز في لغته عن التعبير؛ لما يجول في نفسه المعذبة من الحب، ونشدان الوصل بالذات الإلهية (فلسفة العشق الإلهي).

بالرغم من أن الحلاج لم يعد نفسه من الشعراء، إلا أن ديوانه من أبدع دواوين الشعر العربي، والذي حكم بقتل الحلاج هو القاضي أبو عمر المالكي، والذي يمثل نخبة المثقف المرتبط بالبلاط السلطاني بعد أن كفره فكانت نهاية الحلاج، كل هذا من أجل التعصب الفكري الذي كان موافقًا لأهواء السلطة السياسية، مدعمة من أهل الفقه الواقفين بعلمهم على أبواب القصور, يقتاتون بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ليخدعوا العامة وليجعلوا رقاب العباد أشد إذعانًا للمتجبرين من أهل الغلبة والسيف وآكلي أموال الرعية بالباطل.

ولا ننسى أيضًا محنة الإمام السهروردي قتيل الإشراق, صاحب فلسفة الإشراق الإلهي, المقتول غدرًا وتنكيلًا, كان يفكر بصوت الحق الذي بداخله فقد قتله الفقهاء المتزمتون غيظًا وحسدًا من علمه والذي انتشر بين الناس كالنار في الهشيم, فدبروا له مكيدة أمام السلطان الظاهر الأيوبي في نقاش حضره عدد من أهل الفقه التقليدي الذين ينضوون تحت مفهوم مأسسة السلطة الدينية لتكون موافقة للسلطة السياسية، فطرحوا سؤالًا فلسفيًا يحمل في ثناياه كفنه الذي سيكفن به، فقالوا له «هل الله قادر على خلق نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟». فقال شيخ الإشراق: «إن الله قادر على أن يخلق نبيًا لأنه لا حد لقدرته».

فكان جوابه حسب هؤلاء الفقهاء قولًا صريحًا وبواحًا للكفر لأنه يفضي إلى نهاية نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا محنة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية الذي بالرغم من اختلاف العلماء معه في مسائل جوهرية عدة، إلا أنه يعتبر من الشخصيات والأعلام التي لها دور وتأثير بارز في الفكر الإسلامي، ولعل المفكر والفيلسوف التونسي أبا يعرب المرزوقي هو أحد المفكرين القلائل الذين سلطوا الضوء على شخصية ابن تيمية الجدلية من زاوية فلسفية في كتابه الماتع والممتع «واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون».

والذي دافع عن ابن تيمية بطريقة منهجية أكاديمية رصينة وأفضى إلى أن ابن تيمية أيضًا يعتبر من أبرز الفلاسفة الذين تميزوا بمنهج خاص في تفسير الأمور وهو من أهل الحديث، خاصة وأن ابن تيمية كان في ظرفية تاريخية جد صعبة مر بها، فأثر ذلك على طريقة تفكيره وبالتالي دخوله في صدام مع السلطة السياسية آنذاك في بلاد الشام.

هذه فقط نظرة سريعة عن بعض المحن التي مر بها المثقف من خلال تاريخنا السياسي الذي ما زال متمثلًا بقوة في حاضرنا.

فمحنة المثقف كانت دائمًا علاقة جدلية بينه وبين السلطة السياسية وفي المقابل هناك نخبة من المثقفين وهو السائد حاليًا، وصل بهم الأمر إلى مستوى من التطبيع والتطويع بينهم وبين الأنظمة السياسية، ويتجلى هذا التطبيع بمختلف أشكاله بين فئات عريضة من المثقفين والسياسيين المفروض أنهم يمثلون ضمير الأمة الحي، ويرفضون كل مساومة أو تهديد بهدف تشويه الواقع البئيس والسكوت عن القضايا الكبرى التي تهم الأمة.

لذلك تجد كثيرًا من نخبنا المسعورة تبحث بدورها عن موضع قدم لها وحل لأزمتها مع أنظمتها السياسية عبر مهادنات وتنازلات على حساب رأي الجماهير الذين يمثلون ضمير هذه النخبة، ولا تستفيد منها إلا تلك الأنظمة عبر سلسلة من التنازلات السياسية والنقابية والثقافية والقفز على القضايا المصيرية التي تهم الشعوب، وتمويه وتأجيل وإلغاء الملفات الأساسية التي تطرحها هذه الشعوب وإدخالها في نفق ضيق ومتاهات تؤدي إلى إضعافها وتقسيم آرائها، وبالتالي تشتيت قوة الرأي العام وقولبتها بقالب حزبي براغماتي انتهازي بمنظور أنبوبي ضيق، تحت شعارات العقلانية والواقعية السياسية ومصالح الأمة العليا.

إن ظاهرة الارتباط العضوي بين المثقف والأنظمة السياسية ارتقت إلى مرحلة الناكح والمنكوح، وهي ظاهرة تسترعي الانتباه والدراسة وإعمال المقاربات التاريخية لكشف الأسباب والعوامل التي أدت إلى أن يرتمي المثقف في أحضان السلطة وتحوله إلى بوق وأداة لضرب العمق الوجداني للأمة.

لقد أصبحت هذه العلاقة علاقة باثولوجية وطاعونًا وبائيًا انتشر بسرعة وأضحى يهدد فئة النخبة المثقفة نحو الانقراض وتحويلهم إلى كائنات أثرية وتماثيل متحفية.

لقد وصل التطبيع بين نخبنا الثقافية والسياسية مع الأنظمة حدًّا أصبح معه الحديث عن الصراع السياسي والاجتماعي مسألة غير واردة في ذهن المثقف، وهو بمثابة صك إعلان إفلاسهم وألقى ما تبقى من ماء وجهه وهرول نحو كعبة السلطة طمعًا في فتاتها وجاهها الزائف.

وبالرغم من التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم العربي ودخولنا عصر السماوات المفتوحة، فإن الأنظمة تعرف تمام اليقين أن القضاء على المعارضة على طريقة بني أمية بمختلف أشكالها وتلاوينها لا يتم إلا بإفراغها من محتواها وكينونتها الحقيقية في إطار إستراتيجية ميكيافلية كنسية تحتوي السياسي والثقافي.

لأن احتواء السياسي لا يتم إلا باحتواء الثقافي، فالمثقف هو الضمير الحي للشعوب وهذه الأخيرة لا يمكن ترويضها ولا تدجينها، إلا بتدجين مثقفيها عن طريق الترهيب والقمع والترغيب بشراء الضمائر والذمم، والتلويح بالمكاسب التي يمكن الحصول عليها في حالة ارتماء المثقف إلى الحضن والصدر الدافئ للثقافة الرسمية، أمام الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه المثقف وتكالب تكاليف الحياة عليه، فكانت مناسبة لاحتوائه وظروف التطبيع والتطويع مواتية.

لقد تلون الواقع بلون أسود أشد قتامة من السواد، إنه لون اليأس والبؤس والهزيمة على الشباب خاصة بعد إجهاض حلمها في الربيع العربي الذي تحول إلى صيف قائظ، وبهت لون الثقافة الجادة وفتحت بذلك الطرق لعودة الثقافة الرسمية البلاطية والثقافة الدينية المنغلقة التي انكففت على هوامش وجزئيات مظلمة من الماضي، وهما ثقافتان لا يرسخان إلا الخضوع نحو منحنى تطويع الفكر والنقاش داخل صندوق ضيق تأسيسًا لقاعدة «أطفئ مصباح عقلك واتبعني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, اراء, ثقافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد