آلافًا من السنين عاشتها البشرية من الحروب  لأسبابها المتعددة التي لسنا بصددها، لا تقتصر آثار الحرب على القتل والجرح والأسر وشتى أصناف الدمار، إن أبرز ما تمخضت وما زالت تتمخض عنه الحروب هو اللجوء بالمعنى السياسي والقانوني والواقعي للكلمة، تخبرنا قصص الأنبياء أيضًا الذين عاشوا آلامًا عظيمة عن قصص لجوء لهم أو لأتباعهم ولمن آمنوا برسالاتهم لذلك قالوا قديمًا «لا كرامة لنبي في وطنه».

قرأنا عن يهود التاريخ والتيه الشهير في سيناء عندما خرج بنو إسرائيل مع سيدنا موسى من مصر قاصدين بلاد الشام وأرض الكنعانيين تحديدًا «فلسطين اليوم» هروبًا من بطش فرعون وجبروته وتاهوا في صحراء سيناء 40 عامًا،فيما خرج يهود فلسطين من القدس إلى بابل أسرى مسبيين فيما يعرف تاريخيًا بالسبي البابلي على يد نبوخذ نصر وكيف أقاموا هناك بحكم الأمر الواقع تجارة وحضارة حيث نافسوا سكان بابل الأصليين الذين اشتهروا بشطارتهم في التجارة لكن تفوق عليهم اللاجئون الجدد الذين هجروا قسريًا حيث يمكن اعتبار ما حدث مع يهود فلسطين آنذاك جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بكامل أركانهما حيث التهجير القسري والاعتقال الجماعي والعقوبات الجماعية والسبي أو جريمة الاسترقاق.

 قرأنا كيف التجأت السيدة مريم العذراء وخرجت من بيت المقدس إلى جبل خالٍ تحت جذع النخلة بعيدًا عن أعين الناس لما حل بها من حمل من غير زواج وكيف عاشت وطفلها الذي أصبح نبيًا يدين له ما يقرب من ملياري إنسان أو يزيد على الأعشاب وكيف قاست مرارة الاضطهاد والابتعاد، فيما خرج النبي يونس غاضبًا من قومه ليبتلعه الحوت في البحر بعد أن وقعت عليه القرعة بحسب الروايات التاريخية، فيما ذهب النبي يوسف إلى مصر بعدما ألقاه إخوته في البئر حيث ذهب لمصر عبدًا وهذا ما يسمى بالاسترقاق بالقوانين الدولية المعاصرة ليسجن هناك سبع سنوات ظلمًا لمكيدة دبرت له بليل ويخرج بعدها من سجنه وزيرًا بصلاحيات واسعة.

قرأنا كيف خرج آخر الأنبياء محمد إلى ملك الحبشة من مكة التي يفصل بينهما بحر كبير وهذا ما يسمى اليوم باللجوء السياسي في القوانين الدولية المعاصرة، قالوا له إن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد، رغم إرسال قريش موفدًا لثني النجاشي ملك الحبشة عن إعطائهم الحماية عبر دبلوماسية الهدايا والإغراءات التي تستخدمها دول اليوم، ثم قرأنا عن قصة أخرى لهذا النبي المتمرد الذي سطع نجمه في وقته وما زال، إنها ما تعرف بالهجرة بحسب التاريخ الإسلامي حيث خرج من مكة أيضًا قاصدًا مدينة أخرى كان اسمها يثرب واليوم اسمها المدينة المنورة من أجل أن يتجنب وأتباعه شتى أصناف التنكيل الواسع والممنهج الذي مارسته قريش على هذا النبي وأتباعه بسبب معتقدهم الجديد الذي اعتبر تمردًا وثورة اجتماعية وسياسية خطيرة في زمانه والذي يشكل جريمة ضد الإنسانية بالمفاهيم الحديثة.

تروي لنا القصص كيف تم استقباله بحفاوة شديدة من أهل وقبائل يثرب العربية فيما يعرفون بالأنصار لنصرتهم هذا الرجل وأتباعه، فيما أطلق على الأتباع الذين هربوا من بطش قريش بالمهاجرين أو اللاجئين الذين بنوا مع قائدهم دولة صالت وجالت في الأرض من بعد لجوء في يثرب والتي كانت المستقر لهذا النبي إلى أن مات ودفن فيها، مات ودفن في مكان لجوئه تقديرًا وعرفانًا حيث كان بمقدوره أن يذهب ليموت في مسقط رأسه مكة لكن يبدو أنه رفض منح هذا الشرف لمكان طرد منه وذاق الأمرين بالرغم مما تتمتع به مكة من قدسية لدى الدين الجديد الذي أتى به.

يحتفل المسلمون سنويًا بالهجرة وهذا ما يسمى باللجوء في القوانين الدولية المعاصرة، لكن سيعقد الرجل الصاعد محمد بعد إنشاء دولته وخوضه معركتين بارزتين ربح في الأولى وخسر في الثانية اتفاقًا سياسيًا ثنائيًا يعرف بصلح الحديبية من ضمن بنوده رد المسلمين لأي شخص من قريش مسلم ذهب لدولة النبي، ويحق لقريش المطالبة به، بينما من أراد الخروج عن دين محمد والعودة لمكة، فهو محمي ولا يحق للرسول المطالبة به.

هذا ما يسمى في المفاهيم المعاصرة سياسة الكيل بمكيالين، وهذا ما حدث فعلًا حيث جاء رجلان فاران من مكة تجاه دولة محمد بغرض إسلامهم واتباعهم دعوته لكن أعادهما وأحدهما وهو «أبو جندل بن سهيل بن عمرو» سلم باليد لوالده على الجبهة الأخرى المناوئة لدولة محمد، كان من المفترض أن يلاقي هذان الرجلان مصيرًا أسود يتمثل بالتعذيب عقب عودتهما، لم تنص الاتفاقية الثنائية التي عقدها محمد مع قريش حتى على عدم تعذيب من يردون أو يتم تسليمهم، وهذا ما يسمى اليوم بطرد اللاجئ أو تسليمه حيث يشكل خرقًا للمادتين 32 و33 من قانون اللاجئين الدولي 1951 وعدم توفير الحماية.

لكن حددت وثيقة أو دستور المدينة الذي وضعه النبي محمد في السنة الأولى للهجرة المرجعية العليا لقرار السلم والحرب والقضاء للنبي محمد وهذا ما يسمى في القوانين المعاصرة أعمال السيادة والتي ليس من الضرورة أن تخضع للرقابة القضائية والتشريعية بحسب دساتير الدول المختلفة حيث تخضع في بعض الدول لواحدة من هاتين الرقابتين أو كلتيهما، لكن في نفس الوقت أكدت هذه الوثيقة على حرية الاعتقاد للمسلمين وغير المسلمين من اليهود والوثنيين، فيما أكد بند آخر أن لا يُنصر كافر على مؤمن.

فكان قرار النبي السيادي هو رد من جاء مسلمًا من قريش تنفيذًا لبنود الاتفاقية الثنائية بينهما لكن ذلك يتعارض مع مبدأ العدالة حيث لم يعطهما مبدأ الحماية حسب القوانين الدولية المعاصرة وهذا ما يسمى التنازع بين القواعد الاتفاقية الدولية والقواعد الدستورية الداخلية، أو التعارض بين المعاهدة وقواعد القانون الداخلي، أي من يسمون القانون الداخلي أم القانون الدولي الذي يرتب على الدولة مسؤوليات بناء على ما وقعته من اتفاقية أو اتفاقيات مع الدول الأخرى، هنا تصرف النبي بناء على ما امتلكه من صلاحية تتعلق بأعمال السيادة وحيث إن الباعث سياسي وهو أحد معايير أعمال السيادة في القوانين الإدارية المعاصرة برد هؤلاء المسلمين إلى قومهم في الجبهة الأخرى أي قريش.

اللجوء بين الأمس واليوم

تتشابه قصص أصحاب الآلام العظيمة مع الشعوب في القرنين العشرين والحادي والعشرين التي مورس بحقها وما زال جرائم دولية تخالف كل مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي لحقوق الإنسان بكل بروتوكولاته وملحقاته والقانون الدولي الإنساني تحديدًا اتفاقيات جنيف الأربع وميثاق روما 1998، بدأ من التهجير المتبادل للسكان بين تركيا واليونان أوائل القرن العشرين، مرورًا بالجرائم الفرنسية في سوريا والجزائر والجرائم البريطانية في فلسطين والإيطالية في ليبيا وكل جرائم الدول الأوروبية الاستعمارية المختلفة في القارة الأفريقية وصولًا إلى نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948.

إذ تم تهجير أغلبية شعب بكامله ليصبح لاجئًا في أصقاع العالم، للشعب الفلسطيني تجربة فريدة وهي الثورة التي قادها الشيخ عز الدين القسام السوري الذي جاء إلى الأراضي الفلسطينية لاجئًا ومطرودًا ومحكومًا غيابيًا بالإعدام من سوريا إبان الاستعمار الفرنسي ليقود ثورة ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين أواسط الثلاثينيات، فيما عمل مجموع الشعب الفلسطيني اللاجئ في لبنان والأردن وسوريا ومصر على تحويل قضيتهم من قضية لجوء إنساني إلى قضية سياسية أسسوا خلالها حركات تحرر بأسماء وأفكار متعددة كان أبرزها حركة فتح منذ أواسط الخمسينيات وصنعوا ثورة حسب لها العالم حسابًا وتآمرت عليها كل قوى الأرض القريب قبل البعيد وتعرضوا لمجازر واعتقالات وتعذيب وحشي على أيدي أجهزة الدول المضيفة ومورست بحقهم شتى وسائل القهر والتمييز.

تتكرر هذه المأساة اليوم ليس على يد الاستعمار الخارجي وإن كانت أياديه ليست بيضاء أو متورطة لكن تمارس هذه الجرائم على الشعوب العربية بشكل مباشر بأيدي من يحكمونها بانقلابات عسكرية أو نتائج انتخابات مشكوك في صحتها مثل سوريا التي أصبح أكثر من نصف شعبها إما لاجئًا خارج وطنه أو نازحًا داخل اليوم يعيش الفقر والخوف والقمع كل لحظة، من يراقب حركة الباصات التي أقلت اللاجئين الفلسطينيين من مدينة طبريا عام 1948 فإنها لا تختلف عن تلك الباصات الخضراء التي خرج فيها سكان المدن والقرى السورية لاجئين خارج أوطانهم أو نازحين داخليًا، إن أخطر ما في عمليات التهجير في سوريا والتي تتم بمراقبة أو وساطة أو موافقة أممية أنها قد تفتح الباب على مصراعيه لعملية تهجير جديدة بحق الشعب الفلسطيني ترتكبها إسرائيل والتي قد تكون برعاية أممية وموافقة أطراف عربية.

لقد كسر النظام السوري الحاجز النفسي الذي بات ينظر للتهجير كخط أحمر عقب تصاعد ثقافة حقوق الإنسان أواسط الثمانينيات والتي تعتبر أهم الأدوات الدبلوماسية التي بات يستخدمها الغرب كسيف مسلط على رقبة حكومات الشرق لابتزازها، علمًا أن هذه الحكومات التي أثخنت في شعوبها قهرًا واستبدادًا كانت مدعومة من الديمقراطيات الغربية التي بنت رفاهية شعوبها على جماجم وآهات الشعوب الفقيرة عبر حكامها، وفي ذلك نماذج كثيرة من بينوشيه وسوهارتو وصولًا إلى حكام العرب، قد تكون عمليات التهجير الممنهج في سوريا ومصر التي تمارس سياسات فظيعة في سيناء وداخل مصر وصفتها المنظمات الدولية بأنه لا يمكن تصورها بادرة وإلهامًا قويًا لإسرائيل التي ترى أن المجتمع الدولي متساهل وغير آبه لتقدم على تهجير الفلسطينيين.

المعضلة في الأمر أن قلة قليلة من المثقفين والوطنيين الفلسطينيين من المؤيدين للنظام السوري وبعضهم مؤيد لنظام السيسي نكاية بالإخوان المسلمين ليسوا إلا فرحين ومؤيدين لتصرفات النظامين دون أن يدركوا العواقب الوخيمة التي تحيق لبقيتهم خصوصًا مع تنامي الحديث عن صفقة القرن بين إسرائيل والدول العربية برعاية أمريكية، يذهب بعض هذه القلة إلى الاشتراك مع موالي النظام السوري من داخل سوريا ولبنان والعراق بالهاشتاج الشهير الذي يطلقونه (على الباصات يا عرصات) بالإشارة إلى السكان الذين يتم تهجيرهم باعتبارهم حاضنة للقوى المسلحة التي تقاتل النظام السوري تحت مسمى معارضة وهي في الواقع أقرب إلى العصابات المتقاتلة التي تخدم أجندة الدول المختلفة التي تمولها فوقع الشعب السوري بين مطرقة العصابات التي تحارب مع النظام والعصابات التي تحارب ضده وتتقاتل فيما بينها أيضًا.

تكررت مأساة كل من الشعبين المصري والسوري في دارفور السودانية وجنوب السودان وليبيا التي تعيش ما يشبه أجواء الحرب الأهلية، فيما لليمن قصة أخرى ستحتاج فظاعاتها إلى صفحات وكلمات كثيرة، عاشت العراق ولبنان في السابق عمليات تهجير طائفية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد