الإنسان وهم كبير وكامل. له وعيٌ مطلق بأفعاله وقرارته، ولكن ليسَ له أي تحكم أو سلطة على تلكَ الأسباب التي تدفعه كي يقدم على فعل شيء ما أو تقريره حتى، ليسَ للإنسان يدٌ على الأسبابِ التي تحدد – إن صح التعبير – ديناميته وإرادته الحرة.

يعتبر شعور الحرية وليدَ وعيِ الإنسان وسليلَ ذاته المفلولة الألمعية تلك، هو نابع بالضرورة من كون الفرد لا يعي سوى الأسباب اللحظية/ البديهية التي تميز الأحداث الاعتيادية/ العادية.

هذه المقاربات قد تطوق ولو جانبًا ضئيلًا من حدثٍ وموضوع قد يكون الغوص فيه دون جدوى؛ لكِبر مضامينه واستنادا للفرضيات/ النظريات التي ذُكرت بنفس الصدد، كونه معقدًا ولا يسهل البحث فيه. «كل سؤالٍ بالفلسفة يقتضي جوابًا وكل جواب ما هو سوى امتداد نحو سؤالٍ أشد تعقيدًا وعمقًا من الأول» كانت هذه نظرة «سارتر» للسؤالِ الفلسفي.

كأي فيلسوفٍ أو مفكر، يناقش «سبينوزا» العديد من القضايا والمواضيع التي يصعب تناولها من قبل – إنسان عادي – بل يخوض غِمار التفلسف والتمنطق – تعاطي المنطق – إن صح القول. يحلل في الأخلاق، المعرفة، الدين والسياسة… إلخ.

ألف «سبينوزا» كتابًا يضم مئات الأفكار وعشرات النظريات لما أسماه «بالحكم الحر»، وهو كتابٌ قام بتأليفه في نهاية حياته/ مشواره الفلسفي والفكري الحافل. للمؤلف حيزٌ مهم وقيمة فكريةٌ ثقيلة في تاريخ الفكر السياسي خاصة، والفلسفي عامة.

من المهم والشيق قراءة، تحليل ومناقشة المؤلفات/ النظريات الأولى لفيلسوف/ مفكر ما، لكن قد يكونُ، بنفس القدر من الأهمية، البدء من آخر المؤلفات والأعمال، أي أحدثها في تاريخ المفكر/ الفيلسوف، حيث إن هذا يُمَكن من رؤية التطبيق الفعلي لعصارةِ حياة من التفكير والاستنباط، حياة فكرية بكلها وجزئها، بنقاط القوة والضعف معًا. يتيح هذا نطاقات وخبايا عديدة؛ مما يحفز على الرجوع نحو البدايات الملهمة للمفكر/ الفيلسوف.

يرى «سبينوزا» في «الإرادة الحرة» فكرة تحمل من البلادة الشيء الكثير لاستحالة تحققها على أرض الواقع، يعارض الفكرة بالأساس. يضيف أن الفردُ يعتقدُ ويظن الحرية لأنه لا يمتلك أدوات الوعي بالأسباب والسبل التي تحفز أفعاله.

كل الأفعال، القرارات، الأفكار والمعتقدات ناتجة بالأساس من علاقات تأثير وتأثر يعيشها الفرد ويحتكم لها في بناء وعيه المغلوط بحُرية يتيمة من صنعه الخاص الواهي.

بالنسبة له، اكتساب الحرية لا يحصل سوى من خلال المعرفة المعمقة للشخص تجاه ذاته الخاصة، والوعي الجيد للعالَم المحيط بها. وكل السالف ذكره وكبد ليس منه بد، لا يمنح سوى بالتخلي عن الأحكام المسبقة ولا يتأتى إلا بتجاهل الأفكار الجاهزة والسرديات المعروضة البديهية. العنصر الأبرز فيما ركز عليه «سبينوزا» يكمن في امتلاك ذاتٍ غير مشبعةِ الرغبة للمعرفة، فربما يومًا ما، وبناء على ذلك النوع من الذوات، قد نلمس «الحرية المطلقة».

يرشح «ديكارت» أن الفرد مستقل وواع، يعرف حق المعرفة حريته الشخصية والخاصة به دون غيره، فنحن «نعيش»، «نحس»، «نميز»، بل «نتذوق» هذا الشعور والإدراك داخليًا.

مفهوم «الإرادة الحرة» هبةٌ إلهية، يَمنح هذا لِلإنسان – ولفظه يشمل الذكر والأنثى – القدرة على الاختيار بين الحق والباطل، الخير والشر، الصالح والطالح.

يكملُ صاحب المنهج المعرفي للحقيقة، مضيفا أن الحرية تقتضي بالضرورة التفكير المُمَنطَق الخاضع لأسس وخططٍ، تليق بالذات الإنسانية وتضعها في قيمتها وإطارها المُحترم، أي تفكير غير مقيد، متحرر من كل الأعراف – ما تعارف عليه الناس واستقرت عليه معاملاتهم – أي تفكير لا يرضخ للضغوط ولا للقيم المجتمعية التي تحصر الإنسان وتقزم من كون أن هذه الذات قضية قبل كل شيء.

يفند «ديكارت» كل قول أو طرح مفاده أن الحرية لزام عليها أن ترتبط بالإرادة، ويرى في ذلك تقليلًا من شأن المفهوم والتباسًا لمضامينه وجزئياته التي تتفرع عنه ويستند إليها، الإرادة بدورها حرةٌ والفرد يعيها طبقا لشروطه الخاصة به، بل بناء على شخصيته وطباعه التي تشكل منطقه المتفرد، الإرادة حرة وإن كانت غير محددة أو مدعومةٍ بدلائل مشروطة بها أو مرتبطة باستلاب ما.

يرى «سارتر» وفي مقاربة غريبة وفريدة من نوعها، أن الفرد محكوم بالعيش حرًا، الحرية لا تعني بالضرورة أن يُمنح المرء ما يريد، بل على العكس يكفيه فقط أن يحدد ماهية ما يريده بالأصل، بمنطق أعم؛ أن يختار.

يرجح أن القيم وُجدت وتأسست لسبب وجيه واحد؛ كوننا أحرار ونمارس الحرية تلك. بمعنى أدق الحرية تدعو للخوفِ والقلق. الفكرة بسيطة وثقيلة في الآن ذاته؛ هناك قيم لأننا أحرار. هذا يولد القلق لأنه إذا لم يكن هناك أساسٌ آخر للقيم غير الحرية، فلا يوجد سبب لاختيار سلوك دون آخر أو التغاضي عن أفعال دون غيرها. الحرية تخشى أن يكون الشخص أساسًا لها دون أساسٍ للقيم.

ختامًا، الحرية وإن وجدت فهي تبقى شعورًا كغيره من العواطف والرغبات التي تحدق بقضية الإنسان وتطوق ذلك التعقيد الذي يشوبه منذ الأزل، يحتكم كل فرد لحريته بمنطق التفرد، بل يمارسها/ يعيشها طبقًا لتجربته الخاصة، ومن منطلق يخصه دون غيره، بل هذا ما يميزه عن غيره، حرية الفرد سمة تطبع حياته وتجعل منها أسطورة شخصية تليق به دون غيره بالأساس.

للشخص أن يستشعر إرادته وحريته طبقًا لأهدافه ولدقة الشعور والذكاء الذي يمتلكه، أو بالأحرى قد يكون افتقاره الذي يجعل منه أقل استشعارا للقضية، الفرد ليس بذلك الكائن النمطي، بل هو نتاج لأكثر مما يمكن فهمه، والحرية إن اتفق على مضمونها الكثير، قد يخل بالمفهوم ذلِك فردٌ اختلفت تجربته ونظرته عن الآخرين، لذا فهي لصيقة بالعديد من الأمور والأشياء التي تتغير من شخص لآخر ومن طبيعةٍ لغيرها، شئنا أو أبينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد