كما هو معلوم فإن طبيعة القانون تتحدد بحسب النظام السياسي القائم في أي دولة، وهي تختلف باختلاف المذاهب والأيديولوجيات والنظريات الفقهية في تشكيل الدولة، ومما لا جدال فيه أن الدولة لم تنشأ عبثًا وإنما وجدت لخدمة المجتمع ورعاية مصالحه وتحقيق أهدافه وبلورتها على أرض الواقع، وبما تمارسه من وظائف.

وبوجه عام يمكن القول بأنها تلك الأعمال والتصرفات القانونية التي تمارسها مختلف الهيئيات الحاكمة لتحقق بها أهداف الدولة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. وبتعبير آخر هي تلك النشاطات التي تتولاها الدولة في مختلف الميادين التي يمتد إليها سلطانها من تشريعية وتنفيذية وقضائية وثقافية واقتصادية واجتماعية إلى ما هنالك من الأوجه المتعددة العائدة للحياة العامة التي تلتحق تباعًا بالدولة المعاصرة بقدر تطورها وازدياد مسؤوليتها واشتداد حاجات المجتمع إليها ورغم تشعب هذه الوظائف، إلا أنها تشترك في بوثقة واحدة وتنصهر في مفهوم فلسفي دستوري الغاية منه عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن ولقد استقر الفقه الدستوري منذ أوائل القرن الثامن عشر على التمييز بين أنواع ثلاثة من  وظائف الدولة والتي تتلخص في أربع  كلمات  قانونية وتشريعية وتنفيذية وقضائية.

فإذا كان الشعب أو الأمة واعية بحقوقها والتزاماتها القانونية غير متكاسلة أو مفرطة في حقها الطبيعي داخل المنظومة السياسية التي تنتمي إليها، فإن الدولة باعتبارها شخصا اعتباريًا ومعنويًا مسؤولة عن كل فرد وكل مواطن من مواطنيها لتوفير كافة الحقوق والاحتياجات، فإذا أخل أحد الطرفين بحقوقهما والتزاماتها، فيحق للمواطن  فسخ هذا العقد الاجتماعي الذي يلزم الدولة بتوفير احتياجاته وحقوقه ما دام ملتزمًا ومحترمًا لواجباته تجاه الدولة، أو يكون تحت طائلة سلطة المحاسبة والعقاب اذا أخل  الفرد بالتزاماته، ما دامت الدولة أوفت ووفرت الحاجيات الضرورية التي تربطها بالفرد، بغض النظر عن المذاهب والنظريات التي تتحدث عن وظيفة الدولة، وهي تتحدد بمحددات موضوعية حسب طبيعة المجتمع.

ولأن مفهوم القانون والدولة في نظامنا السياسي العربي الحالي هو مفهوم مشوه وأقرب إلى المذهب الثيوقراطي، فإن شرعيته الدستورية لا تمثل الاتجاه العام للشعوب أو يمثل روح الدستور ولو بأدنى درجاته وحصر تفسير وظيفة الدولة من وجهة نظر  واحدة وتطعيمها بأفيون القدسية الأبدية وكأنها فاكهة محرمة يحظر الاقتراب منها.

لذلك فإن الرؤيا التي تبلور طبيعة النظام السياسي العربي في المفهوم القانوني لحماية واحترام حقوق والتزامات المواطن هو: (معاملة السيد للعبد اﻵبق) والذي يريد أن يخرج من القيد أو اﻷسر الذي طوق بأغلال وسلاسل عبارة عن مجموعة من الإملاءات والترهات التي صيغت بطريقة في ظاهرها ديمقراطية وفي باطنها الذل ديمقراطية في برلمانات ميتة على يد مجموعة من الانتهازيين الذين يرجون بركات السيد الولي الحاكم بأمر الله ليغدق عليهم بثرواته وأمواله التي مصدرها عرق الشعوب، وكل هذا على شكل مراسيم وقوانين تشرعن النهب والسرقة دون احترام الطرف الآخر الذي هو القاعدة الأساسية لصيرورة الدولة.

فنرى الحاكم بأمر الله المتمثل في 22 دولة يجيش الجيوش ويستنفر العيون من أجل قمع أي تحرك مشروع أو مطالبة بحق من الحقوق التي تضمن آدمية الإنسان وتحفظ كرامته، هذه الكرامة التي تنتهك باسم القانون والدستور مستندين إلى تفسيرات فقهية وقانونية مشوهة لا تقبلها الفطرة السليمة.

ونافل القول فإن الإطار العام الذي يحكم النظام السياسي العربي بكل أنواعه وأشكاله وأطيافه، وبكل تناقضاته ومشتركاته، هو الارتكاز على مبدأ (أمن العروش قبل أمن الشعوب) وما نكبة الشعب السوري إلا دليلًا على الفلسفة القانونية والسياسية، التي تقوم عليها عقلية النظام السياسي العربي بنسخ متعددة وإن اختلفت أشكالها وتطبيقاتها في الشكل والمضمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد