نحن كبشر نتميز أن لنا شهوات تدفعنا وتحثنا على الحركة لاشباعها، ولنا أيضًا فطرة هي مقياس دقيق لمعرفة الخطأ والصواب، وأنزل الله لنا منهجًا نتعبد إليه سبحانه باتباعه هو الإسلام، ورزقنا عقلاً نفهم به هذا المنهج ونسعى به لمعرفة الله، وخلقنا في أحسن صورةٍ نستطيع من خلالها أداء وظيفتنا وهي عبادته سبحانه وعمارة هذه الأرض ولذلك أيضًا سخر كل الكون لخدمتنا بشكل ما أو بآخر.

 

 

 

 

 

هذه الشهوات التي تحثنا على الحركة منها ما هو حسي مثل الطعام والشراب والجنس، ومنها ما هو معنوي مثل حب التميز والرئاسة وحب السلامة. وكل شهوة أودعها الله فينا لها حكمتها سواء ظهرت لنا أو خفيت علينا؛ فشهوتي الطعام والشراب هما للحفاظ على سلامة وجودنا وشهوة الجنس للحفاظ على النوع البشري من الانقراض، وشهوة حب التميز لتجعل كل منا يسعى ويبذل ما في وسعه لعمارة هذه الأرض وهكذا جميع الشهوات.

 

 

 

 

 

 

هذه الشهوات لا يمكننا وصفها بالشيء السيئ أو الشيء الحسن لأنها حيادية، والحكم يكون على التعامل معها، فأن تمتلك الشهوات هذه ليست جريمة ولا خطأ وإلا أصبحنا كلنا مخطئين بطبيعتنا التي خلقنا الله بها، ولكن الخطأ والذنب هو تصريف هذه الشهوة خارج الإطار المسموح به “الحلال” وفقـًا للمنهج “الإسلام”، أمّا تصريف أية شهوة في إطار الحلال والمشروع فهذا مما لا جرم فيه بل هو من المستحب والواجب أحيانـًا.

 

 

 

 

 

 

إن الإسلام لم يلغ الشهوات ويسد طرق إشباعها كلها كما تفعل بعض المذاهب المترهبنة،  وكذلك لم يترك باب إنفاذ الشهوات مفتوحًا على مصرعيه كما تفعل بعض المذاهب المادية، ولكنه جعل لكل شهوة طريقها الشرعي لإنفاذها وأحاطها بسياج يحرم الطرق الأخرى التي تعود على المجتمع والفرد بالضرر، فمن الحلال أن تأكل وتشبع شهوة الجوع ولكن التزم أن يكون مأكلك من رزق حلال وألا يكون ميتةً أو دمًا أو خنزير إلى غير ذلك من المحرمات، فكما ترى الشهوة يمكن إشباعها بالحلال أو بالحرام وطريق الإسلام أن تشبعها بالحلال.

 

 

 

 

 

شهوة الجنس تتجلى فيها منظومة الإسلام الوسطية التي لا تكبت الشهوة وأيضًا لا تجعل الشهوة تقود صاحبها إلى ما لا يحمد عقباه، فهي شهوة تتلخص في وصفها أنها ميل كل جنس للآخر وهي في الرجال والنساء سواء، والقرآن أقر هذا في بدايات سورة آل عمران “زُيِّنَ للنَّاسِ حُب الشَهوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ” وكذلك في مواضع كثيرة من القرآن.

 

 

 

 

 

الإسلام في التعامل مع هذه الشهوة وضع منظومة تربوية شاملة لضمان التوظيف الصحيح لها، تشتمل هذه المنظومة على الدعوة إلى غض البصر من الطرفين، ووضع حدود وضوابط للاختلاط، وجعل الزواج منفذًا شرعيًا لإشباع هذه الشهوة وحرّم كل أشكال الزنى وكل خطواته.

 

 

 

 

الزواج وفقـًا للمنظور الإسلامي قائم على القبول بين شخصين فيتقدم الرجل لخطبة المرأة من أهلها، ثم يكون عقد النكاح وبذلك تتكون أسرة قائمة على السكن والاستقرار يتعايشا فيها في ظلال المودة والرحمة وفقـًا للميثاق الغليظ الذي تم وفقـًا لمنهاج الإسلام وبشهادة العدول.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفكرة الزواج وتكوين الأسرة هي الأقرب للصلاح المجتمعي فضلاً عن الاستقامة الفردية، فلك أن تتخيل لو كان بدلاً من الزواج زنى أو مرافقة كما يروق للبعض تسميتها لأصبح لدينا بدلاً من زوج وزوجة عفيفين فاجر وعاهرة، وأصبح لدينا بدلاً من الأطفال الذين يقوم والداهما بتنشئتهم وإخراجهم صالحين للمجتمع أطفال مشردون لا نعرف لهم أبا،

 

 

 

 

 

وأحيانا كثيرًا لا نعرف أمهم. إن الإسلام يجعل إطار إنفاذ الشهوة هو نفسه إطار المسئولية الفردية للشخص تجاه المجتمع وتجاه نفسه أولاً، وبهذا فقط يمكن أن تستقيم الحياة بلا غلو يقيد الإنسان عن ملذاته المشروعة، وأيضًا بلا تفريط يجعل الإنسان لا يعرف ولا يتحرك إلا لإشباع حيوانيته الجامحة.

 

 

 

 

 

 

نجد آيات القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم توضح لنا معايير اختيار الزوج أو الزوجة، وآداب التعامل بين الزوجين، ومسئوليتهما تجاه أولادهما بالرعاية والتربية ومسئولية الأولاد تجاههم بالبر والاحترام، وآداب الانفصال والطلاق بما لا يضر أيًا من الطرفين، وتقسيم الميراث وتركة الفرد الذي هو قائم بالأساس على زواجه وأولاده الناتجين عن هذا الزواج.

 

 

 

 

 

 

وهذا الاهتمام بالزواج في جميع مراحله ومآلاته هو خير دليل على مكانته في التشريع الإسلامي الذي ارتضاه الله لنا لتنظيم حياتنا لتحقيق السعادة والاستقرار.

 

 

 

 

 

 

 

إن منظومة الزواج هي الأكثر ضمانـًا للحفاظ على  المجتمع والأقرب للتطبيق الواقعي والأكثر فخرًا لأصحابها، أما العلاقات الجنسية المؤقتة أو العابرة فلا تزيد أصحابها إلا بؤسًا وحزنًا ولا تزيد المجتمع الا توجهًا نحو الرذيلة وضياع الفضائل والمكارم. فبطولة الرجل في قوامته ومسئوليته تجاه أسرة ورعايتها، وبطولة المرأة في أمومتها ومسئوليتها تجاه زوج تحفظه وتصونه، مع عدم إخلال أي منهما بواجباته تجاه مجتمعه ووطنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد