في 15 يناير (كانون الثاني) 1918 ولد جمال عبد الناصر، ثاني رؤساء مصر، والأول في قائمة الأكثر إثارة للجدل، فهناك حالة من التطرف الشديد في الحديث عنه، سواء كان هذا حديثًا إيجابيًا أو سلبيًا، بداية من الحركة المباركة التي قادها في 23 يوليو (تموز) 1952 والتي يختلف عليها المعارضون لها والمؤيدون من حيث أنها تعتبر ثورة أم انقلابًا عسكريًا، إلى فترة حكمه للبلاد وتقييمهم لها، ولكن أيًا كان رأيك في جمال عبد الناصر فلا أحد ينكر أنه صاحب شعبية كبيرة في الوطن العربي لا أظن أن أحدًا قد اقترب من شعبيته تلك حتى الآن، ولا أحد ينكر أنه كان حلقة مهمة من حلقات التاريخ المعاصر التي ما زالت أصداؤها موجودة حتى وقتنا الحاضر.

ومن وجهة نظري أن علينا النظر إلى التجربة الناصرية باعتبارها درسًا من دروس التاريخ، ينبغي الاستفادة منه، وعلى ما أذكر فإن أديسون قال ذات مرة: (أنا لم أفشل ألف مرة، ولكن اكتشفت ألف طريقة لا تصنع المصباح الكهربي)، وينطبق الحال في رأيي على التجربة الناصرية، فهي لم تفشل في إيصال مصر لبر النجاح والتقدم، ولكن علمتنا أن هذا الطريق لن يصل للنجاح والتقدم، والفشل الحقيقي سيكون كما قال أينشتين (أن نتصرف بغباء ونعيد الشيء نفسه بنفس الأسلوب وبنفس الخطوات وننتظر نتائج مختلفة).

الشهر الفائت كنت عند أحد باعة الكتب، وأثناء تقليبي في الكتب القديمة وجدت كتابًا اسمه (فلسفة الثورة) بقلم جمال عبد الناصر، طبعة قديمة تعود إلى عام 1954، طبعة دار المعارف، ومن تقديم كمال الدين حسين أحد الضباط الأحرار، والذي كان وزير التربية والتعليم في ذلك الوقت، ويبدو أنها كانت تدرس في المدارس وقتها، كنت قد سمعت عن هذا الكتاب من قبل في كتاب (عودة الوعي) لتوفيق الحكيم، لذلك تحمست لعملية الشراء ومن بعدها القراءة.

لكن ما هو هذا الكتاب؟

هو كما يقول جمال عبد الناصر في المقدمة: «خواطر عن الثورة»، ليست محاولة لتأليف كتاب، ولا هي محاولة لشرح أهداف ثورة 23 يوليو وحوداثها، إنما هي شيء آخر تمامًا، إنها محاولة لاستكشاف النفوس، لكي نعرف من نحن وما هو دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات، ومحاولة لاستكشاف أهدافنا والطاقة التي يجب أن نحشدها لنحقق هذه الأهداف، ومحاولة لاستكشاف الظروف المحيطة بنا، لنعرف أننا لا نعيش في جزيرة يعزلها الماء من جميع الجهات، إنها مجرد محاولة لاستكشاف الميدان الذي نحارب فيه معركتنا الكبرى من أجل تحرير الوطن من كل الأغلال.

وقد اندهش توفيق الحكيم في (عودة الوعي) عندما قرأ في بعض الصحف العالمية أن كتاب «فلسفة الثورة» تتولى توزيعه في الخارج جهتان في نفس الوقت، هما السفارة المصرية، والسفارة الإسرائيلية، وبالطبع كان غرض السفارة الأخيرة من ذلك إفهام العالم أن زعيمًا من طراز هتلر قد ظهر في العالم العربي.

والكتاب ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتحدث عن بذور الثورة ومقدماتها، ولماذا قام الجيش (والجيش بالذات) بها، وما هي أسبابها والحوادث التي أدت إلى يوم 23 يوليو.

أما الجزء الثاني فيختص بالجواب عن سؤالين، هما:

ما الذي تريده الثورة؟ وما هو الطريق إليه؟

أما الجزء الثالث فيتحدث عن مصر وعلاقتها بمحيطها العربي والإسلامي والأفريقي، وكيفية تسخير ذلك المحيط في إنشاء قوة ذات أثر في توجيه السياسة الدولية.

وبعد أن أتممت قراءة الكتاب بحثت عما كتب عنه في وقتها، ورد فعل الناس عليه، فوجدت كتابًا من تأليف الأستاذ عباس العقاد اسمه «فلسفة الثورة في الميزان»، فسألت عنه باعة الكتب ولم يفيدوني بشيء، إلى أن وجدت منه نسخة إلكترونية، وهو كتاب صغير لا يتعدى العشرين صفحة، أظنه كان مقالًا نشر وقتها في أحد الجرائد.

يتحدث الأستاذ العقاد في البداية عن شعار الثورات ودلالتها على أهدافها، وكيف أن كل شعار لثورة من ثورات التاريخ لم يرفع عبثًا، وإنما كان مقصودًا به معنى وهدفًا محددًا، فتحدث عن الشعارات التي رفعتها الثورات الفرنسية، والتركية، والصينية، وأخيرًا المصرية.

ثم يأتي الحديث عن كتاب فلسفة الثورة فيتفق العقاد مع عبد الناصر في الكثير ولا يكاد يختلف معه في شيء، وذكر عدة مقتطفات من الكتاب وعلق عليها.

من بين تلك المقتطفات كانت الفقرة التي يقول فيها عبد الناصر:

«كان من السهل وقتها وما زال سهلًا حتى الآن أن نريق دماء 10 أو 20 أو 30، فنضع الرعب والخوف في كثير من النفوس المترددة، ونرغمها على أن تبتلع شهواتها وأحقادها وأهوالها».

ثم يتابع:

«ولكن أي نتيجة كان من الممكن أن يؤدي إليها هذا العمل؟ كان من الظلم أن يفرض حكم الدم علينا دون أن ننظر إلى الظروف التاريخية التي مر بها شعبنا والتي تركت في نفوسنا جميعًا تلك الآثار».

فعقب العقاد على تلك الفقرة قائلًا:

«نعم يكون ذلك ظلمًا، ويكون أكثر من ظلم؛ لأنه يصيب من لم يصبه العقاب، فيضاعف داء الشك والحذر ويبطل فائدة العلاج».

وضرب مثالًا على كلامه يقول:

(رجل تكلفه أن يعدو على خط واحد إلى مسافة ميل، فإنه ليعدو على ذلك الخط في مدى ساعة أو أقل، ثم تكلف ذلك الرجل نفسه أن يعدو فوق جدار يعلو على الأرض عدة أمتار، فإن لم يسقط بعد خطوات، فإنه لن يصل قبل ساعات، فماذا تغير في الحالين؟

لم يتغير الرجل ولم يتغير الحيز الذي يجري فيه ولم تتغير المسافة، وإنما تغيرت الحالة النفسية فتغير معها كل شيء).

وأحب أن أذكر أنا أيضًا مقتطفًا من الكتاب، ولكني لن أعلق عليه، بل سأترك لكتاب التاريخ التعليق، وهذا المقتطف يقول عبد الناصر فيه:

وإذًا ما ھو الطریق؟ وما ھو دورنا على ھذا الطریق؟

أما الطریق فھو الحریة السیاسیة والاقتصادیة، وأما دورنا فیه فدور الحارس فقط؟ لا یزید ولا ینقص، الحارس لمدة معینة بالذات موقوتة بأجل، وما أشبه شعبنا الآن بقافلة كان یجب أن تلزم طریقًا معینًا، وطال علیھا الطریق، وقابلتھا المصاعب، وانبرى لھا اللصوص وقطاع الطرق، وضللھا السراب، فتبعثرت القافلة، كل جماعة منھا شردت في ناحیة، وكل فرد مضى في اتجاه، وما أشبه مھمتنا في ھذا الوضع بدور الذي یمضي فیجمع الشاردین والتائھین لیضعھم على الطریق الصحیح، ثم یتركھم یواصلون السیر، ھذا ھو دورنا ولا أتصور لنا دورًا سواه.

ولو خطر لي أننا نستطیع أن نحل كل مشاكل وطننا لكنت واھمًا، وأنا لا أحب أن أتعلق بالأوھام، أننا لا نملك القدرة على ذلك، ولا نملك الخبرة لنقوم به، إنما كل عملنا أن نحدد معالم الطریق كما قلت وأن نجري وراء الشاردین فنردھم إلى حیث ینبغي أن یبدأوا المسیر، وأن نلحق بالسائرین وراء السراب فنقنعھم بعبث الوھم الذي یجرون وراءه، لقد كنت مدركًا منذ البدایة أنھا لن تكون مھمة سھلة، وكنت أعلم مقدمًا أنھا ستكلفنا الكثیر من شعبیتنا.

لقد كان یجب أن نتكلم بصراحة، وأن نخاطب عقول الناس، وكان الذین سبقونا قد تعودوا أن یعطوا الوھم، وأن یقولوا للناس ما یريد الناس أن یسمعوه، وما أسھل الحدیث إلى غرائز الناس وما أصعب الحدیث إلى عقولھم، وغرائزنا جمیعًا واحدة، أما عقولنا فموضع الخلاف والتفاوت وكان ساسة مصر في الماضي من الذكاء من حیثوا أدركوا ھذه الحقیقة فاتجھوا إلى الغریزة یخاطبونھا، أما العقل فتركوه ھائمًا على وجھه في الصحراء.

وكنا نستطیع أن نفعل نفس الشيء، كنا نستطیع أن نملأ أعصاب الناس بالكلمات الكبیرة التي لا تخرج عن حد الوھم والخیال، أو تدفعھم وراء أعمال غیر منظمة لم تعد لھا العدة ولم تتخذ لھا أھبةً، أو كنا نستطیع ترك أصواتھم تبح من كثرة ھتافھم تمامًا كما كان أجدادنا تبح أصواتھم من كثرة ھتافھم وبعدھا لا شيء.

لكن كانت تلك مھمتنا التي شاءھا لنا القدر، وما الذي كنا نستطیع أن نحققه فعلًا إذا سرنا في ھذا السبیل؟ ولقد قلت في الجزء الأول من ھذا الحدیث إن نجاح الثورة یتوقف على إدراكھا لحقیقة الظروف التي تواجھھا وقدرتھا على الحركة السریعة، وأضیف الآن إلى ذلك أنھا یجب أن نتحرر من آثار الألفاظ البراقة وأن نقدم على ما تتصور أنه واجبھا مھما كان الثمن شعبیتھا ومن الھتاف بحیاتھا والتصفیق لھا، وإلا فإننا نكون قد تخلینا عن أمانة الثورة وعن واجباتها.

وما الذي كنا نستطيع أن نحققه فعلًا لو سرنا في هذا السبيل؟

هذا الكتاب مهم لمعرفة كيف كان يفكر جمال عبد الناصر وقت توليه السلطة، وما هي أحلامه ومخططاته، وإن كان قد نجح فيها أم فشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات