في ديسمبر (كانون الأول) 2013 ظهر مسلسل «ريك أند مورتي» من تأليف جاستن رويلاند، ودان هارمون وعُرض على قناة أدلت سويم. و هو مسلسل رسوم متحركة كوميدي أمريكي يتكون من حلقات متصلة منفصلة.

تدور أحداث المسلسل حول ريك سانشيز، وحفيده مورتي سميث، وباقي العائلة المكونة من جيري الأب، و بيث الأم، وسمر الحفيدة الأخرى.

جيري الأب هو شخص تقليدي تمامًا ويعمل في وظيفة تقليدية، متزوج من بيث، التي تعمل طبيبة بيطرية للخيول، ولكنها تريد أن تعمل طبيبة بشرية وفقدت ذلك الحلم بسبب أنها حملت من جيري في سن السابعة عشر، فقررت الزواج في سن صغيرة لتربية الابنة.

سمر الابنة الكبرى، وهي طالبة في المرحلة الثانوية ترى أنها السبب في تحطيم حياة أبويها بسبب أنها جاءت للدنيا.

ومورتي في سن المراهقة يحب جيسيكا التي لا تعطي له أي انتباه، و يبدأ في خوض العديد من المغامرات مع جده ريك.

ريك يظهر في المسلسل كأذكي إنسان في العالم، وهو مدمن كحول ومخدرات، استطاع أن يخترع مسدسًا يمكنه من الانتقال بين العوالم الأخرى، ويستكشف تلك العوالم مع حفيده مورتي، حيث توجد نسخ لا نهائية من ريك ومن مورتي ومن كل شخصية في كل تلك العوالم، و مغامرات ريك أند مورتي لها معنى أعمق مما هو واضح، فهي إما وسيلة للبحث عن معنى الحياة أو تشتيت الانتباه عن العثور على هذا المعني.

المسلسل يطرح فكرة عن حالتين لا يمكن التوفيق بينهما: أن البشر موجودون في عالم غير مبالٍ بهم تمامًا، وأن محاولاتهم لفهم وجودهم الخاص لم تنجح.

ركز المسلسل على مجموعة من الشخصيات المركزية التي تتطور على مدار كل موسم باستمرار من خلال قصة متسقة ومعقدة، مما يؤدي إلى ذروة أحداث، من خلال الاستمرار في تأجيج الصراعات الأوسع نطاقًا في السلسلة ككل، و على هذا النحو، حلقات المسلسل لها خط درامي متصل، وإن كانت كل حلقة لها موضوع مختلف و لكن يرتبط بذلك الخط، ودائما تسعى الشخصيات إلى تغيير واقع مضطرب من أجل تحسين أنفسهم أو العالم الذي يعيشون فيه، من خلال تجربة مختلفة.

وكل حلقة من ريك أند مورتي هي مثال ممتاز لخوض الإنسان صراعًا بين فكرتين تتمحوران حول معنى الحياة أو عدم جدواها، وتصارع شخصيات المسلسل للوصول للحقيقة مع معاناتها بأنها عالقة في مواقف غير منطقية في الحياة الفعلية.

ففي حلقة Rixty Minutes يقول مورتي لاخته سمر عندما كانت تتذمر بشأن وجودها: لا أحد يعيش من أجل غاية بعينها، ولا أحد ينتمي إلى أي مكان، وكلنا سنموت في النهاية، تعالي نشاهد التلفزيون.

وفي حلقة Raising Gazorpazorp يقول ريك: أليس من المثير للاهتمام، يا سمر؟ أنه بعد كل تلك الأشياء التي فعلناها للتو، لم يكن هناك شيء مهم حقًّا، ولم يكن هناك أي فائدة من ذلك، وذلك يجعلك تتساءلين حول اللاشيء! أليس كذلك؟

فإن ريك ومورتي يظهران في سلسلة طويلة من المغامرات السيئة التي لا طائل من ورائها، والتي لا توجد علاقة سببية فيها بين الحالة والأخرى، و تعتمد العبثية أساسًا في المسلسل حول فكرة أنه على الرغم من مغامراتهم غير العادية والمتعددة الأبعاد في أكوان متوازية، وفي محاولة منهم لإحداث فرق، فإن حياتهما عبارة عن حلقة مستمرة من المواقف العشوائية العبثية التي لا معنى لها وغير المنطقية التي لم تكن أبدًا أفضل أو تغير الكون في أي طريقة مهمة.

نشأت العبثية في الأصل كمذهب فكري انبثاقًا عن الحركة الوجودية، عندما انشق الفيلسوف والكاتب ألبير كامو عن هذا الخط من الفكر الفلسفي، ونشَر كتابه الشهير «أسطورة سيزيف».

فصل كامو نفسه بقوة عن الوجودية وتورط في أسئلة مثل معنى الحياة في مواجهة الموت، و قد تركت لنا فلسفته العبثية صورة ملفتة للنظر عن مصير الإنسان في أسطورة سيزيف، حيث يدفع صخرة إلى أعلى الجبل، ومشاهدتها تتدحرج، ثم ينزل بعد الصخرة ليبدأ من جديد، في دورة لا نهاية لها. ومثل سيزيف، لا يسع البشر سوى الاستمرار في السؤال عن معنى الحياة، فقط لرؤية إجابتهم تتداعى.

جادل كامو بأن البشر لا يمكنهم الهروب من طرح السؤال، «ما معنى الوجود؟» ومع ذلك، ينكر كامو أن هناك إجابة عن هذا السؤال، ويرفض كل نهاية من صنع الإنسان من شأنها أن توفر إجابة مناسبة. وهكذا فإنه على الرغم من أن البشر حتمًا يسعون لفهم غرض الحياة، فإن كامو يتخذ موقفًا متشككًا في أن العالم الطبيعي والكون، والمشروع البشري ككل ما يزالون صامتين بشأن فهم هذا الغرض . بما أن الوجود نفسه ليس له معنى، هذا الموقف المتناقض إذن، يدفعنا لطرح أسئلة نهائية واستحالة تحقيق أي إجابة مناسبة، هو ما يسميه كامو العبث.

وفي الكون العبثي يمكن للإنسان أن يتوقف عن المحاولة لفهم معني الحياة، وبدلًا من ذلك أن يضحك مما يحدث حوله، هذا هو السبب في أن ريك أند مورتي ظهر كمسلسل كوميدي في الأساس، فعلي الرغم من الحقائق الصعبة والواقع المظلم في عالم يخلو من النظام والمنطق والمعنى، ما الذي يمكن للمرء أن يفعله سوى الضحك؟

وهكذا فإن ريك أند مورتي يمثلان ناموذجًا للدراما الكوميدية التي تعتمد على فكرة فلسفية وتعبر عن المدرسة العبثية، من خلال شخصيات تعيش الحياة اليومية بكل تفاصيلها المتناقضة، ولكنها لم تستطيع الوصول لإجابة بعد وقد تظل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العبث, فلسفة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد