الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فلقد ابتلانا الله بمن لا يعرف للخلاف درجة أو ضابطًا فيجعل القول المخالف للدليل قولًا معتبرًا يأخذ به ما دام قد ذكره عالم.

أو أن يجعل قولًا في خلاف سائغ هو الحق، وما عداه باطل مبتدع من أخذ به، وكل هذا الخلل في التعامل مع الخلاف الفقهي نتيجة للجهل بفلسفة الخلاف في الإسلام، فيجب أن نعلم أولًا أن الكتاب والسنة قد دل دلالة قطعية على وجود الاختلاف بين بني البشر.

– أولًا من القرآن: قوله تعالي «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» [يوسف: 118 – 119].

قوله: «ولذلك خلقهم» أي للاختلاف خلقهم وهو قول الحسن في رواية ورواية عن ابن عباس [1].

-ثانيًا من السنة: ولقد وقع الخلاف بين الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ما وقع بين الصحابة يوم غزوة بني قريظة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلىن أحدكم العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق فصلاها وقال لم يرد منا إضاعة الوقت.

وقالت طائفة والله لا نصليها إلا في بني قريظة فصلوها بعد غروب الشمس. ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أيًا من الفريقين، بل لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم تصويب فريق وتخطئة الآخر.

والشاهد أن الاختلاف موجود بتقدير الله تبارك وتعالى وقد وقع بين الصحابة والنبي – صلى الله عليه وسلم – بينهم.

وإن كانت حادثة بني قريظةمن خلاف التنوع كما سنوضح ذلك، إلا أنه إقرار من النبي – صلى الله عليه وسلم – على اجتهاد كل من الفريقين والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على خطأ ولا يأخر البيان عن وقت الحاجة.

ولكن هذا الإقرار لا يقاس عليه كل أنواع الخلاف فهناك أنواع لا يقبل فيها إلا قول واحد يتمثل الحق فيه وهذا أمر يعتمد على الدليل لذلك قال الشافعي رحمه الله «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس» [2].

ولذلك نشرع في ذكر أنواع الخلاف وضابط كل نوع ومن الكلام الجامع في هذه المسألة كلام شيخ الإسلام.

ابن تيمية حيث قال «أما أنواعه – يعني الاختلاف: فهو في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. واختلاف التنوع على وجوه: منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «كلاكما محسن». ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة، إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل.. ومنه: ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر؛ لكن العبارتين مختلفتين، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، وتقسيم الأحكام، وغير ذلك … ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جدًا. ومنه ما يكون طريقتين مشروعتين، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين.. وأما اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. وإلا فمن قال: كل مجتهد مصيب، فعنده: هو من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد، فهذا الخطب فيه أشد؛ لأن القولين يتنافيان.. وهذا القسم – الذي سميناه: اختلاف التنوع – كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم يحصل بغي، كما في قوله: «مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ» [الحشر: 5] وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم وترك آخرون. وكما في قوله: «وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ – فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا» [الأنبياء: 78 – 79] فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالعلم والحكم. وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم – يوم بني قريظة – لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة. وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».. ونظائره كثيرة. وإذا جعلت هذا قسمًا آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام» [3].

والذي يتضح لنا من كلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء أن الاختلاف على ثلاث درجات.

* الأولى خلاف التنوع:

وهو ما لا يكون فيه أحد الأقوال مناقضا للأقوال الأخر، بل كل الأقوال صحيحة.

ومن ذلك أوجه القراءات فمن يقرأ بعاصم مثلًا لا ينكر على من يقرأ بنافع، فكلاهما صحيح.

وأيضًا من أراد أن يقرأ في التشهد بتشهد ابن مسعود، لا ينكر تشهد ابن عباس، أو ابن عمر رضي الله عنهم.

وهذا النوع تجده بكثره في الأمور العملية والفقهية وينعدم وجوده في الأمور الاعتقادية.

فنجده في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة، وغير ذلك الكثير من الأمور العملية والفقهية.

وهذ النوع من الخلاف كل الأوجه فيه صحيحة، وإن كان بعضها أفضل من بعض عند بعض أهل العلم، ولكن في النهاية كلها مما صح وثبت وأمكن الجمع بينه وبين غيره.

والواجب نحو هذا النوع من الخلاف عدم الإنكار على المخالف أو ادعاء بطلان قول المخالف فكل الأوجه صحيحة كما ذكرنا وثابتة.

وهذا النوع مما يصح فيه قول «الاختلاف رحمة» وهو قول صحيح عن عمر ابن عبد العزيز، والقاسم بن محمد.

* الثانية الخلاف السائغ:

وهوما لا يخالف نصًا من كتاب، أو سنة صحيحة، أو إجماع قديم، أو قياس جلي.

وهو نادر في المسائل الاعتقادية.

كثير جدًا في المسائل العملية والفقهية.

ومعنى «النص» في التعريف هنا: – ما لا يحتمل إلا معنى واحد لا اجتهاد في فهمه على اكثر من وجه فقد توجد أحاديث، لكن لها دلالات متعدده ومحتملة والتصحيح والتضعيف محل نظر أيضًا فقد يضعف البعض حديثًا وقد يصححه غيرهم فتكون المسأله في هذه الحالة مسألة خلاف سائغ.

فصلاة التسابيح مثلًا عند من صحح الحديث سنة.

وعند من ضعف الحديث بدعة ولكل فريق أن يأخذ بمقتضي الحق الذي ذهب إليه دون الإنكار على مخالفه إذ الحديث موضع تصحيح وتضعيف.

وقد ذكر ابن تيمية أن هذا النوع من الخلاف قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم، وكيف أخذ كل واحد منهم بما يراه مع إقرار مخالفه على العمل باجتهاده.

فقال رحمه الله«وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك» [4].

ومن روائع الإمام الجويني وهو يقرر هذا النوع من الخلاف في مسائل السياسة الشرعية في كتابه «الغياثي» أنه أخذ على الإمام الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» أنه ساق الظنيات مساق القطعيات فقال الجويني «إن مسائل الحكم والنظم السياسية وما يتعلق بها من فقه السياسة الشرعية هي أمور مبنية على الاجتهاد بسبب قلة النصوص وهذا يستوجب صياغة الرأي فيها على نحو يوحي بذلك، ولم يفعل الماوردي ذلك كما يلمسه كل من ينظر في كتابه» [5].

وقد روى ابن عساكر «أن أبا جعفر المنصور سأل الإمام مالك أن يحمل الناس على كتابه الموطأ فقال مالك لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم وعملوا به، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد فدع الناس، وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم».

ومعلوم أن الموطأ هو كتاب في المسائل العملية والفقهية والإمام مالك إن كان يري أن الناس على باطل ما تركهم وما هم عليه إنما علم رحمه الله أن من خالف كتابه إنما خالف في هذا النوع من الخلاف وربما كان الحق مع غيره لذلك نهى المنصور عما أراد.

الواجب نحو هذا النوع من الخلاف على حسب مرتبة الإنسان في العلم:

١- فالعالم المجتهد: يلزمه البحث والاجتهاد وجمع الأدلة والأخذ بما ترجحه الأدلة عنده

٢- طالب العالم: أن ينظر في أدلة أهل العلم ويأخذ بالقول الذي تؤيده الأدلة من وجهة نظره.

٣- العامي العاجز عن معرفة الراجح: عليه أن يستفتي ويقلد الأوثق عنده من أهل العلم.

تنبه:-

ويجب أن تعلم أن الخلاف وإن كان سائغ فلا يحق لأحد أن يختار ما شاء أو ما يتماشي معه من الأقوال متغافلًا النظر في أدلة الأقوال فيأخذ بمذهب في مسألة، ثم يخالف المذهب في نفس المسأله لهوى في نفسه.

فالأمر مقيد بالاجتهاد والدليل، من غير إنكار على المخالف والمؤول لهذا الدليل وذاك الاجتهاد.

*الثالثة الخلاف غير السائغ «المذموم»:

وهو ما خالف نصًا من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس جلي.

ويكثر هذا النوع في المسائل الاعتقادية ويوجد أيضًا في المسأل العملية، ولكن ليس في أغلبها.

ومن ذلك الأصول الإجمالية المجمع عليها كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والمعلوم من الدين بالضرورة، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وحرمة الزنا، والربا، والسرقة، وغير ذلك الكثير.

فهذه المسائل لا يحتمل أو يقبل أو يسعنا فيها الخلاف فالحق فيها واضح وضوح الشمس في ضحاها جلي جلاء القمر إذا تلاها.

الواجب نحو هذا النوع من الخلاف:

اتباع الدليل ونلقي بأي قول مخالف له عرض الحائط مهما كانت مكانة صاحب القول فلقد بوب البخاري في صحيحه باب إذا اجتهد العالم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» [6].

ولقد ذكر الدكتور نصر فريد واصل المفتي الأسبق لجمهورية مصر العربية في كتابه «السلطة القضائية» أنه «لا يجوز تقلد القضاء على أن يحكم بين الناس بمذهب بعينه لقوله تعالى: «فاحكم بين الناس بالحق» [ص:26] والحق ما دل عليه الدليل، وذلك لا يتعين في مذهب بعينه» [7].

والخلاصة: أن ضابط الخلاف في الفقه الإسلامي هو الدليل الشرعي فبه يتبين لطالب العلم درجة الخلاف وما يسع فيه الخلاف، وما لا يسع فإذا أحكم هذا الضابط لم يقع في فخ المميعين الذين يجعلون جميع أنواع الخلاف من باب خلاف التنوع ويقبلون أي قول مهما كان بطلانه واضحًا ولم ينكب على وجهه في حفرة المتشددين أصحاب القول الواحد والقول الراجح فيضيقون على الناس واسعًا ويعسرون يسيرًا في مسائل وسعت السلف رضوان الله عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد