تشكل منظومة التربية والتكوين عماد التنمية بمختلف أبعادها وتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية ضمن كل مشروع مجتمعي، وهذا يتطلب بالضرورة طرح سؤال وجيه يتعلق بإنتاجية هذا القطاع الحي وعائده بالنسبة للإنسان خاصة، والمجتمع بشكل عام، لكن العديد من المؤشرت تدل على إخفاق مسار الإصلاح، وهذا معناه أن العجز الذي يعتري المنظومة في كثير من الجوانب سيشل قدرتها في الآن نفسه على مواكبة متطلبات مجتمعنا المغربي، وتعزيز حظوظها للانخراط ضمن مجتمعات المعرفة.
إنصافًا للمدرسة العمومية المغربية – نعترف – بأنها لعبت دور إيجابي في التنشئة الاجتماعية، وتكوين الإطار التربوي الكفء الذي يعتبر هو مفتاح النجاح، فمنذ الاستقلال بُذلت جهود كبيرة وتحققت منجزات مهمة في مجال التربية والتكوين تمثلت في ارتفاع نسبة التمدرس، وخاصة لدى الفتيات، بيد أن إيقاع تفاعل المنظومة مع التحولات البطيئة، وغير المتوازنة، وتراكم مؤشرات الضعف والهشاشة الذي يهدد مردوديتها يدفع الى مُساءلة المدرسة المغربية وتحديد مَواطن الاختلال، باعتبارها قطاع يستهدف بناء المستقبل وإعداد أجيال الغد، من أجل استعادة الثقة في مؤسسة التعليم كفضاء أنسب لبناء الذات والإرتقاء بقدرات الانسان.

مما لا شك فيه أن البداية الحقيقة لمحاولة إصلاح التعليم تقتضي أولاً توفير الشروط المادية والمعنوية للمعلم، وتحقيق مطالبه المشروعة، وعلى رأسها الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية بدل فرض عليه التوظيف بالقعدة؛ لأن الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد يعانون الويلات من هذا القانون المشؤوم الذي يفتقر إلى أبسط شروط العمل، ولكن الدولة تسعى عن طريق هذه السياسة إلى إلغاء كل سبل ولوج أسلاك الوظيفة العمومية والتي تعد من الحقوق المشروعة لكل مواطن حسب الدستور المغربي، وتعويضها بسياسة التعاقد.

لقد أضحى دور الأستاذ اليوم يقتصر فقط على المكتب الذي يضع فيه أغراضه، والسبب هو سيكولوجي، بالإضافة إلى أسباب اجتماعية أخرى، ويجب أن نعرف أنه هناك اليوم من يسعى إلى تحطيم صورة الأستاذ، جمة من التُرَّهات التي تطلق على الشغيلة التعليمية كأنهم هم وحدهم الفاسدون، عنف رمزي مسلط على الأستاذ وهذا أمر غير مقبول.
إن أساس الطبقة المتوسطة هو طبقة المتعلمين والأساتذة، لكن اليوم هناك من يدفع بالتقليل والتنقيص من قيمة الأستاذ من جهة، وهناك أيضًا عنف اقتصادي موجه ضدهم من جهة ثانية، فالكثير منهم يعيش بفضل الكريدي، في حين الأستاذ في الدول التي تحترم نفسها يحظى بأكبر أجرة في البلاد لما له من مكانة متميزة داخل المجتمع، فالأستاذ هو المربي والمعلم الذي يبني جيل ذهبي، هو ربان السفينة ومن يضع حجر الأساس لتطور الشعوب ثقافيًا وفكريًا وعلميًا، والواقع أنه لو وقفنا مع أنفسنا في جلسة تأمل فيما يقدمه المعلم من جهد وعمل، لأدركنا قيمته في المجتمع وعظمة الدور الذي يقوم به، فهو يرعى ويغذي الطلاب من تجاربه وعلومه، لتحصد المجتمعات هذه الثمرة التي تنتج لنا أجيالًا بينها الوزير، العالِم، المهندس، القاضي وغيرهم.

بالإضافة إلى ذلك يعاني هذا الرجل في مجتمعنا من عنف سياسي محض، صراع هيغلي العبد والسيد بين المعلم والمتعلم، بالنسبة للتلميذ الذي يمارس عنفًا على أستاذه، فهو مرتبط أولًا بظروف اجتماعية، فالتليمذ الذي يمارس هذا العنف إما يتعاطى المخدرات أو يتحذر من بيئة مرتبطة بالهشاشة الاجتماعية، أو ربما يتعرض لضغوطات نفسية تخول له البحث عن مكان لتفريغ هذا العنف. إذًا نحن أمام عامل سوسيو اقتصادي حاسم، وهناك طبعًا عوامل سيكولوجية، ولكن الأمر الأكبر مرتبط بسياسة ترمي إلى تحطيم صورة الأستاذ بشكل أو بآخر.

إن مؤسسة المدرسة في صلب التحولات القيمية، فهناك من يسعى إلى تشييعها بهذا المعنى، وإلى إعلان إفلاسها وموتها، وهذا الموت سيذهب لصالح المدرسة الخصوصية، بمعنى آخر إن التميُّز موجود في القطاع الخاص أما العام فهو محكوم بالفشل.. في حين أن المدرسة العمومية هذه أنتجت لنا كبار جهابدة المغرب. لكن للأسف هناك من يريد رأس المعلم؛ لأن الأمر متعلق بشكل كبير بتحطيم الطبقة المتوسطة؛ لأن بتحطيم هذه الطبقة يسهل إدارة المجتمع بأي شكل تبغي.

لطالما تتحدث الدولة عن إصلاح المدرسة وتناست إصلاح الجامعة، التي تعتبر كذلك سبب مباشر من أسباب تخلفنا، فثمة أساتذة جامعيون أغلبهم يعانون إما من عقد نفسية أو مكبوتات جنسية، ويعملون على استغلال مناصبهم للاغتناء. وإن ما يؤكد هذا الكلام، التسجيل الصوتي المهزلة الذي يتداول منذ أسابيع على مواقع التواصل الاجتماعي، حول ولوج الماستر في جامعة فاس بطريقة غير قانونية، وعلى إثر الضجة الذي أحدثها التسجيل أصبح من اللازم طرح التساؤل التالي: ما هي حقيقة الماستر بالمغرب؟ وهل فاس هي الوحيدة المتورطة في هذا العبث؟ لهذا نجد أحد كبار المفكرين مثل المؤرخ والفيلسوف عبد الله العروي يوجه ملامة على المثقفين، ويحملهم  المسؤولية الكاملة على تعثر المغرب، ومنه يمكننا القول إن المثقف العربي لقد اختار العَيْش كحثالة، حالمٌ بحياة الترف ومَذْعُورٌ من قلب الموازين.

وصفوة القول نختم هذه المحاولة، بإن إلغاء نظام التوظيف بالعقدة هو مطلب مجتمعي أساسي، لما ينطوي عليه من تأثيرات سلبية تطال جودة التعليم والاستقرار الاجتماعي للشغيلة التعليمية، كما أنه يكرس لعلاقات شغل هشة ويجسد التعاطي الهاوي مع قطاع حيوي يرتبط بالمستقبل التنموي للبلد.

نحن نحب بلدنا المغرب من طنجة إلى الڭويرة، ونحلم بمدرسة عمومية مجانية وموحدة، وبجودة عالية لكل الأطفال المغاربة. نريد أن يكون لأبناء المغاربة، أغنياء وفقراء، في المدن وفي البوادي، في الصحراء وفي الجبال، الحق في التعليم نفسه وبالجودة ذاتها.

لا للتعاقد وسياسة الآذان الصماء، ونعم للإدماج والمساواة والعيش الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد