أمام أنظار العالم أجمع، لم تزل إبادة الشعب الروهينجي مستمرة، ولم تزل المأساة مستمرة منذ أكثر من 5 عقود، إلى الحد الذي جعل أقلية الروهينجا المسلمة هي الأكثر اضطهادا في العالم: بحسب كافة تقارير المؤسسات الحقوقية والإنسانية في العالم، فتارة يتم طرد عشرات الآلاف منهم إلى خارج البلاد؛ ليغرق أكثرهم في البحار والمحيطات، وتارة يتم منعهم من مزاولة حقوقهم السياسية المشروعة.

ومنذ عام 1982، تصنف الحكومة في ميانمار ما يقدر بنحو 750 ألفا من أبناء الروهينجا، يعيشون في أراكان (غربي البلاد) على أنهم مسلمون بنغال بلا جنسية جاءوا من بنغلاديش المجاورة، مما جعلهم عرضة للاضطهاد والتمييز العنصري وإساءة المعاملة.

وفي العامين الأخيرين تعرض مسلمو الروهينجا لاضطهاد الأغلبية البوذية بتواطؤ من الحكومة والجيش، مما أدى لمقتل الآلاف وهجرة عشرات الألوف.

ولكن الجديد أن ميانمار أجرت اليوم أول انتخابات تعددية في البلاد منذ 25 عاما، بعد نصف قرن من الحكم العسكري، ولكنها استبعدت منها مسلمي الروهنجا، ولم تسمح لهم بالتصويت؛ لزعمها بأنهم من أصول بنغلاديشية، وذلك على الرغم من أن شهادات تاريخية تثبت وجود عرقية الروهنجا في ولاية أراكان منذ مئات السنين، حينما كانت مملكة مستقلة، قبل أن يضمها الاستعمار البريطاني إلى ميانمار.

 

مأساة لا تنتهي

ن

فهي مثلها مثل كثير من بلدان المسلمين التي تعرضت للقهر، إلا أن القهر الذي تعرضت له بورما قهر من نوع خاص، وقهر مستمر وإبادة جماعية يشهد عليها العالم أجمع، وهي لم تجد من يقدم لها يد العون؛ تكاسلا أو خوفا أو رضا، عمر هذه المأساة أكثر من قرنين من الزمان، مآسي الاضطهاد والقتل والتشريد التي كابدها أبناء ذلك الإقليم المسلم على يد الجماعة البوذية الدينية المتطرفة (الماغ) بدعم ومباركة من الأنظمة البوذية الدكتاتورية في بورما (ميانمار)، الذين أذاقوا المسلمين الويلات وأبادوا أبناءهم وهجروهم قسراً من أرضهم وديارهم.

قرى بأكملها أحرقت أو دمرت فوق رؤوس أهلها، لاحقوا حتى الذين تمكنوا من الهرب في الغابات أو إلى الشواطئ للهروب عبر البحر، وقتلوا العديد منهم، وكانوا يدفنون الضحايا في طين البحر؛ وأدا للفضيحة، ومن استعصى عليهم قتله، ولم يتمكن من الهرب ورأوا أن لهم حاجة إليه، فقد أقيمت لهم تجمعات؛ كي يقتلونهم فيها ببطء وبكل سادية، تجمعات لا يعرف ما الذي يجري فيها تماما، فلا الهيئات الدولية ولا الجمعيات الخيرية ولا وسائل الإعلام يسمح لها بالاقتراب من هذه التجمعات، وما عرف حتى الآن أنهم مستعبدون بالكامل لدى الجيش البورمي؛ كبارا وصغارا، حيث يجبرون على الأعمال الشاقة ودون مقابل.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أراكان عندما أصبحت دولة مستقلة بعد دخول الإسلام حكمها 48 ملكا مسلما على التوالي، وذلك لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي (834 ه ـ – 1198، 1430م – 1784م) ، وهو ما يؤكد هوية تلك المناطق إسلاميا رغم محاولات انتزاع تلك الهوية التي تجرى حاليا على قدم وساق.

 

إعلان حقبة جديدة من الاضطهاد

ن1

وقد أكد متابعون للشأن في ميانمار أن الانتخابات التي أجرتها البلاد هي مجرد إعلان  لحقبة اضطهاد جديدة تجاه أقلية الروهنجا. فلا مؤشرات تدل على أن هناك انفراجة لأزمة أكثر من مليون مسلم.

وتبقى مسألة أقلية الروهنجا المحرومة من كل حقوقها الشرعية والإنسانية من الأكثر القضايا حساسية في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية: إذ حرمت السلطات المسلمين من حق التصويت، ولم يتجرأ أي حزب على ترشيح مسلم واحد ضمن قوائمه، وقالت منظمات حقوق الإنسان إن مئات الآلاف من المسلمين توجهوا إلى مراكز الاقتراع، لكنهم منعوا من التصويت؛ لأن النظام الحاكم في ميانمار (بورما) لا يعتبرهم مواطنين. ويبلغ عدد المسجلين في قوائم الناخبين 30 مليون.

وحتى الحزب الفائز في الانتخابات أي حزب الرابطة الوطنية للديمقراطية المعارض بزعامة “سانغ سو كي” اعترف بأنه سحب المسلمين من قوائم مرشحيه تحت ضغط من مجموعة من الرهبان البوذيين الذي أججوا توترات مناهضة للمسلمين في مرحلة الاستعداد للانتخابات، كما أن الحزب الحاكم السابق المدعوم من الجيش لازال يتمتع بـ 25 في المائة من مقاعد البرلمان، وهذا يضمن له بشكل كاف رفض أي تعديل على الدستور.

وقد حذر كل من المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية أداما دينغ والمستشارة الخاصة للأمين العام بشأن مسئولية الحماية جينيفر ويلز، من تداعيات الحملات العرقية والدينية المسيسة ضد مسلمي البلاد.

 

رد الفعل الروهنجي

ن2

وقد جاء رد الفعل الروهنجي طبيعيا، حيث أعرب اتحاد روهنغيا أراكان  (ARU) عن استنكاره واستهجانه من إبعاد المسلمين الروهنجا وحرمانهم من المشاركة في الانتخابات التي جرت في ميانمار بعد 25 عاما من الحكم العسكري وشبه الديموقراطي، وقال مدير الاتحاد البروفسور وقار الدين بن مسيع الدين في بيان صادر عن الاتحاد: إن ما أقدمت عليه حكومة ميانمار يعتبر تمييزا عنصريا، ومواصلة للممارسات اللا إنسانية والجرائم المستنكرة بحق مسلمي الروهنديا في ولاية أراكان، مضيفا أن وراء هذا الحرمان مخطط خبيث تديره أياد خفية تسعى إلى شق صف الوحدة الوطنية في ميانمار التي كانت تسير بروح التعايش الإنساني .

واتهم مسيع الدين الحكومة الحالية بممارسة ألاعيب خفية؛ لتحقيق أهداف سياسية عبر دعم وتشجيع الرهبان والمتطرفين البوذيين ضد المسلمين، وإشعال نار الفتنة بين العرقيتين؛ في محاولة لتصفية المسلمين وتهميشهم وإبعادهم عن مزاولة حقوقهم الأساسية ونيل كرامتهم، وطالب مسيع الدين باسمه وباسم الاتحاد حكومة ميانمار بإعادة المواطنة للروهنجا، والسماح لهم بمزاولة جميع حقوقهم الأساسية داعيا العالم إلى الوقوف بجانب المستضعفين والضغط على حكومة ميانمار لإنهاء جميع أشكال التمييز العنصري فورا، وإحلال الأمن والسلام بين العرقيتين في ولاية أراكان.

وقال عضو المركز العالمي، للروهنجا ومسلمي بورما، مرتضى عثمان، إن هناك اعتقاد شائع لدى قادة مسلمي بورما في مينامار، أن أوضاع الروهنجيين “المسلمين” ستتحسن بعد فوز حزب المعارضة أونغ سان سوتشي، لكن الحقيقة أن الأوضاع ستتحول إلى الأسوأ؛ لأن حكومة “ثين سين” السابقة، ستغير لعبتها لتخلق مشاكل جديدة في البلاد لتثبت أن حكومة “أونغ سانغ سوتشي” لا يمكنها تولي الحكم، ويكون أكبر ضحية في هذه اللعبة هم الأقلية المسلمة الروهنجا.

 

 

الاضطهاد يشمل المسلمين عموما

حتى المسلمين من العرقيات الأخرى غير الروهينجا عانوا من الاضطهاد كـ”سوي هلاينج” فهو ليس من مسلمي الروهينجا وإنما من مسلمي الكامان وهي واحدة من 135 جماعة عرقية معترف بها في ميانمار وتتمتع بحق المواطنة كاملا بخلاف الروهينجا المضطهدين.

لكن هذا المسلم البالغ من العمر44 عاما يقول إنه لن يمارس هذا الحق احتجاجا على حرمان معظم مسلمي الروهنجا الذين يعيش بينهم ويبلغ عددهم1.1 مليون نسمة من حق الانتخاب، لكن سوي هلاينج انتهي به الحال في مخيم للاجئين، معظم من فيه من الروهنجا خلال العنف الوحشي الذي تعرض له المسلمون عام 2012 ومنذ دخل المخيم بات يخضع لنفس قيود الحركة التي تفرضها السلطات علي الروهنجا.

والسؤال المطروح أين المنظمات العالمية مما يجري في هذا الإقليم، بل أين المسلمون من أراكان والاضطهاد الذي يجري لأهلها؟ وهل ستغير نتائج الانتخابات، السياسات الكارثية التي انتهجتها الحكومات العسكرية المتعاقبة التي سعت بكافة السبل إلى تدمير الروهنجا كشعب، خصوصا إذا علمنا أن زعيمة الحزب الفائز بالانتخابات “سانغ سو كي” كانت سجينة سابقة في سجون الحكم العسكري، فهل يكون شعورها بالظلم سببا لخلاص أقلية الروهينجا من هذا الاضطهاد الفاشي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد