يعتبر الخطاب السياسي بالمغرب بمسلكيه الرسمي (المخزن) والحزبي لحظة للتعبير الديمقراطي بما يختلجه من معان ودلالات لفظية تنهل من معين أيديولوجي، وفلسفة سياسية فكرية تحمل إمكانات الإجابة عن آمال المواطنين، وتطلعاتهم الآنية، وهو في سيميائيته يحتوي على تشخيص المعضلات وتقديم الحلول والبدائل الممكنة في سياق يسوده نوع من الواقعية السياسية.

ولأن المشهد السياسي المغربي (المنكوس) يعيش الفراغ على مستوى إبراز القيم والأفكار والنظريات السياسية التي ما زالت مرتبطة ببنيوية النظام المخزني (الذي يرى الأمور من زاوية أنبوبية ضيقة). والذي هو المحرك والدومينو الأساسي الذي بيده خيوط اللعبة السياسية على جميع المستويات، أما الأحزاب، التي من المفترض أن تكون القلب النابض لصوت الجماهير، فما هي إلا مجرد دمى تتحرك وفق تصور ورؤى مغلفة بمصالح اقتصادية وسياسية ضيقة لفئة معينة داخل النظام البنيوي السياسي المغربي أن المخزن وبجانبه الأحزاب – والتي تخلت عن وظيفتها التأطيرية نحو تشكيل رأي عام قوي وواع بقوة الخطاب السياسي – قد نجحوا نوعًا ما وإلى حد كبير في غرس وزرع بذور اللا حزبية واللا تحزب في الوعي السياسي المغربي وجعلوا من الخطاب السياسي عبارة عن حلقات للتهريج للسياسيين المغاربة بمختلف تلونهم ومشاربهم، وجعلوا من الخطاب السياسي أداة لضرب روح المواطنة في نفوس المواطنيين بسبب خطابهم البائس والمتلون.

خاصة بعد دستور 2011 الذي أقره عاهل البلاد بعد أحداث ما يعرف بالربيع العربي، والتي بالرغم من الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية (رئيس الوزاء) التي أعطيت له بموجب الدستور، إلا أن هذه الصلاحيات بقيت رهينة بتعليمات القصر الذي بيده الحل والعقد؛ مما خلق نوعًا من الاحتقان الشديد في المجتمع، خاصة الشباب الذين يعيشون نوعًا من الصراع النفسي والانتمائي بسبب تحوير مفهوم المواطنة وحصرها في امتيازات خاصة بفئة دون أخرى وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتي ما هي إلا فقاعة إعلامية يعتمد عليها الخطاب السياسي بالمغرب في استهلاكاته وخرجاته الإعلامية نحو الخارج.

إن انسحاب المجتمع المغربي من الحياة السياسية، وخاصة الشباب (المثقف)، والذي يمثل الفئة العمرية الأعلى في هرم السكان بالمغرب، ما هو إلا دليل على أن العقل السياسي المغربي يعيش نوعًا من العطالة والإعاقة في تدبير المشهد السياسي والارتقاء به نحو خطاب جدي وصادق بلورة لتطلعات الشعب وبعيدًا عن المزايدات السياسية الحزبية الضيقة، إضافة إلى أن المخزن، والذي يعتبر لبنة أساسية في بنيوية النظام، لابد له أن يراجع خطاباته السياسية التي تفتقر إلى التفعيل، والتي من المفروض أن تكون محركًا أساسيًا نحو تنمية اجتماعية جدية ونحو بناء مجتمع أكثر تماسكًا بما يتناسب مع تطلعات المواطنين، خاصة الشباب الذي لو فتحوا له الحدود لوجدوا أغلبه خارج الوطن؛ بسبب هذا الخطاب المتلون، والذي يفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية نحو تنزيل وتفعيل مضامين الإصلاح والنهوض بالقطاعات الحيوية بالمغرب التي تعرف نكسة حقيقة.

على المخزن وبجانبه الأحزاب، وما يدور في فلكه أن يدرك أن طبيعة المجتمع المغربي قد تغيرت، ولم يعد تنطلي عليه الخطابات التي لا تفعل على أرض الواقع؛ لأن العقل السياسي هو الخزان الذي تتبلور فيه الأفكار وتبنى التصورات والرؤى لتدبير الشأن السياسي في سياقات ومدارج العقلانية والموضوعية بما يتناغم مع متغيرات محيطه، وللأسف الشديد فإن خطابات العقل السياسي المغربي أضحى عنصرًا هدامًا، وليس عنصر بناء بفعل تعقيدات طبيعة بنيوية النظام السياسي المغربي المجهزة بأدوات دولتية حديثة والمسلحة بالتقليدية السياسية والدين التي استبدت بالمجتمع كاملًا، ومع تطور التخلف السياسي والمؤسساتي وتعزيز الانبساط الاقتصادي، يخترق المخزن جزئيات الحياة الاجتماعية بتوظيف قواه الخفية والظاهرة، (من أحزاب وأعلام وبعض منظمات المجتمع المدني….) إنه صنم حقيقي يستوجب فقط الولاء الاعمى لظلاله، إنها شجرة تخفي غابة من… واللبيب بالإشارة يفهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد