إن سألت عددًا من الشباب العربي الآن سؤالًا عن محددات العلاقات الخارجية لروسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، الثابت منها، والمتغير بتغير الأشخاص والمواقف، فكم منهم سيجيبك؟ وإن بخطوط عريضة، دون دخول في تفاصيل لا تهمه، إلا إذا كان طالبًا بالعلوم السياسية بالجامعة، وهل ظهور «طالبان» و«القاعدة» و«داعش» له علاقة بمدى توافر بيئة خصبة من عقول وسواعد عربية تعيد رسم الخريطة كما تريدها القوى العظمى؟ هل هناك حقًا من يريد هدم العالم العربي والإسلامي؟ وكيف ولماذا؟

الواضح للمتأمل للواقع العربي والإسلامي أنه طبقًا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية  يشكل الوضع الحالي مناخًا ممتازًا وبيئة خصبة للتطرف والانحراف بشكل من أشكاله، فعلى المستوى السياسي، نجد أن أنظمة الحكم القائمة تتخذ الديمقراطية «ديكور» يخفي وراءه كثيرًا من الفساد، ولا تمنح مواطنيها فرصًا حقيقية للتغيير وتداول السلطة، دون دخول في دوامة الدماء التي تطال الجميع، وما يحدث في الشام ليس منا ببعيد، كما أنها تعتمد ذوي الولاء، وتنحي ذوي الكفاءة، وتغض الطرف عن ممارسات الأجهزة الأمنية المخالفة للقانون؛ طالما كانت تقوي السلطة وتدعمها، وتسمح للوصوليين معدومي الكفاءة أن يقرروا مصير الأمم، وأن يصلوا للمجالس النيابية بطرق ملتوية؛ فيجد المواطن نفسه بين حكومة ليست على الكفاءة المرجوة، ومجالس نيابية هشة لا تشرع ولا تخطط مستقبلًا مضيئًا، وقوى أمنية يمكن أن تدهسه بمفرمة النفايات بدم بارد؛ حينما يدافع عن قوت عياله!

أما على المستوى الاقتصادي، فتحدث عن غلق منافذ الإنتاج، والتضييق عليها، وتشجيع الاستيراد بالكامل، والتخلي عن المنتج المحلي الوطني لصالح الأجنبي، وسيطرة رجال الأعمال على الأنشطة التجارية بالاحتكار المطلق، وقتل المشاريع الصغيرة في مهدها، وإنهاء أحلام الشباب في تأسيس شركاتهم الخاصة، وريادة أعمالهم، وضرب أوصال الصناعة الوطنية، وتجريف التربة الزراعية، والاستدانة الدائمة دون إنتاج حقيقي يعطي الأجيال القادمة القدرة على السداد، وللأسف نحن نغل أعناقنا وأعناقهم بالديون، حتى قبل أن يولدوا، وعن التجارب الناجحة تجدهم يتحدثون عن البرازيل وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتركيا وتايوان وإندونيسيا بكل حماسة، في القول، و ليس العمل، و ننتظر الحل دائمًا من كوكب آخر، ونعيد اختراع العجلة.

أما على المستوى الاجتماعي، فحدثني عن الأسرة التي تختفي معالمها يومًا بعد يوم، وتنهار روابط المحبة والثقة والعطاء والإخاء والتسامح والسلام مع النفس، وعن تأخر وتأجيل قرارات طبيعية، مثل: الزواج والإنجاب والخوف من تكوين العلاقات والعزلة والانفراد والرهاب الاجتماعي والانفصام الأخلاقي وادعاء المثالية والاستقامة والفضيلة وخراب الذمم والسرائر في عالم يتغير بسرعة، ولا يرحم المتقاعسين، ولا مكان فيه إلا للقيمة التي يقدمها الفرد والمؤسسة والحديث هنا يطول ولا يتسع المقام للإسهاب فيه.

وأما على المستوى الثقافي، فحدثني عن كم كتابا قرأت في العام الحالي، وفي كم مجالًا، وهل أنت اليوم مثلك في العام  2015 أو 2014 وهل تعتقد أن التعليم ينتهي بانتهاء الجامعة أو المعهد؟

هل تعرف كم جامعة في إسرائيل ضمن أفضل 50 جامعة في العالم؟ في المحتوى والبحث العلمي والإسهام الإيجابي في المعرفة الإنسانية؟

هل خططت يومًا لتتعلم العبرية أو التركية أو الفارسية أو لغات البلاد التي تتمنى الهجرة لها، وكأن مشاكلك ستنتهي في مطار «هيثرو» وإحداهن تهنئك بسلامة الوصول!

نحن الحل، نحن المتآمرون، ونحن المتآمر علينا، نعم، وضعنا الحالي يسعد بعض الغرب، لكن علينا أن لا نظل صامتين، ونحن نرى بأعيننا ظهور أجيال جديدة معدومة الثقافة والفكر؛ تكون صيدًا سهلًا للقريب والبعيد، وإنه لمن الشرف اليوم أن تنشر الفكر، وأن تقاوم الفكرة بالفكرة، وأن تدحض الحجة بالحجة، وأن تفكر قبل أن تقول، وما دامت البيئة الخصبة متوفرة للبذرة الخبيثة؛ فستطرح البذرة الخبيثة مزيدًا من الشوك والألم والدماء والتطرف.

أشكرك على صبرك حتى واصلت القراءة إلى هنا، وأؤكد أن الكلام إن كان فيه السم؛ فمن اليسير أن تستنتج أن الترياق هو تغيير الظروف بتغيير الممارسات التي ذكرتها وغيرها  سياسيًا واقتصاديًا، وبالتالي تدور الأمور وتتغير الأوضاع الثقافية والاجتماعية التي دائمًا وأبدًا تدور في فلك الإرادة السياسية، ولنعلم جميعًا أن كل يوم من التأجيل يرفع من ضريبة وتكلفة العلاج، ولنتذكر أن التشخيص واضح والعلاج فعال و مجرب، ولكن يبقى فقط من ينفذ بإخلاص، وقلوب وعقول وسواعد المخلصين معه، وإن غدًا لناظره لقريب.

و الله من وراء القصد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد