ينظر البعض إلى الإلهاء على أنه الوسيلة الناجعة للسيطرة على عقول الناس وسلب إرادتهم والتحكم فيهم، فهو قبلة يطوف بها كل ذي هدف ويستخدمه الكافة من حكام ومحكومين، يلجأ إليه الحاكم مع رعيته طمعًا في مرور أوقات الأزمات التي قد تعصف بحكمه، وهو حيلة قد يلجأ إليها الولدان مع أبنائهما أيضا.

ولكن السؤال هل كل الإلهاء يندرج تحت الحيل غير الشريفة؟ ومتى يكون الإلهاء مباحًا (بعيدا عن الحكم الشرعي) ومتى يكون غير مقبول؟ وما معنى الإلهاء القذر؟

في البداية

يجب التفرقة بين أنواع الإلهاء عامة وتصنيفاته، من حيث الغرض منه وما هي الوسيلة المستخدمة فيه؟ فليس كل الإلهاء غير مقبول أو يندرج تحت الحيل غير الشريفة، فربما يكون الإلهاء مقبولًا في وقت من الأوقات أو ضرورة من الضروريات أحيانا، فمثلا درجت تربيتنا في التعامل معنا ونحن صغار عند إعطاء الطبيب إبرة الحقن للطفل كانت الأم تقوم بإلهاء الطفل حتى لا يحس بألم الوخز، هذ الإلهاء كان مقبولًا وطبيعيًا في وقته وحينه ووسائله، وهناك مثال آخر عندما كان الأطفال في صدر الدولة الإسلامية وفي مهدها يتعلمون الصيام باسخدم أداة الإلهاء، وأصناف الإلهاء هنا من الوسائل الهامة للتعويد على الصيام، كإلهاء من يجوع منهم بالنوم، أو بألعاب مباحة ليس فيها بذل جهد، كما كان الصحابة الكرام يفعلون مع صبيانهم. والدليل في ذلك عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِى حَوْلَ الْمَدِينَةِ: (مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ)، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ رواه البخاري (1960) ومسلم (1136.

ولكن متى يكون الإلهاء غير مقبول؟

في العرف العام لا يقبل أحد من الناس أن يتلاعب الآخرون بعقله أو أن يسيطروا على تفكيره، وهذا الذي يحول الإلهاء المقبول إلى غير مقبول من خلال عدة طرق منها:

  • إذا كانت الوسيلة المستخدمة فيه مخالفة بكذب أو تدليس، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى المرأة تقول لابنها تعال وسأعطيك وقد مدت يدها إليه فقال لها لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة.
  • إذا كان الإلهاء هدفه الحصول على مكسب لا يصح أن تاخذه وليس من حقك كفعل اللصوص في إلهاء ضحايهم مثلا.

وبناء على التفريعات السابقة فان للإلهاء درجات منها المقبول وغير المشروع، ويستمر الإلهاء في درجات متقدمة حسب آلية وطبيعة استخدامه والمستهدف منه ليصل إلى الإلهاء القذر حسبما وسائله وأهدافه.

فما معنى الإلهاء القذر إذا؟

الإلهاء القذر هو وسيلة يتبعها كل من يريد إخفاء إخفاقه مستخدمًا وسائل مشروعة أو غير مشروعة، ساعيا لإخفاء الحقائق وتضليل العامة وسلب قدرة الرفض منهم.

وبالتالي سعت كثير من الأنظمة إلى أن يستخدموا هذه الآلة المسيطرة على العقل الجمعي لدرجة أن الكثير من هؤلاء تعمد دراسة سلوكيات الجماهير للوصول الى الطريقة المثلى في التأثير الجمعي على شعوبهم، وكان مما ساعدهم على ذلك أحيانا ما كتبه جوستاف لوبون (سيكولوجية الجماهير) ولنضرب مثلا بالإيطالي موسوليني الذي جعل من كتاب لوبون دستورا حياتيا يعيش به ووصفه من جاوروه بأن كتاب لوبون لا يفارقه أبدا.

وأصبح الحكام يدرسون الشعوب جيدا ولديهم القدرة من خلال مستشاريهم أن يعرفوا شخصية الفرد أفضل مما يعرف الفرد نفسه، وبالتالي أحسنوا (وهم المسيئون) في السيطرة على العقل الجمعي للشعوب، وأصبحت هذه الأنظمة في أغلب الحالات تملك سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم، فسهل عليهم إدارتهم لشعوبهم.

ولا يخفى ما نراه من تطبيق شبه حرفي لإستراتيجية إلهاء الشعوب وما توصلت إليه من وسائل ناجعة أحدثت التخدير المستدام في جسد الشعوب وما نتج عنه من تقبل الحالة الراهنة واعتبارها أفضل الحالات، فلا تتعجب

أن ترى شخصًا لا يجد قوت يومه يكمل شهره على الاستدانة ولا يكفيه ما يتاقضى من راتب حتى نصف الشهر، يقف في طابور طويل بمذلة بالغة حتى يحصل على أبسط حقوقه، وفي الأخير لو سألته لقال لك جملة مبكية

(أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق) تراه يعمل فترتين لسد احتياجات بيته ويعود متعبا يلعن أيامه ولياليه، وقد يقدم على إنهاء حياته، وفجأه تراه جلس ليشاهد فيلما ويهيم مع مسلسل وقد نسي ما به من هم.

ترى ما السر وراء المخدر الذي أخذه من جرعة فيلم أو من مسلسل أو من مباراة؟

السر في جرعة الإلهاء التي أخذها، وهذا الكلام لا ينافي أن يحصل الفرد على فقرة ترفيه نعم حقه ولكن إذا تعمد صانعو البرامج أو واضعو جداول المباريات الهامة أو برامج التوك شو أن يفجروا قضية لإلهاء الجماهير فهنا تحول الترفيه إلى إلهاء قذر والأمثلة في ذلك كثيرة.

إن حق المشاهد في الترفيه وحق الشركات في البث للبرامج الترفيهية، لا ينبغي أن يحول المتابع إلى شخص مسلوب الإرادة، ولا تعطي هذه الحقوق للأنظمة أن تغيب الحقائق عن شعوبها، وأن تداري على إخفاقها المتكرر من خلال تصدير قضية يهيم فيها الجميع وتضيع فيها الأوقات كمن يلهيك بقرش ليسرق منك كنزا، أو يلهيك بسب ليسرق منك روحك،

وهنا يكون الإلهاء القذر!

في الحلقة القادمة (وسائل الإلهاء القذر ونماذج منه)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد