لقد تغيرت الصراعات التي ميزت الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، لتستغل إسرائيل ذلك بالبحث عن حلفاء وأصدقاء جدد. هذا هو إعلان إسرائيل الموجه إلى بقية القوى الإقليمية في هذه المنطقة وإلى أي فاعل لديه القدرة على التأثير فيها. اتخذت إسرائيل زمام المبادرة بعد أن ظلت بعيدة جدًّا عن الأضواء سنة 2011 (الربيع العربي) لمواجهة خطر من أن تصبح معزولة بشكل متزايد. ومن أكثر رهاناتها أهمية التقارب مع دول الخليج وبشكل خاص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. الهدف منها تطبيع العلاقات مع البلدين، لوجود عدو مشترك بينهم وهو إيران، ودونالد ترامب يلعب دور المحفز الرئيسي لهذا التقارب الذي يمكن أن يغير النظام في المنطقة.

إذا كنا نتحدث عن نظام إقليمي ما المنطقة التي نتحدث عنها؟ المصطلحات ليست حيادية أبدًا، لا يعني ذلك الحديث عن العالم العربي، إذا فكرنا في هذه المنطقة كعالم عربي، تصبح إسرائيل جهة خارجية. لذلك، ستكون قوة في المنطقة وينطبق الشيء نفسه على تركيا أو إيران. من جهة أخرى، إذا تحدثت عن الشرق الأوسط أو استخدمت الاختصار الإنجليزي MENA (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، فإن إسرائيل قوة إقليمية كالآخرين. أحد أهم التغييرات في هذا النظام الإقليمي هو المزيد من البلدان التي تطمح إلى دخول هذه الفئة.

ومع ذلك، فإن التزام إسرائيل الأساسي لم يكن الاعتراف بها قوة إقليمية بقدر ما كان السعي إلى تطبيع علاقاتها، وخاصة من قبل الدول المجاورة. حتى سبعينيات القرن الماضي، كان الرهان الرئيسي هو إقامة تحالفات مع قوى غير عربية مثل (تركيا وإيران الشاه وحتى إثيوبيا هيلا سيلاسي). تغير كل شيء في عام 1979م بتوقيع اتفاقية السلام مع مصر من جهة والثورة الإسلامية في إيران من جهة أخرى. منذ ذلك الحين، بدلًا من محاولة صياغة تحالف مناهض للعرب، عززت إسرائيل علاقاتها مع دول مثل مصر والأردن. النهج الحالي لبعض دول الخليج يسير في الاتجاه نفسه.

لطالما قيل إن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين وجيرانهم العرب يحدد الوتيرة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لقد كان حجر الزاوية في الخصومات والتحالفات الإقليمية، كما أنه شكَّل السياسة الداخلية لجميع الأطراف المعنية. داخليًّا، في إسرائيل أو في دول عربية هناك قضايا تستغل أكثر من ذلك بكثير، على المستوى الإقليمي، اندلعت صراعات أخرى كتلك الموجودة في سوريا أو اليمن بشكل أكبر والتي تقاتل فيها القوى الإقليمية المختلفة من خلال وسطاء.

بعد الربيع العربي، اختارت إسرائيل الحيطة والحذر؛ فأي دعم من طرفها سيأتي بنتائج عكسية، تمامًا كما وقع عندما دعمت إرادة كردستان العراق في الاستقلال عام 2017م، فأضر بها. مع هذا الاستثناء، أظهرت إسرائيل براجماتية كبيرة من حيث وزنها، مصر هي الأكثر إثارة للاهتمام، حتى مع وجود حكومة معادية من الناحية النظرية كحكومة محمد مرسي في عامي 2012م و2013م، تمكنت إسرائيل من الحفاظ على اتفاقية السلام والتعاون العسكري في سيناء وإمدادات الغاز. رغم إقالة مرسي في عام 2013م ووصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى السلطة.

كما أجبر ظهور مصادر جديدة، إلى إعادة توجيه جهودهم إلى سيناريوهات أخرى. ولعل أبرزها تورط حزب الله في الصراع السوري. لقد دعمت الميليشيات الشيعية اللبنانية نظام بشار الأسد بسلاسة ولفترة، مما قلل مخاطر المواجهة المباشرة بين حزب الله وإسرائيل، رغم أن هذه الاستراتيجية ليست مستدامة على المدى الطويل. في هذا الوقت يتم التحذير في إسرائيل من أن إحدى نتائج الحرب في سوريا هي أن إيران لديها مواقع متقدمة أقرب إلى حدودها وأن حزب الله أكثر خبرة في ساحة المعركة.

بعد الثورة الإسلامية عام 1979م، لم تنشر إيران الخطاب المعادي للصهيونية فحسب، بل قدمت أيضًا دعمًا ماليًّا وعسكريًّا للجماعات التي تتعارض بشكل مباشر مع إسرائيل مثل حماس وحزب الله. تصريحات آية الله الخميني التي وصف إسرائيل بأنها عدو للإسلام وتصريحات الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بأن الهولوكوست ما هو إلا أسطورة وكذبة ما يزال يتردد صداها. هذه الأنواع من البيانات لها عنصر أيديولوجي قوي ولكنها تستجيب أيضًا للحسابات الاستراتيجية.

صورة لرئيس الوزراء نتنياهو وهو يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012م محذرًا بشكل مبسط إلى حد ما، من مدى قرب إيران من تجهيز نفسها بالأسلحة النووية. ركز فيها نتنياهو على إيران بوصفها التهديد الرئيسي لإسرائيل. أدى ذلك حتى إلى إبعاده عن الولايات المتحدة عندما دعم أوباما الاتفاق النووي الإيراني. طهران كتهديد من أولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية، كما جرى استغلاله داخليًّا مرارًا وتكرارًا لحشد الدعم المحلي وتقديم نفسه للناخبين على أنه القائد الذي تحتاجه البلاد لمواجهة مثل هذا التهديد الاستثنائي. وفي عدة مناسبات، دعا نتنياهو علنًا إلى شن هجوم على إيران.

نتنياهو ليس الوحيد الذي يرى في النظام الإيراني الحالي تهديدًا وجوديًّا. هناك بعض الممالك العربية في الخليج، خاصة ولي عهد المملكة العربية السعودية، «محمد بن سلمان»، وأبو ظبي، «محمد بن زايد». ينظر السعوديون إلى إيران كمنافس على المستويين السياسي والهوية. خصوصًا عندما يقدم السعوديون أنفسهم كقادة للإسلام السني، فإنهم يفعلون ذلك بمعارضة واضحة للنظام الإيراني وتسلسله الديني. في حالة الإمارات العربية المتحدة، كثيرًا ما يُذكر الصراع مع إيران على السيادة على جزيرتي طنب وأبو موسى.

غالبًا ما قرر السعوديون والإماراتيون الابتعاد عن الأضواء فيما يتعلق بقرار الرئيس الأمريكي نقل السفارة إلى القدس. ففي السعودية، تم اتخاذ قرار آخر ذي صلة: كالترخيص لأول مرة باستخدام المجال الجوي السعودي للرحلات التجارية من وإلى إسرائيل، وكسر حصار دام 70 عامًا. ولم تمر دعوة الإمارات لإسرائيل للمشاركة في معرض دبي العالمي في 2020م مرور الكرام، وفي بطولة 2018م للجودو في الإمارات، سُمح للرياضيين الإسرائيليين بالتنافس وعزف النشيد الإسرائيلي، دليل واضح على أن هذه المنافسة الرياضية كانت لها قيمة سياسية قوية بعدما أرسلت إسرائيل بعثة رفيعة المستوى بقيادة الوزيرة ميري ريغيف.

في محاولتها الاقتراب من دول الخليج، وضعت إسرائيل أنظارها أيضًا على الدول الأصغر. ففي سنة 1996م أقامت إسرائيل علاقات اقتصادية مع قطر، وفتحت مكتبًا تجاريًّا كان بمثابة سفارة الظل، التجربة لم تنجح في أعقاب عملية الرصاص الإسرائيلي على غزة عام 2008م، شددت قطر مواقفها. بعد ذلك، أدى اصطفاف القطريين مع تركيا والإخوان المسلمين، وحقيقة الترحيب بقيادة حماس في المنفى بعد خروجهم من دمشق أو الاستغلال المشترك مع إيران لحقول الغاز الطبيعي، إلى تغيير وجهة النظر السائدة لدى السلطات الإسرائيلية. ومقاطعة السعوديين والإماراتيين لقطر سنة 2017م لقي ترحيبًا من لدن الإسرائيليين، كلما اتسعت الهوة بين العرب كانت بردًا وسلامًا من جانب العدو.

أما البحرين الدولة الجزرية الصغيرة، التي تعتمد بشكل كبير على المملكة العربية السعودية، قدمت الإشارات الأكثر وضوحًا تجاه إسرائيل، إذ بدأت أولى اتصالاتها في منتصف التسعينيات وفي السنوات الأخيرة، أظهرت البحرين استعدادها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بشكل أوضح. لقد تحدث الملك حمد بشكل علني بحق إسرائيل في الوجود، ومن أهم حركاتها إرسال وفد إلى القدس عام 2017م بهدف تعزيز الحوار بين الأديان، وفي يونيو (حزيران) 2019م، انعقاد منتدى دولي في البحرين بمشاركة أكثر من ثلاثين دولة تحدثوا فيه، بحجة مناقشة الوضع الاقتصادي، بشكل أساسي عن خطة دونالد ترامب بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (صفقة القرن)، والتي ما زالت غامضة.

أما عُمان الدولة التي لعبت دور الوساطة  في الشرق الأوسط، ما زالت تحافظ على علاقات جيدة مع إيران. في أكتوبر (تشرين الأول) 2018م قام نتنياهو بزيارة مفاجئة لهذا البلد والتقى بالسلطان قابوس. لحد الآن ما زالت طبيعة الزيارة والغرض منها غير معروفة.

على الرغم من أن التقارب الإسرائيلي مع السعودية والإمارات يفسره قبل كل شيء إرادة التطبيع والعداء المشترك لإيران، إلا أنه يجب إضافة عامل خارجي إلى قائمة الأسباب: الإماراتيون والسعوديون والإسرائيليون يتشاركون في الشعور بالظلم تجاه إدارة أوباما، لا سيما فيما يتعلق بإيران، رحبوا بفوز ترامب، الذي حقق آمالهم عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو (أيار) 2018م. كما هناك اسم عَلم يظهر في جميع الأحاديث عند مناقشة ما يحدث في أروقة ومكاتب واشنطن، وهو اسم يوسف العتيبة السفير الإماراتي وأحد الرجال. الأكثر نفوذًا في العاصمة الأمريكية؛ قيل عنه إنه أحد مهندسي انحياز ترامب لمواقف الرياض وأبو ظبي، كما أنه سهل التقارب الإسرائيلي مع دول الخليج بفضل علاقته الوثيقة مع أصحاب القرار.

ومن المجالات التي تم الكشف فيها عن هذا التثليث صفقة القرن الشهيرة والتي حسب ترامب، العصا السحرية لحل الصراع العربي الإسرائيلي. على الرغم من عدم معرفة كل التفاصيل، ففكرتها الأساسية؛ إنشاء دولة فلسطينية صغيرة يتركز فيها جزء كبير من السكان العرب، وتتخلى عن القدس كعاصمة وعودة اللاجئين. من الصعب جدًّا أن يقبل الفلسطينيين هذه الصفقة، ولكن لإعادة النظر فيها، لا بد من الدعم السياسي والمالي من الخليج، وخاصة السعوديين والإماراتيين والبحرينيين، الذين كانوا على استعداد لدخول اللعبة، وهذا بلا شك ما يفتح الأبواب لإسرائيل.

إلى أي مدى يعد انفتاح إسرائيل على دول الخليج مؤقتًا أم أنه يستجيب لتغيير هيكلي في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا الانتباه إلى أربعة عناصر: أولًا هو مستوى التنسيق في حال تعرض أحد الطرفين لهجوم من قبل إيران أو حزب الله، أو إذا قرر أحدهما شن نوع من الهجوم الوقائي. والثاني هو تطبيع العلاقات. إذا قررت أي دولة من دول الخليج اتخاذ هذه الخطوة، فسيكون من الضروري ملاحظة ما إذا كان الآخرون يحذون حذوها، وأيضًا درجة التضامن في حال تعرض كل من يتخذ الخطوة الأولى لهجمات من دول عربية أو إسلامية أخرى. والثالث هو نتيجة عملية الإقالة والانتخابات الأمريكية 2020م؛ إذا استمر ترامب في البيت الأبيض، فستبقى حوافز التقارب بين إسرائيل ودول الخليج مطروحة على الطاولة. رابعًا يجب ألا نستبعد التأثير الذي قد تحدثه انتفاضة شعبية جديدة في فلسطين. إذا حدث هذا، فسيكون من الضروري أن نكون منتبهين للغاية إلى أي كفة سيتجه ثقل دول الخليج.

نزعت إيران الأقنعة الزائفة للأنظمة الخليجية التي كانت طوال قرن من الزمان تخدع الشعوب بأنها تمثل العرب والمسلمين وتسخر نفسها لمصالحهم، لتكشف عن حقيقتهم وبالدليل القاطع على أنها أنظمة كانت وما تزال وستبقى خنجرًا صهيونيًّا غرزته أيادي بريطانية وأمريكية في ظهر العروبة والإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد