مقدمة

من لا يعرف حركة التاريخ ليس بمقدوره أن يعرف أعداء الأمة ومن لا يعرف أعداء الأمة و الدين لا يعرف بتاتًا أبجديات السياسة ورموز صانعيها، فهذه مقولة ليست فلسفة مجردة بل هي من أساسيات المعرفة السياسية وقواعدها المتينة والراسخة في رسم السياسات بالتخطيط المتقن والممنهج بما تملكه القوة العظمى من إمكانيات متطورة من الأسلحة وجحافل قوات مدربة ومقتدرة بما توصلت إليه آلية التصنيع في الماضي والمتمثلة بالاستعمار القديم والهيمنة على البلدان عسكريا بتقسيمها وامتصاص خيراتها ومواردها القومية والتحكم في رسم منافذ حدودها استراتيجيًا، تحقيقًا لمصالحها الاستعمارية ومحاولة دمغها بالفكر الاستعماري وغزوها ثقافيًا وفكريًا.

فالسياسة في حقبة الماضي كانت واضحة المعالم والأبعاد بالتطويع والتدجين الاستعماري المادي المتمثل بالقوات العسكرية البرية والبحرية في استعمار واحتلال البلدان.

أما مفهوم السياسة في العصر الحديث يختلف كليًا بالأخص في الثلث الأول من القرن العشرين وما تلاه من القرن الواحد والعشرين، ومن بداية ذلك التاريخ بدأ تداخل السياسات مباشرة بعد جلاء الاستعمار من البلدان وإحلال من يقوم بمهامه وتنفيذ سياساته والأخذ بمنحنى نوعي سياسي خطير بتهيئة الجو والمناخ المناسب بخلق طبقات اجتماعية ورموز دخيلة بالدين والانتماء والفكر في بداية تسميم مرحلة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي وتنصيب هذه الرموز في اعتلاء سدة الحكم لتنفيذ المخططات الموكلة إليها في قمع الشعوب وإخماد حركاتها بالتحرر على مر الزمن والتاريخ.

فالمصالح مشتركة ومتبادلة لا تقاطع فيها بين المستعمر وسلطات الحكم المستبدة في القيام بدورها بجدلية المصلحة والمنفعة للحفاظ على عروشها والتمسك بكرسي سلطاتها.

ومن هنا بدأ التيه والتخبط في فهم مقومات أبجديات الفهم السياسي في دعم هذه الأنظمة وسلطات الحكم الجبري فيها امتدادًا لمسيرة الكولونيالية الاستعمارية وتسليم الوريث الشرعي المتمثل في الإمبريالية الصهيونية لإكمال مسيرة دوره وتنفيذها بالدعم المادي والعسكري حماية لمصالحه في المنطقة ورجالاته في أنظمة الحكم وربطهم بعجلة فلكهم الاقتصادي ورأس المال العالمي واستخدامه كسلاح فتاك ينخر أدمغة ورموز الأمة المسيسين فكريًا والموظفين صليبيًا وصهيونيًا لخدمة الغرب في خلط الأوراق والبعد عن الصواب والتوجيه الصحيح في تشويه الفكر وإرهاب الأمة بفرض سياسة الأمر الواقع باستخدام أساليب القمع والتنكيل لابتزاز الشعوب العربية والاسلامية للعمل على تركيعها ومحاربتها في قوت أطفالها لاستمرار حكم الأنظمة الطاغية وسلطاتها البوليسية بممارسة أساليب التجويع والتجهيل ليسهل السيطرة التامة على مقدرات الأمة لتكون أداة طيعة لخدمة مشروع دولة الكيان الصهيوني بحماية وحفظ مصالح الإمبريالية الأمريكية وحلفائها في المنطقة ضمن الاتفاقيات الدولية المزعومة.

فالسياسة في منطقتنا قديمة لها حدود ممنهجة حسب الهيمنة المُحكمة في توزيع أقطاب وأدوار رموز سلطات الحكم وأنظمتها بالبلدان العربية واختيارها كجسم غريب ومشبوه في المعتقد والدين والمشحون بالحقد والكراهية لدين الشعوب ومعتقداتها المذهبية واستخدامها كأداة حادة في التطهير العرقي والمذهبي وانتهاك الحرمات والاغتصاب والقتل الممنهج والتهجير القسري لملايين البشر من المسلمين السنة المستباحة دماؤهم كما يحدث الآن في سوريا من استئصال للعرق السني على أيدي النظام الشيعي الفارسي ومن يواليه من المد الشيعي المباشر والمستمر والمدعوم من الحلف الروسي الملحد.

ومن هنا تبدأ نقطة الانطلاق بترسيخ المفهوم السياسي وعمقه الأيديولوجي في تشريح الوضع السياسي بالعلاقة الجدلية التي لا انفصام لها بمفهوم أدوار الاستعمار العسكري القديم كمرحلة ترسيخ أساسية بجوهر الوعي السياسي وبين مفهوم أدوار السلاح العلمي وأدواته من استغلال رأس المال العالمي وسيطرة قوة الاقتصاد كسلاح وربطه بسلطات الحكم بالأنظمة العربية بمعالجة علمية ممنهجة لتنفيذ المخططات وإنجاح سياسات المشروع الصهيو-أمريكي.

ولكل بداية نهاية في خط سيرها أمام حتمية حركة الشعوب بمقاومة الاحتلال المخفي والظاهر بجميع أساليبه وأشكاله سواء المتمثل بالحقبة الماضية بمادية التاريخ أو العلو الأسمى بالعقيدة المتمثلة بالحتمية الإلهية وإعداد الجاهزية لها بقدر المستطاع، فسمو العقيدة مستهدف دومًا من أعداء الأمة بالمحاولات المستمرة بتزييف وتزوير مقومات الشعوب الإسلامية والعبث بمقدراتها وانتهاك حرمة مقدساتها ونهب خيراتها باستغلال عامل الزمن وحملات التسويف والتشتيت الفكري في الحرب الإعلامية المدعومة والموجهة لإجهاض نهوض الأمة وتأجيل تحررها ونسف استعادة مجدها التليد.

نظرية المؤامرة موجودة على مدى الزمن والتوغل في التاريخ، فلا جدال في ذلك فأعداء الأمة يرصدون حركة الشعوب ويتفننون بحياكة ونسج المؤامرات منذ القدم والأدلة في التاريخ الماضي السحيق خير دليل على ذلك، منقوشة بالحفر بكتابات الديانات والكتب السماوية ومسيرة قصص الأولين بداية ضد عباد الله الصالحين الداعين إلى الفضيلة والصلاح، وكفانا فخرًا أن نسترشد بكتاب الله وسنة رسوله الأمين في استمرارية التعرض للمؤامرات الخبيثة المبرمجة ومازالت تحاك بذات النهج بأمر من رموز الكفر وعتلة الكهنة والطواغيت.

فالأجدر بنا أن نعرف من هم أعداؤنا فلا يكفي لنا أن نعرف أعداء الأرض والعرض.. بل يجب أن نعرف من هم أعداء الفكر والدين.. فإذا كان الفكر مستوردًا والدين نستعمله نكهة وعادة نتستر بها بين الحين والحين وتفريغ محتواه من الاعتقاد واليقين.. فعندئذ نجهل ما يدور حولنا وتزل قدمنا عن موطئها والناتج عن ذلك هو التخبط في تحديد واجهة قبلتنا، فساعة نهتدي لها في اليسار وساعة نبحث عنها في اليمين؟ وندعي العلم والفهم ونحن في غياهب الجب ضالين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد