عندما كنا نعيش في البادية، كانت والدتي تقوم بتربية مجموعة من الأرانب داخل إحدى الحجرات في منزلنا، لدرجة أصبح هدا المكان معروفًا بـ(بيت القناين)، ومن خلال ملاحظتي لهذه الأرانب أنها كانت تعيش في مكان مغلق مظلم تتوالد وتتكاثر، فصغارها عندما تخرج إلى الوجود تجد نفسها تعيش في هذا المكان، حيث تستلم لقدرها، ولا تتوق إلى الحرية، فهذه الحيوانات الأليفة معروفة بأنها أكثر الحيوانات استسلامًا فهي تنتقل من يد لأخرى، دون مقاومة، فالطفل الصغير باستطاعته الإمساك بها من ظهرها؛ فتنقاد إليه بكل يسر.

فالأرنب يحتاج إلى ثلاثة أشياء في حياته: مكان آمن ينام فيه، وطعام يشبع بطنه، وأنثى من أجل التوالد، وكثرة النسل، وفي غياب هده المتطلبات، فالأرنب يمرض ويتألم، وبعدها يموت قهرًا من شدة الحرمان، ولكن ليست له الجرأة على تمرد أو عصيان على الوضع الذي يعيشه، وهناك صنف منها يتمرد، ويحاول عض كل من يحاول الإمساك به، هؤلاء المتمردون عددهم قليل، ولكن بأسهم شديد، فلهم القدرة على دفع الآخرين للتمرد والعصيان وخلق البلبلة داخل المجموعة؛ مما يضطر المربي الماهر إلى عزلهم في مكان ملائم للعيش، بالإضافة إلى إطعامهم أحسن الطعام، وتقديم الإناث لهم حتى يسلم من بأسهم، ويضمن عدم انتشار التمرد داخل بقية القطيع، وإن فشلت هذه الخطة يلجأ إلى خصيهم وتوفير المأكل لهم إلى أن يموتوا من التخمة.

المغرب كباقي الدول العربية والديكتاتورية، وخلال سنوات الرصاص، كان لا يتوانى في اعتقال المناضلين المخلصين، ويجعل منهم عبرة لكل من يسعى إلى التغيير والمطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، هذه العملية أنتجت لنا جيلًا من الأطر التواقة إلى الحرية، والانعتاق منهم من درس داخل المغرب، ومنهم خارجه؛ مما أهلهم إلى الحصول على وظائف مهمة جعلتهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، ومع ذلك صمدوا في وجه القمع دفاعهم المستميت على الطبقات الشعبية التي جعلت منهم أيقونات للنضال، ومنهم من أصبح رمزًا يحتذى به.

ومع مرور الوقت جاءت عملية الاستقطاب المخزني مستعملة أحد رجالاتها نظرًا لاطلاعه على خبايا الرفاق، وكذا احتكاكه بهم خلال مرحلة دراستهم الجامعية، فكان صلة وصل بين ممثل المخزن، وهؤلاء المناضلون السابقون الذين كانوا يدعون إلى التمرد على الوضعية المزرية لأبناء شعبهم؛ مما أدى بالمخزن إلى عزلهم عن الآخرين، وتوفير ما يحتاجونه من مال وسلطة وترقية اجتماعية، واستسلم الرفاق أمام حلاوة السلطة ونعيمها، ونظرًا لتكوينهم السياسي استطاعوا الوصول إلى مراكز القرار، فوجدوا أنفسهم أمام آلة مخزنية لا تقي ولا تدر، فهم لا يستطيعون التراجع أو الانزواء. ورغم أن البعض منهم تراجع إلى الوراء، فالآلة المخزنية لم تثنه خلال عملية توزيع المناصب – سفراء برلمانيين.

الخطة كانت مضبوطة ومحكمة تمام الإحكام، فاللقاءات الأولى شهدتها الصالونات المخملية بالعاصمة ونواحيها، صالونات لم يكن الرفاق يحلمون بالجلوس داخلها، لكن بمجرد القبول الجلوس بها حتى عبدت لهم الطريق لامتلاك مثلها أو أحسن منها.

الرفاق الذين ذاقوا عذابات السجون، واكتووا بنار سنوات الجمر والرصاص، وصدحت حناجرهم باللاءات الثلاث، ها هم اليوم يعيشون في رغد، تاركين الشعارات وراء ظهورهم غارقين في ملذات السلطة والجاه بدعوى خدمة الشعب، فتحسنت وضعيتهم، وساءت وضعية الشعب الذي حملهم على الأكتاف، وتنكروا له بمجرد وصولهم إلى السلطة التي يعرفون أنها شكلية، ولا تتماشى مع مبادئهم الأصلية المتنكرين لها، لكن كل هذا لا يهم ما دام الحفاظ على المنصب والحظوة الاجتماعية والسياسية، وفي كل مرة يظهرون على شاشات التلفزيون، واعدين الشعب بالفتح المبين، وهم بعيدون كل البعد عن مجال الحل والعقد مجرد (كراكيز) في يد رجل طوله نصف متر ترتجف فراء سهم منه لأنه وفر لهم المأكل والمشرب وكان سببًا في رقيهم الاجتماعي والمادي، وأصبح بذلك مربي أرانب بامتياز لا يشق له غبار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد