صعقة، وأنا أتابع برامج تلفزتنا الموقرة، ببث وصلة إشهارية تحث على اقتناء الشقق الاقتصادية، حيث تطالعنا معلمة تطلب من تلامذتها حل معضلة السكن التي تؤرقها، حيث تأمرهم بحل معادلة رياضية حول كيفية الحصول على شقة بأسهل الطرق، فيتقدم منها تلميذ ويقدم لها الحل المتمثل في اللجوء لمجموعة سكنية، المجموعة التي توفر شققًا بأثمنة جد بخسة. فتهرع وتسرع المعلمة تاركة الفصل متوجهة لمكاتب المجموعة العقارية.

هذه الوصلة التي تهين المعلمة وتقدمها بصورة الفقيرة البئيسة المتهافتة، أو المرأة التي لا يهمها الدرس والتدريس أو مصلحة التلاميذ، بقدر ما تهمها مصلحتها الخاصة. تؤكد بالملموس أن الحرب أضحت مفتوحة في جميع الاتجاهات وبكافة الوسائل على هيئة التدريس بهذا البلد المكلوم المسمى مغربًا، عشرات النكت والمواقف الساخرة عن الأستاذ البخيل المتهاون، ثم بعد ذلك تسييج علاقة الأستاذ بالتلميذ من خلال عشرات المذكرات التي جعلت من التلميذ أسدًا والأستاذ فأرًا وتشرعن العنف المتبادل وتدفع نحو التصعيد وتحويل الفضاءات المدرسية لحلبات الملاكمة والمواجهة المتواصلة، بعد أن كانت ساحة للمحبة والمعرفة. ولعل حادثة أستاذ خريبكة تقدم شهادة بليغة عما وصل إليه التعليم ببلدنا العزيز، تعليم يستهتر بالقيم الأخلاقية وبقيمة العلم والمعلمين ودورهم في تربية الأجيال وبناء الوطن.

قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا، هكذا كتب يومًا أمير الشعراء أحمد شوقي، لكن تلاميذتنا النجباء الأحرار في فعل ما يريدون، حسب التوجيهات والسياسات التربوية الحديثة، حولوا البيت الشعري الحكيم إلى بيت من السخرية الغارقة في الفجاجة واللجاجة.

غير بعيد كان للمعلم مقامه وهيبته وجلاله، لحظة دخوله الفصل الدراسي، يتحول هذا الأخير إلى محراب، فقد كانت طلته تكفي لبث أقصى درجة من الاحترام والانتباه في نفوس التلاميذ، فماذا حدث له اليوم؟ أو بالأحرى ماذا حدث لبعض التلاميذ من أبنائنا؟ وهل للمجتمع دور في تدنى المستوى الأخلاقي لبعض الأبناء؟ وهل للمنظومة التعليمية يد فيما يحصل للأسرة التعليمية من سب وشتم وانحطاط للكرامة؟

كتب بيداغوجية وديداكتيكية ونظريات ورؤية استراتيجية حالمة على غرار ما نشاهده اليوم في مؤسساتنا التعليمية من عنف رمزي ومادي، فالواقع شيء وما نريده شيء آخر.

قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون بسورا (البسورا باللغة الإسبانية هي الزبالة).

نعم لقد أصبح المعلم مجرد زبالة يمسح فيه الرجلين واليدين كل قليل الحياء، ويقف ضده كل من يحاول تقديم نفسه مناضلًا أو مدافعًا عن الطفولة المغتصبة التي من حقها الصراخ والشغب، وسب الأستاذ دون وازع أخلاقي، والمطالبة في الآن نفسه، بمعاقبة كل مدرس فقد أعصابه دون النظر لخلفيات وظروف ما وقع، ودون البحث عن إمكانيات التخفيف، حتى ولو كان ما حدث قد حدث خلال حصة للدعم، بمعنى أن الأستاذ كان يشتغل خارج الساعات المفروضة عليه؛ أي أنه متطوع للرقي بمستوى التلميذ الذي قد يضربه بالطباشير أو يوجه له لكمة ترديه أرضًا أو شتيمة تجرح كبرياءه وتترك ندوبًا في نفسه مدى الحياة. في المقابل، التلميذ من حقه أن يلهو ويلعب ويشاغب خارج الفصل وداخله، متى شاء وأنى شاء وكيف ما شاء، ولا حق لأحد أن يخرجه من الفصل أو يوبخه ويوقفه عند الحد.

الوصلة الإشهارية المتحدث عنها أعلاه دليل آخر على أن الجميع استقال في هذا البلد، وأن جهات غير معروفة توجه دفة الأحداث في الاتجاه الذي يخدم مصالحها ويحفظ وجودها ويضمن لها الحق في وضع اليد على كل شيء، نعم كل شيء، أما الهيئة العليا للسمعي البصري (الهاكا)، والقيام بدورها في مراقبة ما يعرض من زبالة على شاشاتنا، فهي في عطلة مفتوحة حتى مجيء الطوفان الذي سيجرفنا جميعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد