هل كانت الإنتخابات عبر التاريخ السياسي للجزائر المستقلة وسيلة ديمقراطية للتداول على السلطة أم لاحتكارها ؟

تشيع في الجزائر عبارة «الانتخابات هي الحل»، والمقصود بها أنها سبيلٌ لحل الأزمات السياسية للنظام، وإعادة تشكيل موازين قوى جديدة، ورسم سياسات واستراتيجيات مختلفة، وهندسة فضاء سياسي مغاير في تجلياته وأدبياته لسالفه، فهل فعلًا يمكن للانتخابات أن تحقق كل ذلك أو بعضه؟

بالعودة إلى بعض المحطات المفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة، يمكننا بكل سهولة أن نجيب عن هذه الفرضية بالسلب أو الإيجاب، وحتى تجارب بعض الدول- خاصة العربية منها- تطلعنا على إجابات وافية حول: هل يمكن عد الانتخابات وحدها، خاصة في الأنظمة التسلطية التي لا تشهد تداولًا سلميًّا ودوريًّا للسلطة، فرصة حقيقية للتغيير والإصلاح؟

وفي سبيل البحث عن الإجابة في السياق الجزائري؛ سنستقصي بعض المعالم التاريخية التي مرت بها الجزائر وما صاحبها من أزمات، وهل كان للانتخابات بوصفها «متغيرًا مستقلًّا» دور في حلها أم في ترحيلها؟ ومن هذه المحطات التاريخية نذكر:

1) في29 سبتمبر (أيلول) 1962، وبعد استقالة رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة، أصبح أحمد بن بلة رئيس أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال، بعد أن نال ثقة المجلس الوطني التأسيسي بـ141صوتّا لصالحه مقابل13معارضًا.

2) وبعد أن وافق الشعب الجزائري على الدستور الأول للبلاد، رُشح بن بلة أول رئيس للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وانتخبه الشعب بأغلبية ساحقة في استفتاء 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1963.وفي مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي انعقد في أبريل (نيسان) 1964 انتُخب أمينًا عامًّا للمكتب السياسي.

3) وفي19 يونيو (حزيران) 1965 ينقلب بومدين على ابن بلة (المنتخب) بعد اشتداد الخلافات بينهما، وتنامي الأطماع السلطوية، ليعتقله طوال فترة حكمه، التي لم تشهد أي انتخابات أو برلمان، وعرف بومدين بالتشريع عن طريق الأوامر إلى غاية وفاته، رحمه الله.

4) عقب وفاة الرئيس بومدين في27 ديسمبر (كانون الأول) 1978وقع نزاع شهير بين بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي (رئيس مجلس الثورة) على خلافته، ليتدخل الجيش بعد دور كبير لقاصدي مرباح خصيم بوتفليقة، ويحسم الأمر لصالح الشاذلي في9 فبراير (شباط) 1979، ويعينه رئيسًا بتزكية من طرف مجلس الثورة، ثم أعيد انتخابه رئيسًا للجزائر مرتين على التوالي في 1984 ثم 1989.

5) في عهده قام الشاذلي بعدة إصلاحات، وسعى لتغيير المشهد السياسي والعفو عن كبار المجاهدين، غير أن تهاوي أسعار النفط في1996، وتدهور الوضع المعيشي، والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية لم تسعفه، ففي 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 وقعت أحداث عظيمة ومظاهرات في عدة ولايات، جرى فيها حرق ونهب المؤسسات العمومية، قابلتها قوات الأمن بالقمع الشديد، وتحت ضغط الشارع بإيعاز من عصابة المال، وجماعات الضغط أقر – وعلى عجل دون تخطيط- دستور 1989 الذي جاء بحزمة إصلاحات سياسية واقتصادية وإعلامية واجتماعية، وجرى على إثرها الانتقال من عهد الأحادية إلى التعددية.

6) وكان من نتائج هذا التحول السياسي الفوز الساحق لحزب جبهة الإنقاذ الإسلامي FIS في الانتخابات البرلمانية في الدور الأول بأغلبية المقاعد (188مقعدًا)، وسط ذهول الجميع في26 ديسمبر 1991، الأمر الذي أربك المشهد السياسي خاصة السلطة القائمة والطبقة السياسية.

7) على إثر ذلك وبعد ضغط كبير من جهات نافذة يستقيل الرئيس الشاذلي في 11 يناير (كانون الثاني) 1992ليتفاجأ حينها الجميع بأنه حلَّ قبل استقالته المجلس الشعبي الوطني برئاسة عبد العزيز بلخادم لتدخل البلاد فورًا في فراغ دستوري؛ لأن الدستور ينص على أنه في حالة استقالة رئيس البلاد يخلفه رئيس المجلس الشعبي (مجلس الأمة لم يكن آنذاك)، وهنا وقع شغور في المنصبين، وقد كانت أزمة سياسية خطيرة ومعقدة، أدخلت البلاد في مرحلة انتقالية تسبب فيها الانقلاب على الإرادة الشعبية وتعطيل المسار الانتخابي.

8) في11يناير 1992، وبعد تدخل أطراف داخلية وخارجية قامت قيادة الجيش بقيادة خالد نزار، والعربي بلخير، وتوفيق مدين (الجناح العسكري)، وبتأييد علي هارون، ورضا مالك، والهاشمي الشريف – رئيس الحزب الشيوعي- والأفافاس والأرسيدي (الجناح السياسي) بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية وإيقاف المسار الانتخابي.

9) وفي26 يناير 1992 أنشئ المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف؛ لتسيير المرحلة الانتقالية، وكانت تجربة سلبية، احتُكرَت فيها السلطة آنذاك من طرف الاستئصاليين أصحاب عقيدة «الكل الأمني» وقد تسببت مواقفهم وسياساتهم في إغراق البلد في حمام الدماء.

10) في29 يونيو 1992 اغتيل محمد بوضياف وكان حدثًا تراجيديًّا صدم الجزائريين وأدخل البلاد في أتون الإرهاب واللاشرعية، وأوبقها في فراغ رهيب بعد اغتيال آخر أمل للتغيير، وبعدها كان الجميع يتحاشى رئاسة البلاد، لتمكث زهاء ثلاث سنوات بلا رئيس شرعي (من92 إلى 95 تاريخ انتخاب زروال) .

11) وفي 2 يوليو (تموز) 1992يعين علي كافي رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة خلفًا لمحمد بوضياف، وقد كان أحد أعضائه.

12) ولتعويض البرلمان المعطل؛أنشئ المجلس الوطني الانتقالي من28  مايو (أيار) 1994إلى31 يناير 1997، وتكوّن من192عضوًا معيّنًا برئاسة عبد القادر بن صالح (برلمان المرحلة الانتقالية).

13) وفي30 يناير 1994يعيّن اليامين زروال (وزير الدفاع منذ 10 يوليو 1993) رئيسًا للدولة لإدارة المرحلة الانتقالية.

14) وفي16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995ينتخب زروال رئيسًا للجمهورية في انتخابات شابتها شبهات تزوير باعتراف العديد من الفاعلين آنذاك، وقد تنافس فيها زروال مع محفوظ نحناح، رحمه الله، رئيس حزب حركة مجتمع السلم.

15) ثم جاءت الاستقالة المفاجئة للرئيس زروال في11سبتمبر (أيلول) 1998، وإعلانه عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة 27 أبريل (نيسان) 1999، وترشح لها ست شخصيات، من بينهم زعماء تاريخيون: كحسين آيت أحمد، وطالب الإبراهيمي، وقائد الولاية التاريخية الرابعة المجاهد يوسف الخطيب، ومولود حمروش، وعبد الله جاب الله.

16) بعد توارد أنباء متواترة عن وقوع تزوير كبير لصالح مرشح الجيش عبد العزيز بوتفليقة، طلب المرشحون لقاء الرئيس زروال لتبليغه تحفظاتهم؛ فرفض استقبالهم، مما دفعهم إلى الانسحاب قبل يوم من الانتخابات، وطلبوا من مناضليهم عدم التصويت ومغادرة مراكز الاقتراع، ومع ذلك أجريت الانتخابات ليكون الفوز الساحق للمرشح بوتفليقة بنسبة73.79%!

17) وبعد استنفاد عهدتيه الرئاسيتين كما ينص عليه الدستور، عدل الرئيس بوتفليقة (72سنة) في2008 الدستور وفتح العهدات الرئاسية، ورفض عرض هذه التعديلات على الاستفتاء الشعبي، وفضل تمريرها على البرلمان المكون من الأغلبية الموالية له، ليفوز بعدها في انتخابات 2009 بنسبة تبلغ 90.24% من الأصوات!

18) وفي27 أبريل 2013 يصاب الرئيس«بنوبةٍ إقفاريةٍ» تقعده لغير رجعة، أين ظن الجميع أنه غير مؤهل للقيام بمهامه، ومع ذلك ترشح للعهدة الرابعة وفاز في انتخابات 2014 التي لم يخاطب فيها شعبه، ولم يقم بأية حملة انتخابية بصفة شخصية بنسبة 81.53% من الأصوات!

19) في 2016 يعدل بوتفليقة الدستور، ويعيد عدد العهدات الرئاسية إلى سابق عهده (عهدتين فقط)، فيظن الجميع أنه آخر عهده بالرئاسة، ليتم إيجاد «تخريجة قانونية» تَعْتَبِر أن هذه العهدة هي الأولى له بعد التعديل الدستوري! وليُفتح له باب الترشح لعهدة خامسة في أيريل 2019.

20) وعلى إثر ذلك خرج الشعب منتفضًا ولافظًا كل أعباء الحقبة البوتفليقية، ومطالبًا بإلغاء العهدة الخامسة ورحيل رموز النظام الفاسد في22 فبراير 2019.

21) أما عن الانتخابات البرلمانية فمنذ توقيف المسار الانتخابي في أول انتخابات برلمانية بعد التعددية في11 يناير 1992، لم تجر أي انتخابات إلى غاية مجيء زروال الذي شهد عهده نزاعًا شهيرًا بين السلطة وحزب جبهة التحرير بقيادة عبد الحميد مهري، فلجأت السلطة حينها إلى إنشاء حزب التجمع الوطني الديمقراطيRND بديلًا عن حزب FLN، وجرى ذلك قبيل الانتخابات التشريعية لسنة1997بثلاثة أشهر، ليفوز في الانتخابات بالأغلبية (156مقعدًا من أصل380 مقعدًا) وترتب الجبهة في المرتبة الثالثة ب64 مقعدًا.

22) وبعد إسقاط مهري وفق ما سمي آنذاك «بالمؤامرة العلمية في17يناير 1996» عادت جبهة التحرير إلى الصدارة لتنال الأغلبية في انتخابات2002 ب199 مقعدًا (من 64 إلى 199 مقعدًا في ظرف 5 سنوات!) ويتقهقرRND إلى المرتبة الثانية ب47 مقعدًا (من156إلى48 مقعدًا في5سنوات!)

23) وفي الانتخابات البرلمانية لسنة2007 تواصل الأفلان صدارتها على المشهد التشريعي ب 136مقعدًا يليها أيضًا حزب التجمع RND ب61 مقعدًا.

24) أما في انتخابات2012 فقد حاز فيها الأفلان الأغلبية ب220 مقعدًا من أصل 462 يليه دومًاRND ب68مقعدًا.

25) وفي انتخابات2017يبقى المشهد السياسي عصيًّا على التداول، لتتصدر الأفلان FLN مرة أخرى بـ164مقعدًا، يليها دومًا حزب RND بـ97مقعدًا.

26) وإضافة إلى الانتخابات البرلمانية فإن الانتخابات المحلية تشهد الاحتكار نفسه والترتيب بين حزبي FLN وRND اللذين يستحوذان على أغلبية المجالس الولائية والبلدية.

وهنا نتساءل: لماذا لم تتغير الخارطة السياسية بالجزائر؟وما الذي يقف عائقًا في سبيل تحقيق التداول السلمي للسلطة منذ1991؟

إن الناظر إلى التجارب والأزمات السابقة التي مرت بها الجزائر، لا يمكنه الادعاء باستحالة وجود حلول توافقية للأزمة الحالية، كما لا يمكنه الادعاء أيضًا أن الانتخابات وحدها كانت الحل أو جزءًا من الحل للمعضلة المؤرقة للنظام السياسي الجزائري؛ فقد لاحظنا كيف أن الانتخابات التي أجريت في كل المحطات السابقة لم تغير من طبيعة الوضع القائم منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، بل أدت إلى ترحيل الأزمات، وكان كل رئيس يبرئ ذمته ليتخلص وليلقي بالحمل الثقيل على من يأتي بعده، وهذا يعود إلى أن السلطة حرصت طيلة هذه السنوات، وإبان كل هذه الأزمات، على طرح حلول شكلية أحادية لا تشرك فيها الجماعة الوطنية، ولم تتسع فيها دوائر الاستشارة لكافة النخب والفواعل الوطنية، بما فيها المعارضة الحقيقية، فكانت تكتفي بجماعات المساندة والتأييد، ومن سار في فلكها وقبل بشروطها، ولم تقع دراسات وانتقادات عميقة وصادقة لاختلالات النظام السياسي، ومحاولات رسمية لإصلاحه وتأسيسه على قواعد راسخة وتقاليد نزيهة وشفافة.

ومع أن الانتخابات تمثل الأداة الأكثر ديمقراطية في النظم السياسية الحديثة، والتي من خلالها تُجَسَّدُ السيادة الشعبية والشرعية القانونية على نظام الحكم، غير أنه لا يمكن الاكتفاء بها وحدها في حل الأزمات السياسية للأنظمة التسلطية، فلا بد أن تصاحبها مجموعة شروط وإجراءات قبلية حتى يكون لها أثر عملي في حياة المجتمع، وتحمل قيمة مضافة تعيد هندسة المعادلة السياسية، ولا تكون ذريعة لتجديد النظام والإبقاء على ممارساته وروحه ولو بتغيير الهيكل.

ومن الشروط الموضوعية التي يجب أن ترافق عملية الانتخابات حتى تمثل الحل أو جزءًا من الحل للمعضلات السياسية خاصة لدى الأنظمة العربية ما يلي:

1- وجود قواعد واضحة ونزيهة للعمل السياسي تضمن مبدأ التداول السلمي على السلطة، وتشمل: الآليات، والأنظمة، والشخصيات، والقوانين.

2- كفاءة المعارضة وقوتها وقدرتها على صناعة التغيير وتبني المطالب الشعبية وبناء تكتلات سياسية صلبة.

3- قدرة قوى المعارضة على حشد وتجنيد الجماهير، وإيجاد البديل الذي يمثل تطلعات الشعب وتجتمع عليها كتلة غالبة من المجتمع، حتى يمكنها أن تمثل البديل الأنسب لقوى النظام.

4- اختيار مرشح توافقي يمثل تطلعات الجماهير التواقة للتغيير، وإسناده بالدعم الشعبي واللوجستي.

5- تمكن قوى المعارضة والتغيير من القدرة الإقناعية والاستقطابية، وهذا ينبني على نوعية الخطاب السياسي وقوة وكفاءة البرامج والبدائل المطروحة، والشخصيات القيادية.

6- شرعية الحكومة وتمتعها بالقابلية والمصداقية الشعبية.

7- تطوير النظام الانتخابي بإدخال البرمجيات الرقمية وتمكين المواطن والأحزاب من مراقبة القوائم الانتخابية بطريقة آلية ومباشرة، عن طريق وضعها في برنامج خاص يتمتع بالدقة والحماية اللازمة.

8- كفاءة اللجنة المستقلة للانتخابات في إدارة العملية الانتخابية من خلال:

أ‌- أن تضم في عضويتها الكفاءات النزيهة والمحايدة، التي لم تتورط في شبهات الفساد وطنيًّا أو محليًّا أو كانوا مشاركين في التمكين للنظام السابق.

ب‌- شمولية التنظيم والإشراف: أي قدرتها على تغطية كافة الدوائر الانتخابية بما يحقق الاستقلالية التامة عن الإدارة.

ج- عدم تحزب أعضائها وطنيًّا ومحليًا.

ث‌- أن تنتخب الهيئة المركزية والمندوبيات المحلية من فئات مجتمعية متجانسة (قضاة، محامين، نقابات، أساتذة…) وعدم تعيينهم من السلطة التنفيذية بأي طريقة.

ج‌- التمتع بالاستقلالية التامة عن الجهاز البيروقراطي للسلطة.

9- إنشاء اللجنة المستقلة لا بد أن يتمخض من حوار وطني شامل.

وبناء عليه وجب التفكير الجدي والمسؤول لحل أزمة النظام السياسي الجزائري وفتح حوار وطني جاد وملزم وشامل، يضطلع به الأمناء وذوو الكفاءة لتغيير النظام السياسي بآلياته وأدواته، كما نادى بذلك عبد الحميد مهري، رحمه الله، والعديد من المفكرين، والذهاب إلى عهد جديد تسوسه المعرفة والذكاء ويسوده التطور والبناء.

* تم الاعتماد في ضبط التواريخ وتوثيق الأحداث على عدة مراجع ومواقع، والشهادات للتحقق والتأكد من الأحداث والمعالم التاريخية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد