صاحب اعتلاء الرئيس الأمريكي الراحل «فرانكلين روزفلت» كرسي الرئاسة، ظهور عهد جديد في حياة أمريكا السياسية في الشئون الداخلية والخارجية، فقد أصبحت البلاد آهلة بالسكان وزادت الحدود، وتطورت الأمة من جمهورية صغيرة مناضلة إلى دولة من الدول العظمى.

وصمد نظامها السياسي لتقلبات الحروب الأهلية والخارجية، كما تحملت تقلبات الرخاء والأزمات، وتحققت إلى حد كبير أمنية التعليم المجاني، كما ظلت حرية الصحافة وحرية العبادة تسيران وفق المُثل العليا.

فقد بلغت الولايات المتحدة الأمريكية سن الرشد بين أعتى حربين «الحرب الأهلية الأمريكية– الحرب العالمية الأولى»، وفي أقل من 50 سنة تحولت من جمهورية ريفية إلى دول مدنية ولم تعد للنمو حدود؛ ولكن هذا النمو اقترن ببعض المساوئ، فقد أخذ الاحتكار ينمو، وساءت أحوال العمل في المصانع، وعانت من نمو السكان المتزايد، ولم تستطع تنظيم شئونها.

من قلب اليأس

أغلق روزفلت المصارف 10 أيام لوقف المضاربة على الذهب، وأجبر المصارف بإيداع كل ذهبها لدى الاحتياطي الفيدرالي، وأصدر قرارًا يُرغم المواطنين أيضًا بتحويل الذهب لديهم إلى دولارات فورًا، ثم رفع سعر الذهب من 20 دولارًا إلى 32 دولارًا، أي خفض العملة 60%؛ مما سمح للفيدرالي بطباعة المزيد من النقود لدعم الاقتصاد.

في الأشهر الأولى من ولايته، وقع قانونًا عرف بـ«نيو ديل»، تم بموجبه إنشاء 42 وكالة جديدة من بينها الضمان الاجتماعي، ولجنة الأوراق المالية على الودائع الاتحادية؛ بهدف خلق فرص عمل، وحماية الاستثمارات، والسماح بإنشاء النقابات.

انخفض معدل البطالة خلال عهده من 25% مطلع ولايته إلى 1.2% عام 1944، أما الدين العام فتضاعف نحو 10 مرات إلى أكثر من 200 مليار دولار.

يقول أحد الكُتاب: إن الحرب الأهلية الأمريكية كانت جُرحًا بليغًا في تاريخ البلاد كان نشوبها إيذانًا بتحقيق التغييرات، التي لاح طيفها في السنوات العشرين أو الثلاثين السابقة.

فقد عَجّلت هذه الحرب باتخاذ طريق اقتصادي كان من دعائمه الرئيسية استغلال براءات الاختراع. ومع ذلك فإن المُفكرين الأمريكيين لم يرضوا عن الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ وكان زمام الحكومة المحلية والبلدية غالبًا في أيدي سياسيين ومسؤولين مُرتشين، فانتشرت روح المادية في جميع مرافق الدولة.

وعلا صوت الاحتجاج الصارخ في وجه هذه المساوئ، واستطاع أن يصبغ التفكير الأمريكي والسياسة الأمريكية بصبغته الخاصة من عام 1890 إلى قرابة الحرب العالمية الأولى.

فمنذ الانقلاب الصناعي كان المُزارعون في نضال وكفاح مع الفئة الجديدة من أصحاب الصناعات البارزين، وبدأ النقد لنظام المحسوبية الشائعة، إذ كانت الشخصيات السياسية الناجحة توزع على أنصارها المناصب الحكومية، وبعد 30 عامًا من الكفاح أُقر قانون «بندلتون» الخاص بموظفي الحكومة عام 1883.

وكانت الشركات الرأسمالية تتنافس على الأسواق والمنافع بضراوة منقطعة النظير، ولم تكن تبالي بمصير العمال ووضعهم البائس المزري، كانت تستغلهم إلى أقصى حد ممكن استغلالًا لا إنسانيًّا.

وقف الرئيس روزفلت ضد هذا الاتجاه وقال: «ينبغي أن يتوقف التنافس بين الرأسماليين عند حدود معينة لكي يحل محله التعاون من أجل مصلحة البلاد ككل».

لذلك اتهموه «بالاشتراكية» باعتبار أن هذا النعت كان سلبيًّا في أمريكا الرأسمالية، والواقع أن أفكاره في العشرينات من القرن الماضي كانت مضادة لأفكار معظم السياسيين الآخرين.

وحتى في ما يخص الهجرة كان أكثر تسامحًا من غيره، ووقف ضد تحديد نسبة معينة لكل شعب يريد أن يهاجر إلى أمريكا، ووقف أيضًا موقفًا إيجابيًّا من الصراع الذي اندلع آنذاك داخل الحزب الديمقراطي بين اليهود، والبروتستانت، والكاثوليك.

وكان لحرية الصحافة نصيب في هذا الإصلاح، في عام 1873، نشر الكاتب الأمريكي الساخر «مارك توين» نقده الدقيق في مجلة «جيلدد إيج» وتوالت المقالات اللاذعة في الصحف اليومية، وأشهر المجلات المعروفة آنذاك كمجلة «ماكلورز» و«إفري بوديز» عن الشركات والشؤون المالية، والأطعمة الفاسدة، والسكك الحديدية، ولجأوا إلى القصة المصورة وسيلة للتعبير.

فقد أوضحت قصة «فرانك نورس» (الحفرة) كثيرًا من مظالم المزارعين، وكشفت قصة «مخازي المدن» للكاتب «لنكولن ستيفن» عن الفساد السياسي، وكان لهذا العرض الأدبي تأثير حيوي في تحفيز الناس على العمل.

وقد دفعت أكثر أعمال الكتاب المصلحين ويقظة الشعب السادة السياسيين إلى اتخاذ تدابير عملية، وأخذت عدة ولايات تُسن قوانين عمليًّا وليس نظريًّا تهدف إلى تحسين أحوال الناس، فدعمت قوانين العمل الخاصة بالأطفال، وسنت قوانين جديدة رفعت الحد الأدنى للسن، وأنقصت ساعات العمل، وعملت على تقييد العمل الليلي.

وتكاد تكون كل شخصية من الشخصيات البارزة في هذه الفترة سواء في السياسة، أو الاقتصاد، أو العلوم، أو الأدب تستمد جزءًا من شهرتها من اتصالها بحركة الإصلاح، وكان كل أبطال هذه الحركة مصلحين يعبرون عن احتجاجهم الشديد على الأساليب والمبادئ الموروثة عن الجمهورية الريفية في القرن الثامن عشر، التي لم تعد تناسب دولة مدنية في القرن العشرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد