كلّما حدثت عملية إرهابية أو مواجهات بين قوات الأمن والإرهابيين إلاّ ويخوض المحلّلون والأكاديميون والمثقفون في الموضوع عبر مختلف وسائل الإعلام. فيطرحون أفكارًا ومقاربات عديدة متشابهة أحيانًا ومتناقضة أحيانًا أخرى بحسب التوجّهات والخلفيات السياسية والفكرية لأصحابها. الملاحظ في هذا الصّدد أنّ العديد من المقاربات يغلب عليها الطّابع الحزبي وهي أقرب ما تكون إلى الحلول الحزبية وإلى النظرة الأحادية الجانب التي يريد أصحابها فرضها بالقوّة وتحديدًا بقوّة النفوذ في المجال الإعلامي. بحيث أضحى المجال الإعلامي مجالًا لتوجيه الرّأي العام في اتّجاه تغليب طروحات وتحليلات غير واقعية وأبعد ما تكون عن المنطق السّليم.

يحسب للتجربة الثورية التونسية أنّها نجحت إلى حدّ ما لأنّها ارتكزت على الحوار والتوافق والتنازل النسبي حتى الخروج من النّفق المظلم وإفساح المجال للسفينة الدّيمقراطية أن ترسو بسلام. فبعد أن قبلت الترويكا (وحركة النهضة تحديدًا)  بمغادرة الحكم في مقابل إنجاز دستور بالتوافق وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبنية على روح التوافق، تنكّر البعض وخاصّة منهم الاستئصاليون لهذه الروح التوافقية ورجعوا بنا سريعًا إلى الحروب الأيديولوجية بما يوحي أنّهم لا يستطيعون العيش إلاّ في ظلّ الحروب والأحقاد والثّارات وفي ظلّ المآسي والمصائب والهموم. فماذا قالوا، بينما كانت المواجهات قائمة ودائرة بين الجيش والأمن التونسي وأهالي بن قردان من جهة والإرهابيين من جهة أخرى؟ قالوا إنّ حركة النّهضة هي التي فتحت الباب لهؤلاء الدّواعش في فترة الترويكا.

وهي التي سمحت للجمعيات المشبوهة بجمع التبرّعات، وهي التي سمحت لهم بالسّيطرة على المساجد. حيث قال منجي الرحوي النائب عن الجبهة الشعبية «إنّ النهضة تستّرت على الإرهابيين وامتدحت نشاطهم في زمن الترويكا!»،  وقال محسن مرزوق «من يذكّره الإرهابيون بشبابه عليه أن يندم على شبابه»، وقال الإعلامي رضا الملولي «إنّ المساجد شهدت انفلاتات في عهد الترويكا وأخرجت لنا الدواعش. كما شهدت فترة الترويكا انتشار المدارس القرآنية الموازية». وقالت سلوى الشرفي «حركة النّهضة رعت الإرهاب في فترة الترويكا». بما يعني أنّ الجماعة نسوا أو تناسوا فترة الاستبداد البورقيبي والنوفمبري التي امتدّت على خمس عقود متتالية ونسوا فترة تجفيف المنابع وتذكّروا فقط كلّ الأحداث التي حدثت في سنتين من حكم الترويكا بكلّ تفاصيلها.

صدرت هذه الاتهامات من أطراف متعدّدة: من الجبهة الشعبية ومن أعضاء في مجلس النواب وأعضاء في الاتحاد العام لطلبة تونس وأكاديميين وإعلاميين. وهو ما يؤكّد أنّ الجماعة اتفقوا على التهجّم والانقضاض على النهضة منذ زمن بعيد. وكان لا ينقصهم في كلّ مرّة سوى سبب ظاهر يتصيّدونه في مائهم العكر ثمّ يعلّقون عليه ما يخفونه في صدورهم المريضة.

وللبحث في الموضوع بأكثر دقّة لابدّ من التعريج بداية على الثورة السورية التي انطلقت في بدايتها سلمية حيث بقي الشعب السوري يردّد طيلة بضعة أشهر «سلمية سلمية».  ولكن نظام بشّار الأسد الفاشي أبى إلاّ أن يوغل في الشعب السوري قتلًا وتقتيلًا وتنكيلًا وتعذيبًا وتشريدًا وبراميل متفجّرة وأسلحة كيمياوية و…، فازداد الشعب التفافًا ولحمة حول الثورة والثوّار.

إنّ تعدّد ممارسات بشّار الأسد الاستبدادية لم يكن من نتائجها توحيد مختلف حساسيات الشعب فحسب بل إنّها أضحت وباتت نقطة جذب واستقطاب قويّة لمختلف التيّارات السلفية المتشدّدة. فلولا إرهابه ولولا ظلمه لما استوطنت العديد من الجماعات المتشدّدة وتجمّعت حوله لتحاربه. ولا بدّ من الإشارة هنا أنّ من بين ما سوقه بشّار الأسد للعالم قوله إنّ الجماعات المتشدّدة هي أصل الدّاء وأنّه جاء لمحاربتها وتخليص النّاس منها.

وكنتيجة لخطورتها فإنّه طلب من المجتمع الدولي إعانته على محاربتها والتخلّص منها. فيما أنّ واقع الحال يفيد أنّ بشّار هو أصل الدّاء والبلاء وليس العكس. ففي مقابلة مع تلفزيون بي بي سي قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري: «إن الأسد كان بمثابة المغناطيس الذي جذب المقاتلين الأجانب من مختلف أنحاء العالم، والذين جاءوا بهدف العمل على الإطاحة بنظامه، وأضاف: «أنّ من سافروا إلى سوريا فعلوا ذلك لمعارضتهم قتل الأسد لعدد هائل من المسلمين السنة من أبناء شعبه». وفي كلمة ألقاها بمعهد السّلام الأمريكي في واشنطن كرّر كيري أنّ الشعور بالكراهية لبشّار الأسد دفع الآلاف من السوريين للانضمام إلى صفوف داعش.

ولذلك كانت هذه الشرارة الأولى لتجمع هؤلا .وشدد وزير الخارجية الأمريكي على أن الولايات المتحدة سبق وأن حذرت من خطورة ذلك عندما كان الأمر في بداياته الأولى. وعندما قدّم بشّار الأسد نفسه للغرب قبل بضعة أشهر كعميل موثوق به لمحاربة الإرهاب ردّت أمريكا وأوروبا على  هذا العرض بأنّ الرّئيس السوري هو الوجه الآخر لداعش ولا يمكن القضاء على الإرهاب بدون القضاء على أهمّ أسبابه ألا وهو بشار الأسد ونظامه.

لذلك وفي ذات السياق فإنّه للتخلّص من القوى المتشدّدة في تونس لا بدّ من التخلّص أولا وبالذات من بعض القوى التي تمثّل لها قوّة جذب واستقطاب مهمّة. ولكن لسائل أن يسأل ما هي قوى الجذب هذه وفيمَ تتمثّل؟ من الواضح الذي لا يخفى على أحد أنّ قوى الجذب التي نعنيها هي كلّ بقايا الاستبداد المنتشرة هنا وهناك في السّلطة وفي الدّولة العميقة. وهي كلّ من انخرط في منظومة بن علي من أجل تحويل وجهة البلاد والعباد بالقوّة إلى الوجهة الخاطئة. وهي أيضا كلّ الاستئصاليين الذين انتشروا وتموقعوا داخل مواطن القرار وفي مختلف وسائل إعلام العار وطفقوا يحاربون الدّين ويحاربون الفضيلة وينشرون الرّذيلة على أوسع نطاق. فالشّعب التونسي هو شعب مسلم بالفطرة لا يرضى أن يحيا في ظلّ تجفيف المنابع إلى ما لا نهاية له ولا يرضى أن يعيش في ظلّ الفساد والاستبداد وإشاعة الفاحشة في وضح النّهار وعلى أوسع نطاق مدى الدهر. ولا شكّ أنّ ردود النّاس على هذا الوضع غير السليم تختلف باختلاف قناعاتهم وفهامهم ووفق ما تعرّضوا له من تجفيف المنابع.  لذلك يكون من الطبيعي أن يبرز على السّاحة متشدّدون ينخرطون في مقاومة الانحلال والتفسّخ بالشدّة والتشدّد والقوّة. فلو لم يوجد استبداد وتجفيف منابع وتفسّخ وانحلال وجهر بإشاعة الفواحش لما برز متشدّدون على السّاحة.

فكيف يمكن منع التشدّد وقنواتنا تنشر الرذيلة والفاحشة على مدار السّاعة بدون حياء ولا خجل ولا وجل؟ وكيف يمكن منع التشدّد وقنوات العار تدخل على النّاس متجرّدة من كلّ أدب وكلّ خلق؟ وكيف يمكن منع التشدّد والنّساء الديمقراطيات والدكتور عبد المجيد الشرفي ومن لفّ لفّهم يدعون إلى المثلية الجنسية علنًا وبدون حياء بدعوى الحداثة وحقوق الإنسان الكونية علاوة على أنّهم يرمون كلّ من خالفهم بالتزمّت والدّعشنة.

فأثناء المواجهات التي جدّت أخيرًا في  مدينة بن قردان وفيما كان العسكريون والأمنيون والمواطنون يواجهون الموت ويستشهدون في سبيل الله والوطن، كانت قنوات العار تستقبل الضيفات – اللّاتي أغلبهن من الاستئصاليات – للحديث حول الموضوع، كاسيات عاريات (والطقس شديد البرودة) متبرّجات. وبديهي أنّه لا يحدث ذلك إلّا كتكريس للفساد والانحلال حتّى يصبح الانحلال شيئًا مألوفًا وحتى تصبح محاربته نوعًا من التهوّر والدعشنة. وكأنّ الساهرين على هذه القنوات يقولون للمشاهدين نحن نحارب الدواعش من أجل فرض الانحلال الأخلاقي فقط وليس لغرض القضاء على الدواعش.

فالذي حدث هو أنّ العديد من الاستئصاليين انحازوا إلى الاستبداد وساهموا في تجفيف المنابع وفرضوا على النّاس التفسّخ والانحلال. حتّى إذا ثار النّاس على واقعهم البائس في ثورة مجيدة اندفع هؤلاء في لعبة مخابراتية قذرة وألصقوا التهمة حصريّا بالمتشدّدين واتهموا المصلحين بمعاداة الحقوق الكونية وبالتستّر بالدّين وبمحاولة الانقلاب على كل مظاهر الحداثة. وفي هذا الإطار فإنّ كلّ من واجههم بالقوّة والتشدّد والتنطّع رموه بالدعشنة وكلّ من واجههم باللّين والحجّة والبرهان قالوا عنه إنّه متستّر بالدّين ويريد أن ينقلب على الحداثة.

بحيث نصّبوا أنفسهم متحدّثين باسم الدين ومدافعين عنه وأضحوا هم الخصم وهم الحكم في نفس الوقت. ومختصر القول أنّه إذا ما أردنا فعلا أن نعالج المشكلة فلا بدّ أن نصوّب أنظارنا أوّلًا وقبل كلّ شيء إلى أصل الدّاء عافانا وعافاكم الله من كلّ داء. وما لم نلتفت إلى أصل الدّاء وما لم نلتفت إلى ديناصورات الدواعش فلن نقضي على ظاهرة الدواعش لأنّ هذه الدّيناصورات هي المحرّك الأساسي لتواجدهم والمولّد الأساسي لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد