يمكن تلخيص المشهد السياسي الإسرائيلي بوصفه حالة مستمرة من التقلبات والتشرذمات، الناتجة عن عوامل داخلية تتغلب على العوامل الخارجية التي يتم دائمًا تأجيجها ووضعها في وجه التيار على أنّها أساس ما يمكن تسميته بعدم الاستقرار السياسي.

من خلال قولبة حالة الاستعمار الاستيطاني التي نتجت من خلالها دولة إسرائيل نستطيع فهم أساس هذه التخبطات. بذلك تعتبر التعددية من السمات المميزة لهذه الدولة، خلّقت حالة الاستعمار الاستيطاني مجتمع مستوطنين مهاجرين قدموا من مختلف أصقاع العالم، مُتمسكين بمجموعة من الموروثات المختلفة على كافة الأصعدة وهذا بدوره أثر على المشهد السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي وغيرها. أنتجت هذه التعددية حالة من تصادم المصالح، وهذا ما يفسر إشكاليّة التشرذمات في الخريطة السياسيّة فقد باتت تحفل بألوان متعددة من الأحزاب منها العلمانية أو دينية، يسارية أو يمينية أو ليبرالية.

كانت بداية تبلور حالة عدم الاستقرار مع دخول العلاقات (الإسرائيلية-الأمريكية) بحالة من التناقض عندما امتنعت الادارة الأمريكية عن منح ضمانات بقيمة 10 مليارات لاستيعاب يهود الاتحاد السوفيتي؛ مما خلق حالة إرباك داخل الحكومة الإسرائيلية أثرت على الجانب الاقتصادي، فقد ارتفعت نسبة البطالة. تجلت حالة عدم الاستقرار مع انفراط حكومة الوحدة الوطنية الثانية وظَلَت مستمرة إلى يومنا هذا. وعلى ذات المنوال ازدادت الانقسامات داخل الأحزاب في بداية التسعينات، مع اتفاق أوسلو الذي نص على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وخروج إسرائيل من غزة وإقامة سلطة فلسطينية، كان الاتفاق كفيل بتأجيج الخلافات بين الاحزاب أو حتى داخل الحزب الواحد. على ضوء ذلك، خاض (نتنياهو) حملة ضد هذه العملية السلمية، وتم التصويت على سحب الثقة من الحكومة. وبدأت تتشكل حالة جديدة في الخارطة السياسية ففي الكنيست الرابع عشر انسحب أكثر من 29 عضو كنيست من أحزابهم، وكَوَنوا أحزابًا جديدة أو انتقلوا الى أحزاب منافسة.

وتماشيًا مع ذلك، تغيرت مكانة الأحزاب الكبيرة، برزت مع غياب اليسار الإسرائيلي وتحوله إلى الوسط، أمّا اليمين الإسرائيلي تراجع من حيث القوة وانقسم إلى قوى دينية وأخرى علمانية ذات ميزة متطرفة ومتشددة. سيطرت في هذه المرحلة تعريف الدولة الإسرائيلية، قضية الاستيطان ومسألة يهودية الدولة على البرامج السياسية لكافة الأحزاب. انشقاق (أرئيل شارون) عن حزب الليكود وتأسيسة لحزب كاديما كان أكبر دليل في هذه الفترة على التغيرات التي حصلت على الخارطة السياسية، انضم إلى الحزب العديد من الساسة والشخصيات العامة، من اليمين ومن اليسار. يترجم هذا التغيير على أنه تحول في تفكير (شارون) فقبل الأخير بحل الدولتين، وإعلان خطة أحادية للانسحاب من غزة وإزالة المستعمرات الموجودة فيها. وفي خضم هذه الأحداث تقرر حل الكنيست قبل انتهاء مدته القانونية.

غالبًا ما يتم تحييد الظروف السياسية عن الظروف الأخرى المحيطة بها. ظهر في هذه الفترة تقدم للأحزاب العرقية ذات طابع ثقافي خاص بها، مثل الأحزاب الروسية، الأحزاب العربية وحزب شاس. كان للأحزاب العربية تقدم كبير نتيجة إقبال العرب للتصويت بعد أعوام عديدة من الانقطاع، دفعهم إلى ذلك سياسة التمييز والتهميش بحقهم والتي ارتفعت بشكل كبير في تلك السنوات، والذي تزامن مع زيادة الوعي بالصراع تجاه السياسات الحكومية. تمثلت هذه السياسات أولًا، تفجير كنيسة القيامة التي ألهبت المشاعر الوطنية ووحدت الأطياف العربية الموجودة في إسرائيل. مجزرة شفا عمرو التي نبهت لعلاقة المواطن الفلسطيني بالدولة وبالأحزاب اليهودية المختلفة، كل ذلك أدى إلى التأطير السياسي للفلسطينيين. كان لحرب لبنان دور كبير فقد نتج عنها إشكاليات جمة؛ أدت هذه الحرب الى زعزعة ثقة الشعب بالحكومة والجيش خصوصًا، مع محاولة القيادة الإسرائيلية استعادة قوة الردع وثقة المواطن الإسرائيلي، لكن بقي الهـاجس الأمني لدى معضلة أساسية، وخصوصًا مـع تفـاقم الشعور بتنامي التهديد والعداء على كلٍ من الجبهة الشمالية والجنوبية في إسرائيل.

ساهمت القوانين بصورة أو بأُخرى بظهور أصوات تنادي بضرورة تغيير طريقة الحكم؛ بدأت الأصوات تعلو داخل الوسط الإسرائيلي بشأن القوانين التي تقوض الديمقراطية، فقد أدلى شمعون بيرس إلى صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أنه يشعر بالخجل من القوانين التي تسعى لتجفيف مصادر تمويل المنظمات اليسارية، ومشروع القانون الذي ينص على منع رفع الآذان في المساجد عبر مكبرات الصوت، وأضاف أنها تشوّه صورة إسرائيل، وستعمل على زيادة الضغوط التي يمارسها العالم على إسرائيل، وأكد أن مشروع القانون الخاص بشأن منع استعمال مكبرات الصوت في المساجد سيثير في حال سنّه غضب المسلمين في العالم أجمع وغضب العالم العربي برمته على إسرائيل. بَرَزَت أصوات تنادي بتغيير طريقة الحكم في إسرائيل تمهيدًا لحل الكنيست قبل فترته القانونية، فقد أشار شاؤول موفاز: يجب أن نحرص على تغيير نظام الحكم، كما يجب أن نحرص على أن يكون رئيس الحكومة هو من حصل على العدد الأكبر من الأصوات، وأن نضمن استقرار موقع رئيس الحكومة كي يستطيع الانصراف إلى معالجة المسائل الأساسية المتعلقة بوجود إسرائيل، لا المسائل المتعلقة ببقائه السياسي، وعلينا أيضًا أن نحرص على ألاّ يتم إسقاط الحكومة إلاّ بواسطة أغلبية ثلثي الأعضاء.

كان للعوامل الداخلية حصة كبيرة في التغييرات الحاصلة على المشهد السياسي. فعلى خلفية قانون الخدمة العسكرية الالزامية، وقانون طال الذي يفرض الخدمة العسكرية على الشبان اليهود الأصوليين، انسحب كل من شاؤول موفاز، وحزب كاديما وكتلة الحزب البرلمانية من الائتلاف الحكومي برئاسة نتنياهو. عارض نتنياهو مشروع التجنيد واقترح مشروع آخر يقضي بالتجنيد، ولكن بشكل تدريجي لليهود المتدينين خشية من خسارة بعض حلفائه المتشددين. بالإضافة إلى ذلك كان لقضية تجنيد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية نصيب في ذلك، فقد عارض نتنياهو ومجموعة من الوزراء في حزبه فرض الخدمة العسكرية على المواطنين العرب داخل حدود عام (1948). في عام (2012) وقع أكثر من 30 جنرالًا في الجيش الاسرائيلي على تعديل هذا القانون، والإقرار بأن كل شخص في إسرائيل ملزم بالتجنيد للخدمة الإلزامية في الجيش. على ذلك وقع نتنياهو تحت ضغط من طرفين متقاطبين، المتدينون الذين يرفضون الخدمة العسكرية، وحزب يسرائيل بيتنا الداعم لفكرة الخدمة العسكرية لكل الشباب في إسرائيل، حاول نتنياهو استقطاب حزب كاديما للدخول في الائتلاف الحكومي وإطالة عمر الحكومة، إلا أن ذلك أثر على حزب كاديما نفسه، حيث شهد انشقاقات داخلية، وانسحاب الكثير من أعضائه، وبسبب الخلافات الداخلية بين تسيبي ليفني وشاؤول موفاز، انفصلت ليفني الحزب، وأعلنت أنها سوف تؤسس حزب جديد هتنعونا (الحركة)، الذي أثر بشكل سلبي على حزب كاديما؛ مما دفعه إلى الانسحاب من الائتلاف بعد ثلاثة أشهر فقط من الانضمام. في المحصلة النهائية أدت هذه الخلافات الداخلية بشأن التجنيد والخروج من الائتلاف الحكومي إلى حل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات.

في (22- كانون الثاني 2013) أعلن نتنياهو عن إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، تحت مسوغ وجود خلافات بخصوص الموازنة العامة وفي محاولة لحمايتها من الابتزاز، ولكن ما هذا السبب إلا تمويه للأسباب الحقيقية، فشهدت الأحزاب المشاركة في الانتخابات العديد من المشاكل الداخلية، والصدامات وتضارب في المصالح بشكل كبير. وتضاربت الآراء حول القضية الفلسطينية. في البداية، شهد حزب (الحركة) برئاسة تسيبي ليفني صراعات داخلية على التمويل الانتخابي للحزب وعلى الوظائف الحزبية، تمت الإشارة إلى أن عمير بيرتس قام بالسيطرة على الجهاز الحزبي للانتخابات والاستئثار بالمناصب. اندلاع أزمات داخلية بين الأحزاب فيما يخص حرمة السبت بين الأحزاب الحريدية (الأرثوذكس الأصوليين) من خلال أحزاب إغودات يسرائيل، ويهدوت هتوراة، وشاس من جهة، وبين نتنياهو وكاتس من جهة أخرى، لرفض أحزاب الحريدية، أن تقوم وزارة المواصلات بأعمال ترميمات وإصلاحات في السكة الحديدية في إسرائيل في يوم السبت. تبعًا لذلك، أصدر نتنياهو قرارًا بوقف أعمال الترميمات؛ مما أدى انتقال الخلافات بين الليكود بحد ذاته بين نتنياهو وكاتس (رئيس مركز الليكود)، الخلافات كانت على الصلاحيات، تطلع الأخير على قيادة الليكود؛ مما دفع نتنياهو محاولة لإقالته. باتت الأحزاب تركز في الدعاية الانتخابية على القضايا الداخلية، ذهبت أحزاب اليسار إلى تحدي الحزب الحاكم (الليكود) من خلال طرح برامج تُعنى بالاهتمام بالطبقة الوسطى والفقراء، وتعمل على تقليص الفوارق الطبقية، بينما ركزت أحزاب اليمين على الاهتمام بمصالح الطبقات الغنية، وتبني سياسية رأسمالية ليبرالية.

خلال الحكومة الثالثة لنتنياهو تآكلت صورته كزعيم وحيد دون منافس لليمين الإسرائيلي، وبرز عجزه عن السيطرة على استقرار الأوضاع الأمنية. فقد شنّت إسرائيل حربًا على قطاع غزة، في 7 يوليو (تموز)، استمرت 51 يومًا، أسفرت عن الكثير من الضحايا. أدى هذا إلى زعزعة الثقة بنتنياهو وحكومته، فقد أشار المحلل السياسي (عاموس هرئيل) إلى أن السبب في انتخاب نتنياهو قدرته على إقامة نوع من فقاعة أمنية حول مواطني إسرائيل حتى لو كان هناك انتقادات أخرى، لقد كشف التعادل في المعركة مجموعة من المشكلات الصعبة في الساحة السياسية وفي أداء الجيش الإسرائيلي. نتج عن ذلك إعلان وزير الدفاع (أفيغدور ليبرمان) في يوم (7-7-2014) عن فك شراكة حزبه يسرائيل بيتنا مع حزب الليكود، نتيجة خلاف على كيفية الرد على الاعتداءات الفلسطينية. جاءت تحليلات عديدة تشير إلى أن الانفصال ليس مجرد انفصال عبثي، إنما يشير إلى رغبة ليبرمان بإسقاط نتنياهو، نتيجة الحقد الذي ولد بينهما نتيجة الاختلاف على إقرار ميزانية انتخابات بلدية القدس وانتخابات رئاسة الدولة، وأن سياسية ضبط النفس التي انتهجها نتنياهو أدت إلى تراجعه في وسط الأحزاب المؤيدة له. أعطت الخلافات والانشقاقات الداخلية بين الأحزاب وفي داخل الأحزاب نفسها، ومجابهته الحكومة من مشاكل إزاء الميزانية، والصراعات الداخلية إثر حرب غزة، فرصة لنتنياهو ولليكود لخوض معركة انتخابية جديدة تمكنه من الحكم بأغلبية يكون هو الحاكم الأكبر بين شركائه في الائتلاف. فتم حل الكنيست وإقرار إجراء انتخابات مبكرة في (17-3-2015).

جرت انتخابات الكنيست العشرين في اليوم 17 مارس (آذار) لعام 2015، ومن هنا جاءت أهمية أو إشكالية هذه الانتخابات، حيث إنها جرت في موعد متقدم جدًا عن الموعد الذي يجب أن تعقد به بحوالي عامين، في الحالات الأخرى كانت تحصل قبل موعدها بأشهر قليله فقط. خلال هذه الانتخابات تم رفع نسبة الحسم إلى 3.25% لكي لا تتمكن الأحزاب العربية من المشاركة في الانتخابات، لكن المفاجئ أنها توحدت تحت اسم (القائمة العربية المشتركة).

ما يمكن تلخيصه من خلال السابق، أنه في العقدين الأخيرين لم تُكمل أية حكومة إسرائيلية مدتها القانونية، فتراجع قوة حزبي السلطة الرئيسيين الليكود وحزب العمل دفعهم للبحث على تشكيل تحالفات مع أحزاب وسطية صغيرة، غير متجانسة فكريًا أملت بمواقفها وسياستها على الحزب الحكم، عرض ذلك الحكومات في إسرائيل إلى اهتزازات انتهت بانفراط التوليفة الحكومية، بمعنى انفلات في الحكم بحيث إن الوزارات والمناصب المهمة أصبحت بيد أحزاب صغيرة غير الحزب الحاكم. تشهد إسرائيل حالة من التشرذم، والانقسامات على كافة الأصعدة تمتاز باختفاء قوة الأحزاب الرئيسة التي حكمت في السابق لوحدها (الليكود، حزب العمل). تتسع هذه الحالة من تبلور المشاكل الداخلية كلما قلت أو تم السيطرة على الصراعات الخارجية. بات اليوم تصاعد في قوى الأحزاب المتوسطة الفئوية التي تؤثر على قرار الأحزاب الحاكمة. بالإضافة إلى ذلك حالة التشرذم والتقلبات الداخلية بين الاحزاب نبعت من مشاكل داخلية، وليست أيديولوجية يعتبر مؤشرًا خطيرًا نوعًا ما على مستقبل إسرائيل واستقرارها، إن استمرار هذه النزعة الشخصية سيعمل على اتساع التشرذم وازدياد عمق مشاكل الاستقرار في الحكومات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد