فاز حزب المحافظين في بريطانيا بأغلبية كاسحة في الانتخابات العامة، بزعامة بوريس جونسون، أمام حزب العمال بزعامة جيريمي كوروبيون. الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة خاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبمستقبل اليمين السياسي بشكل عام. هل كان اليمين السياسي في أوروبا يخطط منذ زمن طويل لحكم أوروبا، أو على أقل تقدير أهم دول في القارة العجوز، كألمانيا، إنجلترا، وفرنسا؟ وما المحرك الرئيسى للشعوب لاختيار اليمين: هل هو نزوح اللاجئين؟ أم الأحوال الاقتصادية وراء ظهور نجم اليمين السياسي في بلدان أوروبية عديدة؟

أحاول في هذا المقال شرح الفرق بين اليمين واليسار السياسي. دلالات التوجه السياسي، نشأته وانعكاساته على التوجه الاقتصادي للحكم.

أعود بكم إلى عام 1789م، حيث ثار الفرنسيون على حكم الملك لويس السادس عشر. ولم يكن الفرنسيون على رأي واحد سياسيًّا فاجتمعوا في قاعة ما يشبه مجلس النواب حاليًّا. فهناك مجموعتان: الأولى تؤمن بصلاحيات قوية للملك مدعومة ببرلمان (مناصري الملك) وهؤلاء جلسوا على يمين القاعة.

أما المجموعة الأخرى فتؤمن بتقليص صلاحيات الملك وهؤلاء جلسوا إلى اليسار (معارضو الملك). هذا التصنيف السياسي معمول به إلى يومنا هذا، ويحمل معاني أعمق ذات دلالات شعبوية واقتصادية.

فلنتخيل أن هناك مقياسًا من عشر درجات، فإن رقم خمسة في المنتصف، وإلى يمينه وإلى يساره أرقام، فكلما اتجهت نحو اليمين (صفر) ازداد الاتجاه اليميني، وكلما بعدت عن الرقم صفر فأصبح يمينًا معتدلًا، والعكس صحيح كلما اتجهت يسارًا نحو الرقم عشرة اشتد اليسار تطرفًا .أما الرقم خمسة فيسمى بالوسط والاعتدال.

التوجه اليساري يؤمن بحقوق الطبقة العاملة والعمال، وتقليل ساعات العمل، وفصل الدين عن الدولة. الحكومة اليسارية تدعو إلى فرض سيادتها على الأسواق، ومراقبة الأسعار،  وكلما اتجهنا نحو اليسار أكثر فنجد تيارات أخرى كالاشتراكية، والاشتراكية الثورية، إلى أن نقابل الشيوعية (أقصى اليسار).

أما التيار اليميني فيدعو إلى الالتزام بالجذور الدينية (المسيحية آنذاك) والمحافظة على عادات المجتمع. أما اقتصاديًّا فيؤمن بحرية السوق، وعدم تساوي أفراد المجتمع لاختلاف قدراتهم، وتقليل نفوذ الدولة على الأسعار، وهو ما يسمى أحيانًا بالرأسمالية.

إذن ما موقف الأحزاب اليمينية واليسارية من نزوح اللاجئين إلى بلدانهم؟ فإن اليمين الشعبوي يدعو إلى وقف حركة نزوح اللاجئين إلى أوروبا للحفاظ على قيم أوروبا الغربية وهويتها، أما على العكس؛ فاليسار يدعو إلى اندماج هؤلاء في المجتمع.

إذن فإن الهوية وحدها كفيلة بصعود أحزاب اليمين في دول عدة كألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا، وبولندا.

فلنتناول ألمانيا العضو الأبرز في الاتحاد الأوروبي والقوة الاقتصادية الهائلة التي تقود ما تبقى من كيانات أوروبية اقتصادية بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت ببلاد كثيرة كاليونان، والبرتغال، وإيطاليا. فصعود حزب البديل لأجل ألمانيا (AFD)، ودخوله البرلمان الألماني يدل على التوجس الأوروبي والخوف من الأجانب والمهاجرين، متغاضيًا عن كم المكاسب الاقتصادية التي يقدمها هؤلاء الأجانب للاقتصاد الألماني. ومن جانب معايشتي للأجانب في ألمانيا، بحكم وظيفتي كمدرس لغة ألمانية واندماج كنت أرى كم المعاناة التي يعانيها اللاجئين من قسوة الجو وصعوبة اللغة، فما بالك بعدم تقبل أفراد من المجتمع لهم.

ففي بعض الولايات الشرقية حيث يكمن قوة اليمين كانت تحدث، وما زالت، مظاهرات بضرورة عودة اللاجئين إلى بلدانهم، وعدم الترحيب بهم.

وعلى جانب آخر في فرنسا كانت مرشحة اليمين ماري لوبان على أعتاب قصر الإليزيه لولا هزيمتها على يد إيمانويل ماكرون في انتخابات عام 2017. فيعول الجبهة الوطنية اليمينية على الاتحاد الأوروبي على فكرة فتح الحدود واستقبال اللاجئين.

وها هي الانتخابات العامة البريطانية تنتج أيضًا فوزًا جديدًا لليمين الأوروبي، وفي هذه المرة يلوح بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وهذا من أكبر مكاسب اليمين في أوروبا. فلنرى ما تؤول إليه الأمور من حراك سياسي حاد بين الأفكار وطرق تطبيقها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد