ثالثًا: علاقة الكنيسة الكلدانية بالنواب المسيحيين

وإلى جانب التشجيع على العمل السياسي، فإن الكنيسة قد أعربت عن خيبة أملها من النواب المسيحيين، كما اتخذت مواقف متشددة تجاه بعض النواب وأحزابها. فأصدرت آراءها أو فتاواها باعتبار هؤلاء النواب لا يمثلون المسيحيين ولا أخلاق المسيح، وهي أشبه بصيغة التحريم القديمة في المسيحية، أو بفتوى التكفير عند المذاهب الإسلامية.

وجذور المشكلة تعود إلى عام 2003، عندما قام الحاكم المدني باختيار يونادم كنّا ممثل الآشوريين، العضو المسيحي في مجلس الحكم، واستبعاد المطران الكلداني عمانوئيل دلّي «البطريرك لاحقًا»، وظلّ موقف البطريركية حتى وفاة البطريرك يرى أن كنّا لا يمثل المسيحيين.[1] ومن هذه الحالات، ما يلي:

– أعلنت البطريركية رأيها حول كتائب بابليون برئاسة السيد ريان الكلداني، قائلة: «تؤكد البطريركية الكلدانية ألا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بكتائب بابليون أو غيرها من الفصائل المسيحية المسلحة ولا بالشيوخ الكلدان. لا يوجد للكنيسة الكلدانية شيوخ يمثلونها. إننا نعلن للجميع أن السيد ريان لا صلة له بأخلاق المسيح رسول السلام والمحبة والغفران، ولا يمثل المسيحيين بأي شكل من الأشكال، ولا هو مرجعية للمسيحيين، ولا نقبل أن يتكلم باسم المسيحيين. هو مجرد مقاتل في الحشد الشعبي. إنما (الكنيسة) مرجعيتها السياسية هي الحكومة العراقية، وأن ممثليها الرسميين هم أعضاء مجلس النواب»[2].

– أما رأي البطريركية حول النائب الشيوعي جوزيف صليوا، فقد كان أكثر قسوة، وما زالت العلاقة المتشنجة بينهما تشهد سجالات عديدة، قائلة: «إن هذا النائب «جوزيف صليوا» لا يمثل المكون المسيحي بأي شكل من الأشكال، ولا يمثل الكلدان ولا يشرفهم، ويبدو أنه إنسان غير مسؤول ولا يعرف حجمه وحدوده، أو مدفوع من جهة معينة».[3]

ولاحقًا، نشر إعلام البطريركية، قائلًا: «مرة أخرى نؤكد أن هذا النائب لا يمثل المكون المسيحي بأي شكل من الأشكال، ولا يمثل الكلدان ولا يشرفهم، ويبدو أنه إنسان غير مسؤول ولا يعرف حجمه وحدوده، أو مدفوع من جهة معينة. البطريركية تحذره من إذا استمر في تصرفه هذا سوف تقاضيه قضائيًّا. نتمنى إن يتعلم الدرس هو وغيره»، لذا نطالب الحزب بمحاسبته والبرلمان برفع الحصانة عنه بسبب تجاوزاته العديدة على الشخصيات العراقية والكتل السياسية الرصينة».[4]

– وأخيرًا، فقد بدت علاقة البطريركية بالنائب عمانوئيل خوشابا الفائز في انتخابات 2018 عن كتلة الرافدين، والأمين العام للحزب الوطني الآشوري، متشنجة منذ بدايتها.

فقد نشر النائب المذكور، بعد تعذّر حضوره دعوة البطريرك للنواب المسيحيين الجدد قائلًا: «إن اعتراضي كان على نقطتين رئيسيتين هما أن الدعوة لم أتلقها بشكل رسمي، ولم أرها بأم عيني، والقضية الأخرى هي المجلس المسيحي؛ فقد كان هذا الموضوع محور نقاش في اجتماع تم قبل عدة سنوات في أربيل بمشاركة عدد من أحزابنا، وسيادة البطريرك ساكو، وأعلنا موقفنا تجاه هذا الطرح، فالمفهوم الذي يتم من خلاله تبني مثل هذا المجلس يتناقض مع الطرح الذي تتبناه أحزاب شعبنا تجاه بلورة دولة مدنية تتكفل بحقوق مواطنيها، وهذا ما يتعارض مع فكرة الدولة الدينية، فإذا كنا مسيحيين، ونتجه نحو تبني هذا المفهوم، فكم بالأحرى سيكون توجه الأغلبية المسلمة التي ستكون رؤيتها باتجاه الجنوح نحو ترسيخ الدولة الدينية بناء على نظرتنا تجاه هذا الأمر»[5].

ثم عادت الكنيسة الكلدانية لترّد على تصريحات النائب عمانوئيل خوشابا حول إخفاق ترشيح البطريركية لإحدى المسيحيات لمنصب وزير الهجرة، بالقول: «نشر السيد عمانوئيل خوشابا بيانًا وُزِّع على وسائل الإعلام، منها السومرية، زاعمًا فيه أن إسقاط ترشيح السيدة هناء عمانوئيل لوزارة الهجرة والمهجرين، هو انتصار لمدنية الدولة وفصل الدين عن السياسة. إننا نأسف جدًّا لهذا التصريح الذي لا يخلو من عدم الدراية والأوهام. وإننا إذ نحترم الخيارات الديمقراطية وفق حيثياتها، نقول إن الدولة الدينية أو المدنية لا تقوم على عدم توزير سيدة مستقلة ومن التكنوقراط. وإذا كان السيد خوشابا واثقًا إلى هذا الحدّ من الادعاء، فندعوه بكل تأكيد هو وزملائه إلى العمل على قيام دولة مدنية حقيقية، وفي هذه الحال، لن يكون ثمة أي داعي، لقيام كوتا مسيحية، فهذا تعبير ديني، ولا تستشار من ثم المراجع العليا».[6]

رابعًا: السعي لإنشاء مرجعية مسيحية سياسية

نشر البطريرك لويس ساكو رؤياه للمشهد السياسي المسيحي عام 2016، قائلًا: المطلوب تشكيل فريق صغير فعّال من 7- 10 من أشخاص حكماء، ومقتدرين، وشبعانين، وسياسيين متزنين ومخلصين ليكونوا ناطقين باسم المسيحيين، ويتحملوا المسؤولية بروح الفريق الواحد، ويتصلوا بالمعنيين في الداخل والخارج. فالجوامع المشتركة بينهم ما تزال حية وتتطلب التنازل عن المصالح، والتكاتف والتعاون. والتخلص من العقد، والمشاركة البنّاءة والفاعلة مع المسلمين والآخرين في الحياة العامة. صحيح أن عددهم قد تراجع، لكن حضورهم وأداءهم لا ينبغي أن يتراجعا.

ألا يمكن أن تجتمع كافة تنظيمات شعبنا تحت اسم واحد كأن يكون: «التجمع المسيحي الوطني العراقي»؟

لماذا لا يُشكّل «مجلس سياسي مسيحي» يدعو لتأسيس مرجعية سياسية مسيحية؟

«البطريرك لا يقدم نفسه بديلًا للأحزاب السياسية ولا للنواب. لكن لو نظرنا إلى الساحة السياسية العراقية لوجدنا أن للشيعة مرجعية سياسية وللسنة مرجعية سياسية كذلك للأكراد، وللتركمان جبهة، وللشبك ولليزيديين، أما بالنسبة إلى المسيحيين فهناك تبعثر وتشتت. هناك أحزاب قومية ترشحهم هذه الجماعة أو تلك، وهي بالتالي تابعة لها، وجاءت بأشخاص يفتقرون إلى الاقتدار المعرفي والسياسي وبالتالي المسيحيون هم الخاسرون.

كان قد طرح غبطة البطريرك ساكو منذ بداية تسلمه لمسؤوليته مشروع تكوين مرجعية سياسية علمانية موحدة للمسيحيين على قاعدة الكفاءة. هذا الطرح رفض بحجة أن المسيحية ديانة وليست قومية؟ وكلما بادر لجمع شملهم برزت الاختلافات والتوجهات المنفعية الذاتية الشخصية أو القومية».[7]

ثم أعادها ثانية «البطريركية تقترح تشكيل فريق مسيحي جامع، مقتدر ومهني يكون هو المرجعية السياسية والناطق الرسمي باسم المسيحيين فيما يخص المشاركة السياسية. ويخرج بقائمة انتخابية واحدة تحت «تجمع مسيحي»، وتختار من هم الأفضل لتمثيلهم. إنها فرصة مفصلية ونأمل أن تدعم المرجعيات الكنسية هذه المبادرة. بخلاف ذلك سوف تدعم البطريركية وبكل قوتها وإمكانياتها قائمة كلدانية في الانتخابات القادمة، وتشكل فريقًا وطنيًّا كلدانيًّا لإنجاح هذه القائمة».[8]

«ألا يمكن أن تجتمع كافة تنظيمات شعبنا تحت اسم واحد كأن يكون: «التجمع المسيحي الوطني العراقي «لأننا اليوم نحتاج إلى الوحدة والألفة والتضامن. بهذه الوحدة نقدر أن نبادر بإطلاق حملة وطنية، شعارها تحقيق السلام والوئام والتعايش السلمي، واحترام كل الأديان والمذاهب والأطياف، وإشاعة روح الحريّة والديمقراطية الصحيحة».

إن تشكيل (جهة سياسية) معنية بشؤون المسيحيين، قد أصبحت رغبة عارمة لدى البطريرك الكلداني الحالي، يطرحها في كل مناسبة أو اجتماع أو لقاء، حتى الدينية منها، وعلى سبيل المثال، فـ«في الجلسة الصباحية لأعمال الجمعية العادية لمجلس كنائس الشرق الأوسط المنعقد في عمان- الأردن يوم الأربعاء 7 سبتمبر (أيلول) 2017، والتي كانت مخصصة للوجود المسيحي المهدد في الشرق الأوسط، اقترح غبطة البطريرك ساكو تشكيل لجنة في مجلس الكنائس من خبراء سياسيين وقانونيين تهتم بالوضع السياسي في الشرق الأوسط لأجل دراسة وتحليل وتقديم رؤية واضحة وحلول، كما اقترح أن يقوم المجلس بتشكيل وفد رفيع المستوى لزيارة المرجعيات الدينية المسلمة: مشيخة الأزهر والنجفـ وقام للمطالبة بإصدار موقف واضح حول المسيحيين في هذه البلدان. وقبل الظهر قابل رؤساء الكنائس جلالة الملك عبد الله الثاني».[9]

فما الذي يميز هذه اللجنة السياسية عن الأحزاب السياسية «المسيحية»؟

الغريب في الأمر، أن هذه اللجنة السياسية ستشكل في مجلس الكنائس، أي سيشكلها المجلس من مجموعة من السياسيين والقانونيين، وهي تابعة لمجلس الكنائس، وهذا ما يميزها عن الأحزاب. أو أن يجعل الأحزاب تنضوي تحت سلطة الكنيسة مجددًا كما كان الوضع في أوروبا إبان القرون الوسطى.

خامسًا: الرغبة في تمثيل المسيحيين لدى السلطة

رغبة البطريرك الكلداني في تمثيل المسيحيين العراقيين جميعًا لدى السلطة بدأت مع سعي المطران «البطريرك لاحقًا» عمانوئيل الثالث دلّي إلى تمثيل المسيحيين في مجلس الحكم المؤقت لعام 2003، كما أسلفنا، وتعززت هذه الرغبة بتولي المطران لويس ساكو مطران كركوك وتوابعها كرسي البطريركية الكلدانية في الأول من فبراير (شباط) 2013. ففي رسالته إلى سياسيي أبناء شعبه بتاريخ 16 سبتمبر (أيلول) 2013 يضع الخطوط العريضة لتدخله في الحقل السياسي وتسيّده على القرار المسيحي، ورغبته بتشكيل فريق عمل في البطريركية، جاء فيها:

«كنتُ أتمنى أن يتمّ لقاءٌ خاصٌّ يجمع العاملين في السياسة من أبناء شعبنا، لكن ظروفي الكنسيّة الكثيرة وعدم تمكني من تشكيل فريق عمل في الدائرة البطريركية حتّى الآن لم تسمح بذلك، لذلك أوجّه إليكم هذه الرسالة مقترحًا عليكم بعضَ أفكار بغية توحيد الصفوف وتفعيل الدور المسيحي في الحفاظ على اللحمة الوطنيّة من جهة، وعلى حقوق المسيحيين بوصفهم مُكوَّنًا عراقيًّا أصيلًا من جهة ثانية: ألا يمكن أن تجتمع كافة تنظيمات شعبنا تحت اسم واحد كأن يكون: «التجمع المسيحي الوطني العراقي»؟ لماذا لا يُشكّل «مجلس سياسي مسيحي».[10]

وقد نشرت إحدى الصحف رأينا بالقول: «رأى الديبلوماسيّ والخبير في الشأن المسيحيّ الدكتور رياض السندي أنّ النقد المتزايد لتدخّل رجال الدين يكشف عن الصراع على تمثيل المسيحيّين بين السياسيّين ورجال الدين. وفي رأي رياض السندي، الذي كتب مقالات تحلّل أسباب الانقسام الداخليّ المسيحيّ»، «إنّ الصراع على التصدّي لتمثيل المسيحيّين بطوائفهم الأربع عشرة ترك تأثيره في مواقف الكنيسة وتصريحاتها التي تتغيّر بين الشدّ والجذب. ففي عام 2016، أعلن البطريرك ساكو أنّ المرجعيّة السياسيّة للكنيسة هي الحكومة العراقيّة، وأنّ ممثّليها الرسميّين هم أعضاء مجلس النوّاب، لكنّه في العام الحاليّ بدّل موقفه مع تصريحه أنّ أحد النوّاب لا يمثّل المسيحيّين ولا يمثل الكلدان، فهو يمثّل رسميًّا كتلته السياسيّة، وكان المقصود بذلك النائب جوزيف صليوة».[11]

خاتمة

«ويبدو من سياسة شدّ الحبل بين السياسيّين ورجال الدين أنّ ساكو يعدّ الزعيم الدينيّ المسيحيّ، الذي حاز على الكمّ الأكبر من المعارضة والنقد نظرًا إلى شخصيّته الكاريزميّة، واتّخاذه خطوات جريئة شكّلت منافسة قويّة للسياسيّين، مثل دعوته في عام 2016 إلى مجمع مسكونيّ موحّد كمرجعيّة سياسيّة للمسيحيّين يشارك في الانتخابات بقائمة واحدة، وتوحيد تسمية المسيحيّين على أساس دينيّ، بدلًا من التشظّي في التسميات القوميّة، وترأسه وفود رجال الدين لمقابلة رؤساء الكتل السياسيّة الكبرى».[12]

والحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان، وهي أن المسيحيين ما زالوا منقسمين إلى 14 طائفة، وأن هذا الانقسام كان بسبب الكنيسة ذاتها، التي تحولت إلى كنائس بدلًا من كنيسة واحدة، وأن الكرة في ملعب الكنيسة أصلًا، وهي التي يمكن أن توحد المسيحيين، ولا حاجة للبحث عن الكرة في ملعب السياسيين ومطالبتهم بتوحيد «المكون المسيحي». بل إن الانقسام السياسي هو نتيجة منطقية للانقسام الكنسي.


[1] أصدرت بطريركية بابل الكلدانية بتاريخ 15 يناير (كانون الثاني) 2012 بيانًا إلى الشعب العراقي والمسؤولين في الدولة العراقية جاء فيه: «إن بعض السياسيين المسيحيين ونخص منهم بالذكر سعادة النائب يونادم كنا سكرتير الحركة الديمقراطية الآشورية التي لها ثلاثة مقاعد في مجلس النواب العراقي وحصلوا عليها عن طريق الكوتا المخصصة للمسيحيين، يقدم نفسه للشعب العراقي والعالم على أنه ممثل المسيحيين، وهذا لا يجوز فهو يمثل نفسه وحزبه فقط لا غير ولقد دأب في أحاديثه على تهميش الكلدان والإقلال من شأنهم وتبخيس تاريخهم والإصرار على حصرهم في إطار مذهبي كنسي فقط، وهذه أفكار عنصرية مقيته لا يجوز ترويجها في العراق الجديد. إن نظرية إلغاء الآخر قد ولى زمنها وأصبحت من الماضي غير المشرف، وإذا كان له حق الاختيار للهوية والمعتقد والقومية فمن حق الآخرين أن يكون لهم نفس الفضاء من الحرية في الاختيار، لا أن يفرض عليهم رغبات وخيارات لا يرتضونها لهم، ومن حق الكلدان إن يفتخروا ويجاهروا بقوميتهم الكلدانية، وخاصة أنهم يمثلون ما نسبته 70- 75% من مجمل مسيحيي العراق». انظر، بيان صادر عن بطريركية بابل الكلدانية إلى الشعب العراقي والمسؤولين في الدولة العراقية، موقع بيدارو، على الرابط

[2] بيان البطريركية الكلدانية بالعدد 49 في 13 مارس (آذار) 2016.

[3] بطريركية الكلدان تحمل على النائب صليوا: ليس رئيسًا للكنيسة ولا يمثل المسيحيين، موقع صحيفة الغد برس، في 07 يوليو (تموز) 2017.

[4] موقع البطريركية الكلدانية

[5] الأخ عمانوئيل خوشابا عضو مجلس النواب العراقي لـعنكاوا كوم منصب مقرر البرلمان محسوم للمكون المسيحي، موقع الحزب الوطني الآشوري.

[6] البطريركية تعقب على بيان السيد عمانوئيل خوشابا، موقع البطريركية الكلدانية في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2018.

[7] المشهد السياسي المسيحي في العراق، إعلام البطريركية، موقع البطريركية الكلدانية في 16 يناير (كانون الثاني) 2016.

[9] موقع البطريركية الكلدانية

[10] رسالة من البطريرك ساكو إلى سياسيي أبناء شعبنا الموقرين في 16 سبتمبر (أيلول) 2013.

[11] سعد سلوم، الكتل السياسيّة المسيحيّة تعارض تدخل الكنيسة في الشأن السياسيّ المسيحيّ في العراق، موقع المونيتر في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

[12] سعد سلوم، الكتل السياسيّة المسيحيّة تعارض تدخل الكنيسة في الشأن السياسيّ المسيحيّ في العراق، مصدر سابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد