علمنا منذ أيام عن اجتماعات منصات المعارضة المختلفة التي تم من خلالها مناقشة بقاء الأسد لفترة انتقالية، وهنا لن أناقش ما تم في تلك الاجتماعات، ولا ما تمخض عنها، وإنما ما يهمني هو الإقصائية الفجة التي اتبعتها تلك المنصات تجاه العنصر النسائي، والذي يمثل 50% من مكونات هذا الشعب السوري الذي يتم مناقشة مستقبله!

هذه المنصات تمثل كامل الطيف السياسي السوري تقريبًا، من أقصى «الإسلاميين» إلى أقصى «العلمانيين» مرورًا بالمعتدلين (أو من يدعي ذلك)، وعلى الرغم من اختلاف هذه المنصات في الكثير من الأمور؛ إلا أنها اجتمعت وبشكل صريح على إقصاء السيدات، علمًا أن هذا الإقصاء هو من العوامل المشتركة مع النظام أيضًا، حتى إنني أقترح أن يقوم الطرفان، النظام والمعارضة، بعقد مؤتمر مشترك يعبران من خلاله عن انتصارهم في استبعاد المرأة وتهميشها!

لست في معرض ذكر ما قدمت المرأة السورية خلال الثورة، وكيف أنها كانت الحامل الأكبر لها، وتضحياتها الجليلة التي لا تعد ولا تحصى، عدا عن كونها في نفس الوقت الضحية الأكبر سواء قبل الثورة أو خلالها، أو حتى بعدها، كما أصبح لأي عاقل أن يستشرف من تصرفات جميع الأطراف التي تدعي أنها تمثل السوريين سياسيًا، ليصبح التشدد في تطبيق الكوتة النسائية مطلبًا لا بد منه، لأنه الحل الوحيد لإنهاء استئثار الرجال بتلك المواقع السياسية، وكم هو أمرٌ مخزٍ أن يكون إشراك المرأة السورية في تقرير مصير وطنها نابعًا من مطالبات دولية تضطر المعارضة لتنفيذها إرضاءً لتلك الجهات، بدلًا من أن يكون ذلك نابعًا من احترام تلك المعارضات لما قدمته المرأة السورية، لأنها تستحق وبكل جدارة وبدون أي منّة أو فضل أن تكون على رأس من يناقشون مصير هذا الوطن، الذي قدمت في سبيل تحريره من الطغاة والمستبدين الغالي والنفيس.

لا غرابة أبدًا من تهميش النظام للمرأة قبل الثورة باستخدامه كافة الأساليب لفعل ذلك، تارة لاستجلاب رضا الطبقة الاجتماعية المحافظة في سورية، وتارة أخرى تماشيًا مع متطلبات الطبقة الكهنوتية التي كان يشتري سكوتها بعدد من الأمور، منها افتتاح عدد من معاهد تحفيظ القرآن هنا وهناك، بالإضافة إلى كبت المرأة وحقوقها حتى لا تخرج في النهاية عن طوق الطاعة العمياء للرجل على اختلاف مكانته العائلية والاجتماعية والدينية، بحجة المحافظة على النسيج الاجتماعي، والاستقرار العائلي، وكأن ظلم جانب على حساب الآخر هو ما سيجلب ذلك الاستقرار! وطبعا هذا التهميش كان ضمن سياسة تهميش للمجتمع كله بدون استثناء، ولكن كما العادة فالمرأة هي دائمًا الحلقة الأضعف.

وحتى عندما ادّعى ذلك النظام الغاشم الرغبة في تحرير المرأة، كان يسعى حقيقة لحرية الاستمتاع بها، وكان ذلك واضحًا جليًا في الثمانينيات، عندما قامت قوات رفعت الأسد -شقيق الأسد الأب- بمهاجمة النساء العفيفات في شوارع دمشق، وقامت تلك القوات بخلع الحجاب عن رؤوسهن عنوة.

المجتمع الذكوري العربي بشكل عام، والسوري بشكل خاص لا يرى المرأة إلا من خلال جنسها، والحكم عليها لا يتم من قبل فئات المجتمع المختلفة -مهما ادعت الانفتاح أو الفهم- إلا من خلال لباسها! فإن كانت محجبة فهي مرضيٌ عنها من قبل «الإسلا ميين»، ومتهمة بالتخلف من قبل «العلمانيين»، وإن كانت غير محجبة فهي «داشرة وضالة» بالنسبة «للإسلاميين»، و»متحررة وواعية» بالنسبة «للعلمانيين»، أما عن طاقاتها وإمكانياتها، مؤهلاتها وخبراتها، شخصيتها وطريقة تفكيرها فهي أمور جانبية تأتي بالدرجة الثانية أو ربما العاشرة!

لم يخطر ببال المرأة السورية أن هذه الثورة ستُحصر بإسقاط النظام فقط، وإنما كانت تحلم أن تكون بداية لإسقاط المنظومات الفكرية المتخلفة التي اشتركت في ترسيخها كافة فئات المجتمع، لذلك شاركت منذ انطلاق الثورة بفعالية، من خلال خروجها في المظاهرات جنبًا إلى جنب مع أشقائها الرجال، والتنسيق، والتطبيب، وإيصال المساعدات، وبدأت فعلًا مشاركتها بالهيئات السياسية المنبثقة لاحقا، ولكنّ كمّ الاستبعاد والمضايقات والضغط الاجتماعي الذي مورس ضدها من قبل زملائها الذكور في أية هيئة أولاً، قبل أن يحدث من قِبل المجتمع المحيط لاحقا، أدى إلى انسحابها من ذلك المضمار واتجاهها للعمل بالجانب الإنساني، فهي لم ولن تفقد أملها في هذه الثورة ولن تتوقف عن المشاركة فيها.

وهنا، ولنكن صادقين مع أنفسنا، لا يجب أن نغفل أن هناك نسبة لا بأس بها ممن يرفضون مشاركة المرأة السياسية وقدرتها على القيادة هم من الإناث أيضًا، لأن رفض المرأة في مجتمعاتنا بشكل عام ورؤيتها فقط ضمن إطار عائلتها أو ضمن بعض المهن التي تم حصرها بها كمعلمة أو ممرضة…إلخ، أصبح آفة اجتماعية شملت المجتمع بأكمله، ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا، وذلك بسبب بث أفكار تنميطية تجاهها، ابتداء من العائلة مرورًا بالمدرسة فالإعلام والمؤسسات المجتمعية الأخرى، حتى تولدت لدى المرأة القناعة أن قدراتها ووظائفها محدودة، ترتكب إثمًا إن هي حاولت الخروج من تلك الحدود، أو حتى إن حاولت غيرها فعل ذلك، لتتحقق فيها رؤية أحد المفكرين عندما قال: «الصور النمطية السلبية عن أي مجموعة بشرية أخطر ما فيها حين تحملها ذات المجموعة عن نفسها».

وفي النهاية؛ ولاستدراك ما يمكن استدراكه، فإنني لا أطالب فقط بالتشديد على تطبيق نظام الكوتة النسائية –أي أن يكون 30% نسبة السيدات من تشكيل أي هيئة عاملة في الشأن العام- لأن هذه القاعدة، للأسف، هي الوحيدة التي ساعدت على إحداث اختراق للاستبداد الذكوري بالشأن السياسي، ولكنني أطالب أيضًا أن تكون أي هيئة مُمثِلة للشعب السوري مرؤوسة من قبل امرأة، لأن نجاح تلك الهيئة سيكون أكيدًا عندها، ليس في إحراز النتائج المرجوة لمصير السوريين، فلم يستطع من استلم سابقًا أن يفعل، ولن يستطيع أحد حاليًا أن ينجح في ذلك، رجلًا كان أم امرأة، لأن قضية سورية ومصيرها تحكمها مصالح دولية وإقليمية معقدة ومتشابكة، ليس لها حل على المدى القريب كما يبدو، ولكن على الأقل سينجح تسليم الرئاسة لسيدة في تغيير فعلي لنظرة المجتمع للمرأة، وسيصبح تسلمها للمناصب القيادية أمرًا واقعًا ملموسًا يشهده السوريون أمامهم، عندها ستكون الثورة قد نجحت في تحقيق أحد أهدافها على الأقل، بإحداث تغيير جذري في نظرة المجتمع للمرأة، فليس أقدر على تحقيق التغيير من رؤية أمر يحدث أمام عينيك ليصبح عندها أمرًا ممكنًا وقابلًا للتطبيق، وليس عجيبة من عجائب الزمن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد