موقعة الجمل، وبداية النهاية للخلافة الإسلامية والحكم الرشيد.

نادى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – في الناس: كفوا عباد الله، كفوا عباد الله، ثم احتضن ابنه الحسن، وقال: ليت أباك مات منذ عشرين سنة. فقال له: يا أبي قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا. وقال رضي الله عنه بعد ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فانتهي يوم الأربعاء، 15 جمادي الثانية سنة 39 هجرية، على أشلاء من الجثث والمسلمين رؤوسهم قد تطايرت  بأيدي بعضهم البعض، ما الذي يحدث؟ وكيف تسارعت الأحداث حتى كانت الصدمة العنيفة التي اهتزت لها أركان الدولة الإسلامية؟ آثرت أن أرفع الستار عن المشهد الأخير في هذا المقال.

في الليلة البارحة كان الزبير بن العوّام، رضي الله عنه، يبحث عن علي، والتقيا، فقال له علي: أما تذكر يوم مررت مع رسول الله في بني غنم فنظر إلي وضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله: «إنه ليس بمتمرد لتقاتلنه وأنت ظالم له». فقال الزبير: اللهم نعم! ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك.

وبعدها أخذ الزبير بن العوّام، رضي الله عنه، خيله، وبدأ في الرجوع عن القتال، ولم يأخذه الكبر والعزة، وهو أحد رؤوس الجيش الذي يبلغ تعداده ثلاثين ألفًا، وذلك لما ذُكّر بحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبينما هو ينسحب من ساحة القتال، ويعود، يقول له ابنه عبد الله بن الزبير: «جمعت الجموع، ثم تعود».

ربما كانت تلك المقولة لها ما لها، وربما كان التساؤل هنا، هل كان الجيل الثاني من أبناء الصحابة قد شغل مساحات سياسية مهمة لتشكل عاملًا ضاغطًا في مسار الأحداث وصناعة القرار.

حتى قبل المشهد الأخير، كانت الأطراف جميعها قد احتكمت إلى الصلح، بعد أن أرسل أبو الحسن رسوله القعقاع بن عمرو التميمي لإنجاز المهمة التي أقرها طلحة والزبير ورحب بها أبو الحسن، الذي أعلن تصميمه على إعادة الوحدة إلى المجتمع المسلم، وبذل كل الجهد لتجاوز القتال، لكن العملية السياسية لم يكتب لها النجاح، ولم تستطع الأطراف نزع فتيل الأزمة التي فرضت واقعًا لا يمكن التراجع عنه، هنا أثارت محاولات التفاهم والإصلاح غضب قيادات القوى التي شاركت في أحداث المدينة ومقتل عثمان، وعلى رأسها علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، وسالم بن ثعلبة، وأبدى هؤلاء تخوفهم من إحلال الصلح بين المعسكرين، فهذا يعني إعلان القصاص منهم، لماذا سمح أبو الحسن لهؤلاء بالإقامة بجوار جيشه في الخريبة بالقرب من البصرة وقد أمن أن يرتدوا عليه أو أن يشكلوا جيبًا داخل المنظومة التي يحاول إعادة تشكيلها؟ هل كانت الأحداث أكثر تسارعًا؟ أم أن أبا الحسن لم يضع تصورًا لمدى خطورتهم داخل الجيش؟

تدور رحى المعركة سريعًا بعد أن استطاع قتلة عثمان أن يتسللوا وسط الجيشين ويحدثوا القتل في الجنود ليلًا، لكن أحدًا لم يستمع إلى نداء العقل؛ فالإرث الجاهلي كان أكبر من أن يتبدل خلال سنوات عاشها هؤلاء في حكم الصديق والفاروق، المكايدة التاريخية وضرورة سحق قريش ورجالها كانت مؤججة داخل أهل العراق الذين صوبوا معركتهم تجاه الهودج الذي يحمل السيدة عائشة، رضي الله عنها، بعد أن قررت الدخول إلى الميدان في محاولة هي الأخيرة لوقف القتال، لكن الإصرار على ضرب رمزيتها والتصويب المباشر في اتجاه الهودج يوحي أن نفوسًا ما زالت مرتدة عن طريق الحق تحاول أن تنتزع الصدارة دون النظر إلى حرمة صاحبة الهودج، بعد أن قُتل حماة الإسلام وأصحاب البشارة طلحة والزبير في معركة لم يخرج فيها أحدٌ منتصرًا. ما الذي دفع هؤلاء إلى تجاوز قرارات أبي الحسن وتجاوز قيادته للميدان؟ فما حدث الآن هو إعلان انقلاب عسكري كامل من أهل الكوفة على قرارت أبي الحسن رغم أنهم جيشه ورجاله، لكن سبقتهم نزعتهم وجهالتهم لتجاوز تعليمات الرجل الأول في الدولة، بيد أي دولة تلك التي يحاول أبو الحسن جمع كلمتها وقد انفجرت جاهليتها في وجهه.

الأمر كما نرى لم يكن فيه منتصر، ومهزوم بالمعنى الحربي؛ لأن الجميع من المسلمين، ومع كون الغلبة لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فإنه كان أشد الناس حزنًا، وأسفًا، وألمًا، وكان هذا أيضًا شعور مَنْ غُلِبَ ومَن غَلَبَ على السواء.

أقام أبو الحسن ثلاثة أيام في معسكره لا يستطيع أن يدخل البصرة رغم أن القبائل الخاسرة دانت له بالولاء وظل يترحم على الزبير وطلحة ودعا الله أن يجمعه بهما يوم القيامة في الجنة، ثم اجتمع بالسيدة عائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، حيث نُقلت بعد انتهاء الوقعة وجرى بينهما حوار هادئ هو أقرب إلى الاستعتاب. فذكرها بأنها قد نُهيت عن المسير إلى هذا المصير، فطلبت منه أن يصفح عنها، وقد أثنت عليه بسبب موقفه المتسامح معها ومع أنصارها، ثم سيّرها إلى المدينة في جماعة من النساء وجعل في صحبتها أخاها محمد بن أبي بكر، وزاد في تكريمها بأن خرج مودعًا وشيعها عدة أميال.

هل لنا أن نصدر حكمًا ونحدد المسؤلية في موقعة الجمل حيث التقى المسلمون بسيوفهم فيها بعضهم ضد بعض؟ الشاهد أن رجال الدين التزموا الصمت وآثروا العافية، وابتعد أهل السنة عن إبداء رأي صريح لاعتقادهم بأن الصحابة جميعهم ناجون، ووقف المجتمع المسلم موقف المشاهد مسلوب الإرادة بينما الجيشان يلتقيان وأهل الحل والعقد، وإن كان معظمهم في جيش أبي الحسن فإن المبادرات من خارج الجيشين تكاد تكون غير موجودة، وكأن الجميع ينتظر ما تسفر عنه الموقعة، لسنا بصدد تفنيد تلك الآراء بينما نحاول إلقاء الضوء على المشهد السياسي، ودراسة سلوك المجتمع المسلم تجاه الأحداث.

والواضح هنا أن قتلة عثمان يتحملون المسؤولية المباشرة عن اندلاع الحرب التي انخرط فيها كافة الأفراد، وأن قريشًا تتحمل المسؤلية الأدبية والأخلاقية في عدم احتوائها الأحداث، وتخليها عن رمز الدولة والخليفة، ما اضطره للذهاب إلى أهل العراق حيث لا سند ولا بديل. وأدت عصبية العشيرة دورًا في إذكاء روح الصراع، ذلك الاحتجاج الذي تطور إلى حد التطرف وتجاوز كل الرموز وحرمة أهل البيت، والذي هيأ الأجواء لتقبل مشهد الدماء وضرب السيوف.

تعاظمت حالة الاستقطاب داخل المجتمع، ولا يمكن بأي حال متى سقطت الدماء أن تجتمع كلمة الأمة بعدها، ربما كان ممكنًا للخليفة ضبط هذه العصبية قبل المعركة، لكنه أصبح عاجزًا عن ذلك بعدها، لا سيما أن خصومه سوف يتخذون تلك الورقة للضغط عليه أيضًا لتعزيز موقفهم في استقطاب أنصارهم، فاليوم بات في كل قبيلة قتلى سواء من هذا الفريق أو ذاك، ما زال على الطرف الآخر معاوية وأهل الشام ينتظرون اللحظة الفارقة للقفز على الجيوش المنهكة وانتزاع الملك. ماذا تحمل الأيام القادمة من الآلام لأبي الحسن بعد أن فقد رفقاء الأمس، وفقد القدرة على جمع الكلمة إلى غير عودة؟ هذا حديث المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد