أحاول أن أستجمع أنفاسي ومجامع قوتي؛ حتى أدخل إلى غرفه العمليات المركزية في بيت الخلافة، حيث الشيخان الكبيران أبو بكر وعمر لا يستطيعان المغادرة، والبلاد في حالة الطوارئ العامة، والجيوش تخرج من المدينة لإحكام السيطرة على أطراف جزيرة العرب، وإعادة استنبات الأرض الكافرة، التي تألبت على أبي بكر ورجاله. الأحداث تتسارع، وأنباء الحرب تأتي من هنا وهناك لاتساع عدد الجبهات التي يحارب فيها المسلمون، جبهات تحارب الردّة، وجبهة لمحاربة مانعي الزكاة، وحملة أخرى يجري الإعداد لها بقيادة أسامة بن زيد لتأديب الروم، الحدود مشتعلة في العراق والشام مع الروم والفرس، لا وقت للسياسة في مرحلة انتقال سياسي هي الأخطر في التاريخ؛ ربما لأن كل الصحابة الكبار كانوا مشغولين بعمل الجهاد خارج حدود المدينة، وما استبقى الخليفة إلا هيئة استشارية تتكون من عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، بينما خلت تلك الهيئة من رجل الدولة، وعبقري السياسة، علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- في بداية الخلافة، الذي ظل ينازع في أمر البيعة، ويحاول رأب صدع الود الذي كان مفقودًا بين السيدة فاطمة – رضي الله عنها- من أبي بكر، بعد أن أصر الخليفة على عدم توريثها من النبي – صلى الله عليه وسلم- فالأنبياء لا يورثون، ربما كان لهذا أثر كبير في صناعة القرار داخل البيت السياسي، بين أبي بكر وعمر، مع تدخلات حثيثة لسيدنا عثمان بن عفان.

على مدى خطوات بعيدة من الشيخين، يبدو لك أن الود كان مفقودًا بينهما، معظم قرارات الصديق في إدارة الحرب يأتي معها عمر بالرفض، هل تبدلت كاريزما الفاروق ليكون أكثر ليونة في عدم الدفع بالرجال على كل الجبهات، ومحاولة إيجاد حلول سياسية، خاصة في أمر مانعي الزكاة، وبعض القبائل العربية التي أعلنت الردّة، ليس لخلاف ديني أو عدم اقتناع بالدين، وإنما على سبيل المناورة السياسية، ورفضها الإذعان لخليفة قرشي، تلك القبائل استشعرت أن وفاة الرسول محمد تمثل لها فرصة للاستقلال عن دولته، بينما عمر بن الخطاب يحاول مجتهدًا «تبريد الجبهات»، إلا أن الخليفة الأول يغضب قائلًا له بعنف كاد أن يخترق أذني «أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر؟»، يبدو لي أن الوقت ليس مناسبًا للمكوث وقتًا أطول داخل غرفة الحرب. لكن الفاروق أيقن أن المسألة ليست ماديات بقدر أنها اختبار لهيبة الدولة، وقدرة السلطة المركزية على ردع المتمردين.

يعود الفاروق ثانية معارضًا في أمر بعث أسامة بن زيد، لما وقع منه تحت ضغوط كبار الصحابة، من أجل أن يتحدث مع أبي بكر الصديق في هذا الشأن، ليستبدل بأسامة قائدًا أكبر سنًّا، فوثب على عمر يجذبه من لحيته ويصيح له: «ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتريدني أن أخلعه؟» في إشارة لحسم القرار، الخليفة يطرق الحديد ساخنًا، فيسارع ببعث 11 بعثة في آن واحد لتأديب مدعي النبوة، ومانعي الزكاه والمرتدين، ويضع على رأسها أقوى قادته خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، في إشارة حاسمة لعدم تراجعه.

وزير الدفاع وقائد هيئة الأركان في جيوش الصديق، يتجاوز السلطة المركزية في اتخاذ قرارات الحرب، وتسيير الجيوش، وتوزيع الغنائم، مما يسبب ضيقًا لم يستطع أبو بكر أن يخفيه، ولم يستطع الفاروق أن يتجاوزه، اجتهاد خالد بن الوليد في قرارات الحرب وتسيير الجيوش في صحراء السماوة، بعد أن أرسل إليه الخليفة أن يترك المثنى بن حارثة على العراق، وأن يلحق بجيش اليرموك لقلة العدد، كاد أن يفتك بالجيش للسير في الصحراء لأربعة أيام، اجتهاد خالد وحبه للحرب حسب تكوينه قائدًا عسكريًّا، وتسرعه أحيانًا في قرارات القتال، عاد عليه بالأخطاء، التي لم يكن يراها عمر عادية، إنما تستوجب العزل، ليس لأمر كان بينه وبين خالد، لكن وزير الدفاع رد على رسالة أبي بكر بشأن توزيع الغنائم على الجيش ردًّا قاسيًا حسب رؤية الفاروق «إما أن تدعني وعملي وإلا شأنك بعملك»، لكن أبا بكر كان يرى أن كل ذلك يمكن أن يجبره عمل خالد على رأس الجيش، لكن شيئًا ظل في نفس الفاروق حتى عزل خالد بن الوليد في أول قررات خلافته على المسلمين.

أجلس الآن خلف باب دار الخلافة أنتحب من البكاء، وأصرخ كالطفل الصغير؛ فالخليفة الذي أدار أصعب فترة انتقال سياسي في التاريخ يصارع الموت، لا أستطيع قراءة المشهد، إلا أن كبار الصحابه يتوافدون على بيت الخلافة، يبدو أنه في حيرة من أمره، حتى يدخل عثمان بن عفان، ليّملي عليه اسم الخليفة القادم، ورغم أن الفاروق وليّ الخلافة على طريقة «ولاية العهد»، ورغم أن عددًا من الصحابة لم يكن يعجبهم أن يكون عمر الخليفة؛ لشدته وقوته وغلظته في شؤون العامة، ومنهم عبد الرحمن بن عوف، الذي أبدى معارضته لأبي بكر، لم تسمح الظروف لحالة من الاشتباك السياسي والحراك المجتمعي بعد موت الصديق؛ فالفاروق عمر يخرج بخطبة عبقرية في مستهل حكمه ليلجم الأفواه، ويسكت الألسنة، لكن مراسيم القرارات الأولية لأمير المؤمنين تبدو مدهشة؛ إذ ينزع عن خالد بن الوليد وزارة الدفاع، ويرفض طلب معاوية لركوب البحر لفتح بلاد الروم؛ إما لوقف طموحه وإما التروي أكثر، ثم يعود يرفض طلبًا من عمرو بن العاص بفتح مصر، هل هي البصيرة التي امتلكها عمر بن الخطاب في التصادم مع دهاة العرب ورجال السلطة؟ أم الارتباك السياسي في بداية الحكم؟ أم صراع الكاريزما مع رشد رجل الدولة داخل الفاروق؟ لكنها بداية هي الأقوى وترفع شعار أنه «لا سياسة في عهد عمر»، كيف يستطيع أمير المؤمنين عمر تجاوز تلك الأحداث، هذا ما نراه في المقال القادم عبورًا سريعًا لعهد الفاروق، حتى نؤسس لحالة الاشتباك السياسي بين المجتمع ودار الخلافة في عهد عثمان.

لمن بكى اليوم معنا على فقد الخليفة الأول قائد أصعب مراحل التاريخ، لا تحزن، غدًا الفاروق سوف يفتح كسرى والروم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد