ثالث الراشدين.. ما الذي أدى إلى غياب مقاومة الجماهير للانقلاب؟

بعيدًا عن الإحداثيات التي وضعها المؤرخون التقليديون في الحديث عن الخليفة عثمان وبعيدًا عن التأثر بالفكر الذي يعتنقه الكثير ممن قاموا بتحليل الفترة التاريخية لحكم الخليفة بين من يرى فيها صراعًا طبيقًا أو صدامًا بين فكر اشتراكي يمثله معارضو عثمان، أو فكر ثوري متعصب يرى استباحته، أي خروج مسلح على الدولة بصرف النظر عن مشروعيته ودوافعه وأحداثه ونتائجه أو فكر ديني يجرم أي تحرك معارض باعتبار أنه «خروج عن الحاكم»، الذي يؤمن هؤلاء أن حقه على الرعية هو السمع والطاعة – أو أي توجه لإضفاء الملائكية المفرطة على كل الأطراف والتي قمنا بتفصيلها باتباع منهج ابن تيمية في تشريح الأحداث السياسية – أو تفسير أي صراعات داخلية في المجتمع الإسلامي على أنها مؤامرة خارجية من أعداء الإسلام كهؤلاء الذين اختصروا الفتنة الكبرى في شخص لا يمكن تأكيد وجوده من عدمه هو «عبد الله بن سبأ»، بعد هذه المقدمة التي حاولت فيها الابتعاد عن الجانب الأدبي والروائي، والتي قصدت ذكرها لأتجاوز بها كل تلك القناعات، وأحوال البحث في اتجاهات أخرى عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى نجاح الانقلاب على الخليفة.

المجتمع الإسلامي وموقف رجال الدولة من الانقلاب على الخليفة

لا أستطيع أن أتجاوز الحديث المباشر عن المجتمع الإسلامي في جميع أمصاره بما فيها المدينة المنورة والوقوف موقف المتفرج من الأحداث، حتى وإن كان قرار الخليفة عدم الاشتباك مع المتمردين هذا لا يمنع المجتمع من الالتفاف حول عثمان، والذود عنه والدفاع عن هيبة الخلافة، الموقف المتخاذل من الجماهير تجاه أمير المؤمنين من كافة الاتجاهات والأمصار يعبر عن حالة التراخي المجتمعي في التصدي للرعاع والوقوف بجوار الخليفة الذي أتى بالشورى، والتي لم تكن قراراته السياسية تستوجب حاله الالتفاف، والانقلاب عليه، لكن هنا كان دورٌ مهمٌ لرجال الدولة أمثال علي بن أبي طالب، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وغيرهم ممن كانوا يوجهون النصح للخليفة، وتقدموا خطوة للأمام لاحتواء الأحداث، وحدث التوافق بعد أن صعد الخليفة للمنبر وأعلن موافقته على المطالب، فتم نزع فتيل الأزمة، لولا أن وقع أمر الرسالة التي وجدها أولئك المنقلبون لحاكم مصر، والتي تفضي إلى الأمر بقتلهم، والتي يذكر أنها كتبت بمعزل عن معرفة الخليفة.

حتى المحاولة الباهتة التي قام بها شباب المدينة، أمثال الحسين وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لم تكن مدعومة من المجتمع الإسلامي، رغم قلة عدد وعتاد المنقلبيين، الذين لا يمثلون وزنًا أمام إمكانات الدولة الإسلامية الكبيرة والممتدة من البصرة والكوفة إلى دمشق والشام، ثم إلى مصر واليمن، وفي القلب منه المدينة المنورة، هنا لا أستطيع أن أتجاوز أن أُحمل المسؤليه الكبري علي المجتمع الإسلامي الذي لم ينفر من أجل الدفاع عن الخليفه ومحاوله تصحيح المسار، وهنا يجب التركيز على أن حاله عدم المقاومة الجماهيرية في ذلك الوقت تحتاج إلى دراسة منفصلة لتكرارها في أحداث متكرره من التاريخ.

التنظيم السري الدقيق للحركة الانقلابية

لا أشير هنا إلى شخص عبد الله بن سبأ، فلا أظن أن رجلًا واحدًا يستطيع أن يقوم بصناعة الفتنة في حين أن دهاة العرب ما زالوا على قيد الحياة من أمثال علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وبعدهم الحسين، وعبد الله بن الزبير، الذين لم يكن لهم أبدًا أن يقبلوا بتمدد شخص كعبد الله بن سبأ، مهما كان اختلافهم مع الخليفة، ولكن هنا أتحدث عن دقة تنظيم الانقلابيين السري وعملهم خلف خطوط، وأعين مؤسسات الخليفة التي تراخت في الدفاع والعمل على تفكيك تلك الخلايا فور تكونها، أضف إلى ذلك أن هؤلاء تميزوا بالذكاء السياسي، فقد استطاعوا إرسال كتب مزوّرة منسوبة لعلي، وعائشة، وطلحة، والزبير، للحط على عثمان، و الدعوة إلى الثورة عليه.

وهذا دليل على وجود جماعة منظمة تستخدم التزوير وسيلة من وسائلها لتحقيق أهدافها الخفية. وهؤلاء استطاعوا أن يلتفوا حول رؤى الصحابة ومعارضتهم الناضجة للخليفة، ويصنعوا منها باكورة انقلاب ناعم في حين ثبت أن الإمام علي رضي الله عنه قد بصق بكلمات موجعة في وجه الحسين وعبد الله بن الزبير عندما علم بمقتل الخليفة، وأول من هرع لدخول الدار بعد علمه بالاغتيال فلم يكن خلافه مع عثمان إلا في إطار النصح والإرشاد، ويعبر هذا عن حالة اختراق متقدمة للنظام الأمني المترهل، والضعيف الذي لم يعمل بجاهزية من أجل الدفاع عن الخليفة، فقد كانت كل الظروف مهيأة لاقتحام بيت الخلافة واستباحته.

انحراف البوصلة داخل طبقة السياسيين وقاده الحرب حول الخليفة 

لا تخفى حساسية البعض من الصحابة، ليس لخطأ في تصحيحات الخليفة التي اتخذها بمجرد تصاعد الموجات الانقلابية، ولكن لانحراف طبيعي في النفوس لملامستهم للثروة والسطوة والحكم فترات طويلة، كعمرو بن العاص الذي أغضبه عزله عن ولاية مصر والسياسات المالية الاستنزافية التي اتبعها خلفه عبد الله بن أبي السرح، أو محمد بن أبي حذيفة – ربيب عثمان – الذي كان يطمع في أن يوليه عملًا، فلما رفض انشق عنه، أو كمن رأوا أن علي بن أبي طالب أحق بالخلافة، وعلى رأسهم عمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، ومحمد بن أبي بكر، وفسروا اختيار عثمان بأنه ميل من طبقة الأثرياء والتجار لمن هو منهم بشكل أو بآخر، في حين لم يثبت أن علي بن أبي طالب قد استكثرها على عثمان، أو نازعته نفسه إليها، لكن الانقلابيين جعلوها مادة انقلابهم على الخليفة، ولكن على الجانب الآخر كان هناك تحرك قبلي مضاد من قبائل غفار وبني مخزوم تضامنًا مع أبي ذر وعمار على مواقفهم التصعيدية ضد الخليفة، وربما الأكثر حدةً في أمر معارضتهم إياه في مبدأ توزيع الثروات والمساواة بين الفقراء والأغنياء، والذي بدوره استغلته بعض القبائل في التحفز أكثر لإنهاك سطوة قريش والمتمثلة في الخليفة عثمان. السبب الرئيس في تلك النقطة هو تفرغ قادة الحرب لعمل السياسة، وهو ما ذكرناه في مقالنا السابق، وذلك لتوقف أعمال الفتح والجهاد لأسباب جغرافية أو عملياتية.

الأمراء الطامحون والسطوة غير المسؤولة لبني أمية

لا يخفى على أحد حب بني أمية للملك والحكم، ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعملهم في بعض الأمور أثناء حياته، إلا أن هذا لا يمنع انحراف بوصلتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وأنهم استغلوا حياء الحبيب عثمان، وأدبه الجم الذي لم يكن يليق مع طموحهم المتسع، فعادت كرة أبي سفيان إمام قريش وزعيم الطلقاء وبني أمية ليديه ويد ذريته.. وهو الذي قال أيام خلافة عثمان رضي الله عنه: «يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فإنها لا جنة، ولا نار».. وغضب عثمان من هذه المقولة، لكنهم رغم ذلك تملكوا دولته، واستغلوا قرابته وحياءه ورحمته فيهم.. وهذا التفسير السياسي والاجتماعي المنطقي والمنهجي.

كان مروان بن الحكم أيام الثورة على عثمان رضي الله عنه يصيح في شعاب المدينة «يأيها الناس لم تنقمون علينا ملكنا».. فخلافة عثمان كان مروان يعتبرها ملكًا لبني امية، ربما رعونة مروان بن الحكم في أعمال سكرتارية الحكم كانت أحد أهم الدوافع في الانقلاب على الخليفة، رغم أن كبار الصحابة كانوا معارضين لوجود مروان بن الحكم قريبًا من مؤسسة صنع القرار، لكن الخليفة الراشد ربما تعامل مع الأمر بشيء من حسن النية، حتى القصاص وقميص عثمان كان مسوغ كل من أراد الحكم لنفسه.. ولبنيه.

هذا بالإضافه للانفصال السياسي للشام تحت قيادة معاوية، والذي لم يكن يرتضيه الصحابة الكبار، فيم يسوغ بعض الأئمة والفقهاء استعمال الخليفة لبعض من قرابته حتي يعينوه على أمر الخلافة، إلا أنهم تمكنوا من أن ينصبوا أنفسهم «الخلفاء الصغار»، وحاولوا الانفراد بالقرارات، بعيدًا عن أعين الخليفة، وكان هذا أيضًا السوغ للتمرد على الخليفة الشرعي الإمام علي كرم الله وجهه فيما بعد.

ما سبق كان محاولات لعمل تجميعة للعوامل التي أدت إلى تحرك انقلابي داخل الدولة لاقاه الخليفة الراشد بأخلاقه التي تربى عليها على يد الحبيب المصطفى، فقد تجرد من قرارات وطموحات السياسيين، واتخذ قرارات سعى بها في اتجاه النهاية الأجمل «الجنة ونعيمها» – كانت محاولاتي التركيز أكثر على النقاط دون السرد كما طلب أحبائي ممن شرفوني بقراءة المقال السابق – في القادم نتحدث عن عمق الحديث عن مظلومية عثمان، والبدء في الفترة الأكثر ألمًا مع بيعة الإمام علي رضي الله عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد