الخليفة عثمان ظالمًا أم مظلومًا؟

الرجل الذي استطاع إعداد جيش بأكمله، رئيس هيئة الإمداد والتموين بلا مقابل في الدولة الإسلامية منذ نشأتها، عبقري التجارة والمتفرد بتفاصيلها في بلاد العرب، التاجر الماهر الذي استطاع حصد النقاط والسيطرة المطلقة على بورصات الاقتصاد في الشام واليمن، رجل الدولة الذي استطاع توجيه دفة الاقتصاد في أصعب مراحل التكوين، ربما ابتعد عن الاشتغال بالسياسة في عهد صاحبيه كون أن الرجلين كانا حاسمين أكثر بما لا يدع مجالًا للعمل السياسي المفتوح، فيم اللوم على عثمان والتركة ثقيلة، فإذا كان عثمان يُلام على تعيين أقاربه ولاة، فإن عليًّا – كرم الله وجهه- هو الآخر يلام على ذلك، خاصة وأنه ولى حتى رؤوس الفتنة. لكن حقيقة الأمر أن ما فعلاه يدل على أن إسناد الإمارة للأقارب ليس حرامًا، إذ لو كان حرامًا ما اقتربا منه، ويدل أيضًا على أنهما كانا مجتهدين فيما قاما به، توخيًا للمصلحة حسب الظروف المحيطة، وأن التهمة باطلة لا تثبت أمام الحقائق التاريخية، لأنه ولى من مختلف القبائل؛ فقد أحصيت من ولاته عشرين واليًا، لا يوجد منهم من أقاربه إلا خمسة، وهم: معاوية بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر بن كريز. فهل أن يقال إن عثمان خصّ أقاربه بالإمارة دون غيرهم من الناس؟

وبرر شيخ الإسلام ابن تيمية، اعتماد عثمان على أقاربه في إدارة الدولة، بأنه لا بد للإمام من بطانة تساعده وتدافع عنه، فكان -أي عثمان- قد رأى إزورار الهاشميين وبيوتات أخرى عنه، اعتمد على عصبيته وقومه وهم موضع ثقته، وأحرص الناس على إنجاحه، وتحقيق مقاصد الشرع من عدل ورحمة بين الناس، ولكي ينتفع صاحب المنصب بعصبيته عليه أن يقرّبهم منه ويرفع ذوي النبوغ منهم إلى كفاياتهم وقدراتهم. هنا أقول، إن تعيين عثمان بعض أقاربه من بني أمية، لم يكن جديدًا على المسلمين، فقد كان بنو أمية من أكثر القبائل العربية توليًا للمناصب منذ زمن رسول الله، فإنه استعمل منهم، لكني لا أنفي طموحهم غير المحدود، كما ذكرت في مقالاتي السابقة، وأنهم كانوا سببًا في تأليب بطون العرب على الخليفة؛ ما أدى إلى هذا الانقلاب الدامي.

عودة إلى القرارات الأكثر حسمًا وقسوة تجاه الولاة، الخليفة عثمان بن عفان لم يكن غافلًا عن ولاته، ولم يرخ لهم العنان،  عندما حدث خلاف بين والي الكوفة، سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وبين عبد الله بن مسعود المسؤول عن بيت المال، ومالت جماعة إلى هذا وأخرى إلى ذاك، تدخل عثمان بحزم خشية تفاقم الخلاف، فعزل سعدًا، وعوّضه بالوليد بن عقبة، وترك عبد الله بن مسعود في مكانه، وبذلك وضع حدًّا للخصام، في حين أن سعدًا هو فاتح القاسية ومحطم إمبراطورية كسرى، لكن الخليفة لم يخش نفوذه، على جانب آخر  حتى الفاتحين والطامحين إلى النفوذ وجدوا حسمًا من عثمان، هذا عبد الله بن سعد حين فتح إفريقية سنة 27 هـ، وأخذ لنفسه خمس الخمس، لم يرض الجند بصنيعه، وأرسلوا إلى الخليفة يخبرونه بما فعل قائده، رغم أنه كان وعدًا من عثمان، وطالبوه بعزل عبد الله بن سعد عن قيادة الجيش، لأنهم لا يريدونه قائدًا عليهم بعد الذي جرى بينه وبينهم؛ فلبى عثمان طلبهم، وأرسل إلى أخيه من الرضاع، عبد الله بن سعد، يأمره باقتسام خمس الخمس الذي عنده على الجند، ويستخلف عليهم رجلًا غيره، ممن يرضاه ويرضونه، فاستجاب له عبد الله.

تلك القطعة الأفضل من القماشة الموجودة التي كان يتعاطى معها الخليفة، وهذا هو سلوك الصف الثاني الذي تغير مع الحياة ولأسباب متعددة، أحد ولاة الخليفة يشرب الخمر، ثبت أن الوليد بن عقبة قد شرب الخمر، وتكلم فيه الناس، ورفعوا أمره إلى الخليفة، وشهد عليه شاهدان بشربه للخمر، فأقام عثمان عليه الحد، وعزله عن إمارة الكوفة، وعوّضه بسعيد بن العاص، ثم أمر عليًّا بجلده. فشرب الوليد للخمر لا شك أنه ذنب كبير لا يجوز السكوت عنه، وهو أمير البلد، لذا لم يتساهل معه عثمان، فأقام عليه الحد الشرعي، وعزله عن إمارة الكوفة، ولم يرأف به، ولم يحاول تبرءته. هنا يمكنك أن تتوقف لترى بداية الانحرافات السلوكية داخل المجتمع، رغم وجود الصحابة، فالانفتاح غير المحسوب أدى إلى تفسخ تدريجي في الكتلة الصلبة، وهي ليست مسؤلية الخليفة منفردًا.

موقف آخر، أشير هنا إلى أن عثمان -رضي الله عنه- عندما استجاب لأهل الكوفة حين طردوا أميره، وعينوا أبا موسى الأشعري محله، وطلبوا منه الموافقة، يكون قد بالغ في مطاوعتهم، وملاينتهم، ومسامحتهم. نعم قد يُقال إن عثمان قد تصرّف معهم بذلك التصرّف حسمًا لعللهم، ودفعًا لشرهم وُشبههم؛ لكنني أرى – مع وجاهة ذلك التعليل– إنه كان عليه أن يؤدبهم ولا يسكت عنهم، لأن ما فعلوه هو تعد صارخ على الأمير والخليفة، وهيبة الدولة، هذا فضلًا على أن هؤلاء الناقمين من الحساد والأوباش والرعاع، لا يستحقون تلك المعاملة، بعدما تجاوزوا حدودهم. وقد أثبتت الأيام أن هؤلاء وأمثالهم هم الذين أشعلوا نار الفتنة الكبرى بين المسلمين.

لقد وقع في أوهام كثير من الناس أن عثمان – رضي الله عنه- كان ضعيفًا في موقفه من الفتنة التي أحاطت به، أو مستضعفًا يُساق إلى ما يُراد له. وهذا خطأ تاريخي فاحش يجب تصحيحه، فقد كان في وسعه أن يتخذ ولاة من نظائر عمال يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، فيُحكّمهم في رقاب المسلمين، ليستبيحوا البلاد، ويُذلوا العباد، لكنه لم يفعل ذلك؛ لأنه خليفة راشد يسوس الناس بالعدل، وراعيًا شفيقًا يرعاهم بالرحمة والليّن. وقد رأى أن له من الحقوق على رعيته ما كان لصاحبيه الصديق وعمر من قبله، لكن أهل الأهواء ودعاة الفتنة أبوا عليه ذلك، وأنَى له من «رعية الصديق والفاروق، وكان عثمان من رعيتهما، وكان صبيان الفتنة والطامحين هم رعيته».

كان عثمان طيبًا حسن النية، والطيبة وحسن النية لم يكونا قط من مقومات الحكم، لكنه لم يكن ضعيفًا متراخيًا مع عماله وهو الذي أزاح عمرو بن العاص عن حكم مصر، إن طيبته وحياءه كانت صفات شخصية يفصلها الخليفة تمامًا عن أعمال السياسة والحكم، مما سبق نرى شكيمته في تغيير الولاة ومحاسبتهم، وهو أيضًا كان يعترف بأخطائه ويسعي للإصلاح، ويمتنع عن استخدام القوه الباطشة لسحق معارضيه، وقد كانت متوافرة لديه ممثلة في جند الشام، الذي بقي محجمًا عن استدعائهم إلا حين أحس أن الخطر قد يمتد ليشمل أهل المدينة.

على أية حال، يبقي هذا الرأي الخاص الذي لا ألزم القارئ به، احترامًا لحقه في تكوين وجهة نظره الخاصة في الأمور، ولكني أنبه القارئ إلى أن التاريخ الذي يقرأه ليس لملائكة أطهار، ولا لشياطين رجيمة، وإنما هو تاريخ الإنسان الذي له ما له، وعليه ما عليه. في المقال القادم نطرح التساؤل لماذ جعل الخليفة وسيدنا معاوية ولي للدم وفي القوم علي وطلحة والزبير، ولماذا أقدم الانقلابيون للسير في اتجاه بيت الإمام علي، كرم الله وجهه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد