أبي الحسن .. هل كان قرار التقدم خاطئا أم ليس في القوم رجلٌ لها إلا عليًا؟

لم يكن اغتيال الخليفة الثالث حدثًا عاديًا في تاريخ الدولة، بل أحدث جرحًا عميقًا داخل المجتمع الإسلامي وفي شبة الجزيره، ما جعل الهوة تتسع بين فئات المجتمع المتناقضة، لا يمكننا الاشتباك مع الأحداث السياسية المتسارعة في المدينة ولا أستطيع أن أعود لاتباع استراتيجية البداية بالمشهد الأخير كما فعلت في عرض تحليل وقائع خلافة عثمان، هنا ثمة ضرورة حتمية وهي دراسة المجتمع الإسلامي مجتمعيًا وسيكولوجيًا بعد الاغتيال الذي أحدث فرزًا كبيرًا داخل النسيج الاجتماعي بين النخبة القرشية الحاكمة وبين الجمهور القبلي من جانب آخر، بالإضافة إلى نشوء الفرق السياسية الطامحة، والتي خرجت عن النسق المجتمعي الذي نظمة الفاروق ليبدأ معها الفكر السياسي في تاريخ الدولة الإسلامية. بعيدًا عن فلسفة دراسة المجتمعات التي تبتعد كثيرًا عن عملي في الهندسة، لكن الإطلالة كانت حتمية قبل طرح السؤال لماذا ذهب الثوار إلى أبي الحسن؟ الأحداث الآن تسير في خطين متوازيين، الأول أن الثائرين لم يكن لديهم خطة واضحة لإدارة الأحداث بعد الانقلاب، نعم يملكون ناصية القرار السياسي والعسكري ذلك ليسيطروا على العاصمة إلا أنهم لم يمارسوا السلطة فعليًا، ولم يكن لديهم مشروع للحل يتضمن خطوات عملية لاختيار الخليفة، في توقيت بدأ فيه كبار الصحابة في التخفي والتواري مع تسارع الأحداث في موقف لا يمكن فصله عن المشهد العام، فالفاروق الذي استطاع جمع الكلمة لصاحبه أبي بكر ليس هنا الآن، لا يخفى أن سيدنا الزبير وطلحة كانا يملكان طموحًا للخلافة لكنهما ابتعدا عن قياده الأحداث، وهنا نتساءل نحن لِمَ لمْ يكن دورهم تجميعيًا خلف الإمام عليّ في اتجاه الحسم داخل المدينة.

المشهد الثاني كان في الحراك (الذي أعتبره لا يناسب قوة الحدث) والذي قام به بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار في التقدم خطوة إلى الأمام نحو علي، إذ إن الوضع كان استثنائيًا ولا يمكن أن يكون منصب الخلافة شاغرًا، كان اسم علي يفرض نفسه، فقد كان أكثر نشاطًا أثناء حل الأزمة، حيث بدا هو المحاور الوحيد بعد انكفاء طلحة والزبير واعتزال سعد بن أبي وقاص (1) وهم الأربعة الذين بقوا من أهل الشورى ومثلوا النخبة السياسية في المدينة،كما أنه لم يكن موضع اتهام فقد كان مدافعًا منافحًا عن عثمان، لكن الشاهد هنا أن الأمور لم تجرِ على نحو مؤسساتي، على نهج الشورى التي وضعها عمر ولا برضى بعض كبار الصحابة وموافقتهم، وإنما جاءت باعتبارها خطوة شعبية دون استشارات، فقد قال جمهور المسلمين «علي بن أبي طالب نحن راضون به» (2). يبقي نمط النظام السياسي وهو إما العودة إلى نظام عمر الذي اعتمد أساسًا على المصالح القبلية واعتماد الكفاءة بعيدًا عن المحاصصة، بين القبائل وهو نظام رغم مركزيته لكن كان يؤسس لنظام ائتلافي، وإما الاستمرار في نهج عثمان الذي اعتمد على الأولوية للمصالح القرشية وقد توزعت التيارات السياسية بين هذين النمطين حتى أن الإمام علي تبنى النمط الأول، بينما جسد تيار معاوية الاستمرارية الحية والمباشرة لنظام عثمان.

التحول الاستراتيجي في الأحداث في أن الثوار الذين كانوا يمثلون عاملًا ضاغطًا على أهل المدينة من أجل إنهاء الأزمة، قد تراجعوا وتركوا الأمر لأهل المدينة، حيث لم يكن لديهم تحالفٌ مع أحد لقيادة مرحلة ما بعد عثمان، وهنا كانت النقطة القصوى في الصراع، الجميع يتراجع عن المبادرة للحل، النخبة ممثلة في الزبير وطلحة وسعد، وكبار الصحابة من جهة أخرى مغيبين أو انكفأوا عن التحرك في اتجاه عقد الشورى والثوار لا يملكون مشروعًا (اصطلاحًا علينا الفصل بين الثوار وبين قتلة عثمان). لا طريق إلا لعلي ولا أحد يصلح لها إلا صاحب لواء خيبر، لكن الرجل ذاته الذي كان يملك طموحًا خفيًا أن يكون خليفة رسول الله لم يعد بحاجة لها اليوم، أبو الحسن يرفض الخلافة في مفاجأة قاسية للجميع ويرد قائلًا: «لا تفعلوا فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا» عندئذ صَعّد أهل الأمصار وهددوا بقتل الثلاثة علي والزبير وطلحة وأناس كثيرين من أهل المدينة إن لم يحسم الأمر، وهنا نتوقف أمام غياب دور القائد الذي يستطيع جمع الكلمة والتأسيس لنظام يجتمع عليه المسلمون، نعم يبدو أن الأمر عصّي وصعب وفي القوم أربعة من المبشرين بالجنة، لكن استيعاب الأحداث وجمع الكلمة أمر مستحيل في حال سقوط أو غياب النظام السياسي.

النقطة المفصلية والأكثر ذكاءً لدى الإمام في عبقريته السياسية إذ أدرك أنه سوف يكون رهينًا للثورة المشتعلة والثوار حال أقدم على الترشح للخلافة، أو أن يستسلم للأمر الواقع، فهو رجل صاحب بصيرة ويرى نفسه أكبر من أن يقع في ذلك الفخ، اشترط أن تكون بيعته في المسجد وألا تقتصر على عامة الناس بل كبار الصحابة وأهل بدر، وذلك حرصًا على أن يكون كافة المسلمين حوله، هنا نقول أن الإمام لم يكن مرشح الثوار ولا رجلهم وأن محاولاته التواصل مع الأشتر ورفاقه وهم الأكثر اعتدالًا بين الثوار كانت من أجل حسم المسألة كما سيأتي فيما بعد، حتى طلحة والزبير كانا من المبايعين. هنا نقول إن الإمام جمعت له الكلمة حتى وإن لم تكن كالبيعات الثلاثة السابقة له، لكن الكلمة كانت له وإن خرج من البيعة معاوية ورجاله وسعد بن أبي وقاص لاعتزاله وعدد من الصحابة كون أنهم عثمانيون مثل حسان بن ثابت ومحمد بن مسلمة وغيرهم. فالجميع يعلم أن تكليف علي بالخلافة يعني العودة إلى نظام عمر قولًا واحدًا، وهنا تتغير المعادلة ثانية في عكس الاتجاه الذي يريده علي، مجموعة من الصحابة بينهم طلحة والزبير يتراجعون عن بيعتهم على اعتبار أنها كانت تحت التهديد والسلاح لكن الحقيقة تلك النقطة كانت أول حالة ارتداد سياسي يواجهها أمير المؤمنين في الخمسة أيام الأولى لحكمه، هؤلاء تحركوا لدافعَيْن هما أنهم لم يعودوا شركاء في السلطة وما يترتب على ذلك من تهديد لمصالحهم، والأمر الثاني هو الخوف من التخلي عن امتيازات لم يعد من السهولة التخلي عنها والعودة إلى نظام عمر الصارم والمتشدد.

التصادم ليس حلًا في وقت تخلى فيه عنك الجميع، الأحداث الضاغطة والمتسارعة، مطالب الثوار، الانكفاء والتردد من أهل الحل والعقد، المواجهة مع دهاة العرب معاوية ورجاله بعد انكشاف نياتهم، التركة المثقلة بعد مقتل عثمان، الطامحون الجدد، الصراع القبلي الذي لا يمكن تجاوزه لانتقال الخلافة من بني أمية لبني هاشم. كل هذا وأكثر يلقي بظلاله على رأس الخليفة الجديد في اليوم الأول.

وهنا أنحني عند قدميك متسائلًا:

أبي الحسن، هل كان قرار التقدم خاطئًا أم ليس في القوم رجلُ لها إلا عليًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد